العاملون لنشر دعوة الإسلام تميزهم غيرتهم عن الدين، كما تميزهم نياتهم الحسنة. منطلقهم الاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزادهم في كل ذلك التقوى والاستقامة، وحصنهم الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا ما يعلنه الإسلاميون بمختلف توجهاتهم وتنظيماتهم، وهذا ما يؤهلهم لقيادة الأمة المسلمة، التي أثبت التاريخ، أنها لا تبغي عن دينها بديلا، رغم كل محاولات التضليل والتنكيل.إلا أن هذه الخصائص المميزة للإسلاميين لا تحجب حقيقة ساطعة، فهم بشر كسائر البشر، معرضون للخطإ، سواء في سلوكهم الفردي أو الجماعي. الإسلاميون يجتهدون لتطبيق الإسلام في أنفسهم و مجتمعاتهم، والمجتهد مأجور، لكن اجتهاده قد لا يكون دائما على صواب. هذا أمر في غاية الأهمية ينبغي أن يعيه الإسلاميون جيدا، كما ينبغي أن تدركه المجتمعات الإسلامية.

   إن قرون الاستبداد في عالمنا- نحن المسلمين- أنتجت، مما أنتجت، ثقافة مخرومة، من عناوينها العريضة أن من يقودون الأمة لا يخطئون، بل لا يتصور ذلك في حقهم ولو على سبيل الافتراض، وكان من نتائج ذلك تسويغ الأخطاء المتكررة، وقمع مشاركة الأمة، وتعطيل النصيحة والنقد البناء الضروريان لكل اجتماع إنساني، بل الضروريان لكل إنسان ينشد الكمال.

   ثقة الأمة في قيادتها لا ترتبط بمسألة الخطإ والصواب، ولكن ترتبط بالصدق، وبذل الوسع في الاجتهاد، وتحري الإتقان بكل الوسائل، واحترام سنن الله في الكون، والأخذ بالمشورة، فإذا كان مع كل ذلك الوقوع في الخطإ، وهو ناذرا ما يكون، فهو قدر له ما بعده، ولكل جواد كبوة، ورب ضارة نافعة، وكل بني آدم خطاؤون، ومن الأخطاء نتعلم. ولا يمكن أبدا مع الصدق، وتحري الإتقان، واحترام السنن الكونية، والأخذ بالمشورة السقوط في الأخطاء القاتلة التي لا نهوض بعدها ولا صعود.

   لا يعني التسليم بإمكان الخطإ التساهل وعدم أخذ الحيطة والحذر الكافيين. فالخطأ مستساغ إذا احترم صاحبه الضوابط المشار إليها آنفا، وإذا بذل كل ما في وسعه من أجل الوصول إلى الصواب، لكن التسليم بإمكان الخطإ يهيئ الصف الإسلامي لقبول النقد.

   وللنقد معنيان في اللغة العربية؛ المعنى الأول تمييز الجيد من الرديء، من الدراهم والدنانير والنقود. فأنت تقول: نقدت الدراهم وانتقدتها إذا ميزت جيدها من رديئها، وأخرجت زيفها. ولذلك قال الشاعر:

الموت نقاد على كفه *** دراهم يختار منها الثمين   أما المعنى الثاني فهو العيب والتجريح. قال أبو الدرداء رضي الله عنه: “الناس إن نقدتهم نقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك”. وهذا نقد مذموم لا يليق بالإسلاميين، بل لا يليق بالمسلمين، لأن فاعله مأزور وليس مأجورا.

   لا شك أن المعنى الأول للنقد هو المطلوب بين الإسلاميين. فهو نقد من أجل التمييز بين الجيد والرديء، بين الأحسن والسيئ. بل المطلوب بين الإسلاميين أكثر من ذلك، المطلوب أن يكون النقد بناءا. والنقد البناء هو الذي يساهم قولا وفعلا في قوة البناء الإسلامي؛ تربية وتنظيما، تصورا وتصرفا، تخطيطا وتنزيلا.

   النقد البناء ضرورة لامناص للإسلاميين من الأخذ بها. لكن بأي فهم؟ وأي معنى؟

أولا: نقد من داخل الصف الإسلامي   الصف الإسلامي يتجاوز الحدود التنظيمية، فهو تنظيمات متنوعة، وعلماء، ومثقفون، وأكاديميون، ورجال تربية وسلوك، تجمعهم الغيرة على الإسلام والدعوة إليه. والنقد الذي يساهم في قوة البناء هو النقد الداخلي، الذي يكون من داخل الصف الإسلامي. أما النقد الخارجي فإنه يكون في كثير من الأحيان بالمعنى المذموم، يمكن الاستفادة منه، بنسبة من النسب، لكن دون التعويل عليه كثيرا في تقويم البناء.

   حركة نقدية ذاتية مصدر غناها تنوع الاجتهادات بتنوع زوايا النظر، واتجاهها التصويب والتقويم، لاشك سيكون لها أثر إيجابي على حركة التجديد الإسلامي. والتأكيد على ضرورة النقد البناء من داخل الصف الإسلامي لا يعني، بحال من الأحول، أن يتحول كل العاملين في حقل الدعوة إلى نقاد. وأن يصبح الأصل في الإسلاميين هو الاختلاف، وشغلهم الشاغل هو النقد والنقد المضاد. فمتى صار هذا حالنا ضعنا وضاع مشروعنا الدعوي. الأصل في الإسلاميين هو الائتلاف والوحدة والأخوة، والرجوع إلى هذا الأصل ينبغي أن يكون مقصدا من المقاصد العامة لكل الإسلاميين بمختلف تنظيماتهم وتوجهاتهم. ومتى كان الحب في الله راسخا في الصف الإسلامي، ومتى كان النقد بآدابه، ومن آدابه أن يكون في الوقت المناسب وبالصيغة المناسبة، لن يزيدنا تناصحنا إلا تمكنا.

ثانيا: لنبدأ بمحاسبة النفس   في بعض الأحيان، وللأسف الشديد، لا يكون الباعث على النقد الدعوة إلى التصحيح والتقويم، وإنما يكون الباعث حسدا أو غير ذلك من الأمراض النفسية، لذلك على الناقد سواء كان فردا أو جماعة أن يمارس نقدا ذاتيا قبل أن ينتقد الآخرين، هذا النقد الذاتي سماه الصالحون من أمتنا محاسبة النفس، وتركوا لنا فيه صفحات مشرقة للاعتبار والاستبصار. لا بد لكل من يريد أن ينتقد الآخرين أن يسأل نفسه بصرامة، ما هو دافعي لهذا النقد؟ هل أبغي به فعلا وجه الله عز وجل؟ أليست هناك حظوظ لنفسي الأمارة بالسوء؟ هل تحريت فعلا أجدى طريقة ليكون النقد نافعا وليس ضارا؟….

   ليس في هذا دعوة للإحجام عن النقد البناء، ولكنه تذكير بقضية القضايا، الإنسان وكيف سيلقى ربه، هل بعمل صالح أساسه تقوى ونية حسنة، أم بقيل وقال في سوق الغفلة.

ثالثا: معاني النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر   بالإضافة إلى معنى محاسبة النفس ليس النقد البناء إلا نصيحة وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر. في الحديث المشهور عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة”، قلنا: “لمن؟” قال: “لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم”. فلا يستثنى أحد من النصيحة بحكم مركزه الاجتماعي، أو مكانته في التنظيم الإسلامي. والنصيحة مقرونة بالحب في الله والشورى. فالحب في الله هو الذي يهيئ النفوس لتبادل النصح بعيدا عن كل تشنج أو سوء للفهم. ولا تشجيع على إبداء النصح، إلا بتكريس مبدإ الشورى، وتوفير فضاءات لذلك. وللنصيحة في الإسلام أحكام وآداب تحدث عنها العلماء كثيرا.

   ويقول الله عز وجل: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُـونَ بِاللهِ) [آل عمـران:110]. وقد سمى الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القطب الأعظم في الدين. وأخوف ما يخاف منه أن يفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه سلوك يتوجه به الإسلاميون لغيرهم، وينسون أنهم المعنيون الأولون به. إذ لا تستقيم دعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يكن أصحابها مؤتمرين بينهم بالمعروف متناهين عن المنكر.

رابعا: حتى لا يتحول شعار النقد البناء إلى نقض للبناء   بعض المظاهر المرضية قد تحول شعار النقد البناء إلى نقض للبناء والعياذ بالله. منها عدم تمحيص الآراء النقدية والشك الدائم في القدرات والإمكانات الذاتية. لمزيد من التوضيح أقول قد تجد بعض الإسلاميين يغيرون آراءهم ومواقفهم بسرعة فائقة، ودافعهم لهذا التغيير ما يتعرضون له من انتقادات من هذه الجهة أو تلك، وأحيانا يكون التغيير بنسبة مائة وثمانين درجة. بكل تأكيد لا يمكن تبرير هذا بالانفتاح وقبول النقد. وإذا ما كان ضروريا إيجاد تفسير لذلك فهو عدم الثقة في الإمكانات والقدرات الذاتية، وعدم الانطلاق من رؤية واضحة، وخشية الناس أكثر من خشية الله، وهذه كلها نقائص لا تليق بدعاة الإسلام. فبين القبول المطلق والرفض المطلق للنقد هناك التمحيص بنوع من نكران الذات، والتمييز انطلاقا من مبادئ الإسلام وقيمه ومقاصده.

   من المظاهر المرضية أيضا أن بعض الناس يقضون وقتا طويلا في الحديث عن عيوب إخوانهم وتتبع عوراتهم، ويعقدون من أجل ذلك المجالس تلو المجالس، كل هذا بحجة الغيرة على الإسلام وضرورة النقد والنصح، والإسلام بريء من ذلك. في صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أتدرون ما الغيبة؟” قالوا: “الله ورسوله أعلم”، فقال: “ذكرك أخاك بما يكره”، قيل: “أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟”، قال: “إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتَّه”. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تتبع الإنسان لعورة أخيه المسلم: “من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله” أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

   لقد أجاز العلماء استثناءا بعض حالات الغيبة التي تكون من أجل الإصلاح والتصحيح، لكن هذا لا يعني أن تتحول المجالس إلى مجالس غيبة. ووقت الإسلاميين ينبغي أن يكون منزها عن الضياع لأن التزاماتهم الدعوية والعملية أكثر بكثير من أوقاتهم.

   ثالث هذه المظاهر المرضية أن بعض المنتقدين لا يتوجهون، أو لا يكتفون بتوجيه انتقاداتهم إلى المعنيين، فيتحول نقدهم إلى نوع من الفضح والتشهير، ويصبح من أهدافهم بث نزاعات و إثارة اضطرابات، وهذه أهداف دنيئة بعيدة كل البعد عن النقد البناء. قوة الإسلاميين في التناصح بينهم، ولا خير في من لا ينصح ولا يستنصح، لكن للنصيحة آدابها خاصة بين أبناء البيت الواحد.