رُكْنيَّة الوزن في صناعة الشعر العربي

د. عبد العالي مجدوب / [email protected]

“الوزن أعظم أركان حدّ الشعر” (العمدة، لابن رشيق: 1/134)اتفاق قُرُوني   منذ استوى الشعر العربي فنا مكتملا، في عناصره ومقوّماته، وإبداعا جميلا، في أسلوبه وتصويراته – منذ كان الشعر العربي شعرا والنقاد، على اختلاف مشاربهم وتباين مناهجهم، متفقون على كون “الوزن” ركنا أساسا من أركانه، إذا سقط سقطت معه شعرية هذا الشعر.

   وأذكر أن هذه المقالة ليست لمعالجة علم أوزان الشعر، ولذلك لن يكون من شأننا هنا أن نغوص في التفصيلات العروضية عامة، والجزئيات المتعلقة بالوزن الشعري خاصة. وإنما همي، أساسا، هو عرض الأفكار الجوهرية التي تتعلق بهذا الموضوع، وتسجيل الملاحظات المنهجية والمضمونية الفنية التي أراها ضرورية ومفيدة في رسم صورة واضحة للمقولات الحداثية، وكذلك ملامح الاختيارات البديلة في شأن موسيقى الشعر، التي تتبناها التجارب الحداثية، وعلاقة هذه الاختيارات وتلك المقالات بالأصول التراثية. هذه الأصول التي ما تزال تهيمن على الأفكار والدراسات والأطروحات الدائرة حول مبحث الوزن الشعري، بل وتهيمن حتى على أشكال البدائل التي تقترحها بعض الدراسات الحديثة.

   وكون الوزن ركنا أساسا من أركان الشعر لا يعني، على الإطلاق، إبطال أهمية العناصر الأخرى، بل الأركان الأخرى، في إقامة ماهية الشعر.

   فكل شعر هو موزون وجوبا، وليس كل موزون شعرا.

   وقد سبق النقاد القدامى إلى توضيح هذه المسألة، وبينوا، على طريقتهم، أن “ليس كل من عقد وزنا بقافية فقد قال شعرا”(الموشح، ص400)، وأن “الشعر أبعد من ذلك مراما، وأعز انتظاما.”(نفسه)

   وهذا ابن خلدون- وهو معدود في المتأخرين زمانا- يشرح في فصل عقده لِـ”صناعة الشعر ووجه تعلمه”، أن الكلام الذي ينعقد به الشعر، فضلا عن الوزن، لا بد أن يجري على “أساليب العرب المخصوصة به& لأن الشعر له أساليب تخصّه لا تكون للمنثور.”(المقدمة: ص475)

   ويقصد ابن خلدون بهذه الأساليب الخاصة أن يكون الشعر كلاما بليغا مبنيا على الاستعارة والأوصاف(نفسه)، “فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الأساليب فلا يكون شعرا.”(نفسه، ص401. انظر، في هذا المعنى أيضا، “منهاج البلغاء وسراج الأدباء”، لحازم القرطاجني، ص27،28.)

   أما الفلاسفة الذين عنوا في تنظيراتهم وأبحاثهم بصناعة الشعر، فقد ركّزوا، في تعريفهم للشعر، على ركنين أساسين اثنين، هما الوزن والمحاكاة أو التخييل. فلا يقوم شعر، عندهم، إلا بهما.

   وقد ميّز الفلاسفة بين أنواع من الكلام، وقصروا الشعر على الكلام الذي تستعمل فيه اللغة استعمالا يمتاز بفنيته وجماليته وإبداعيته. وهذا الاستعمال المتميز للغة هو الذي يصطلح على تسميته، عند الفلاسفة، بالمحاكاة أو التخييل. والتخييل، عند السجلماسي “هو موضوع الصناعة الشعرية”، ويشمل أربعة أنواع: التشبيه والاستعارة، والتمثيل والمجاز.(المنزع البديع، ص218). يُراجع عن المحاكاة والتخييل وغيرهما من الموضوعات المتعلقة بنظرية الشعر عند الفلاسفة كتابُ “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين من الكندي حتى ابن رشد”، للدكتورة إلفت كمال الروبي.

   ومن الفلاسفة من جعل ركنية المحاكاة مقدمة على ركنية الوزن، وهذا كله ليبينوا أن الوزن ليس هو كل شيء في الشعر. فأعظم هذين الركنين عند أبي نصر الفارابي، “في قوام الشعر هو المحاكاة وعلم الأشياء التي بها المحاكاة، وأصغرهما الوزن.”(كتاب الشعر، تحقيق الدكتور محسن مهدي، منشور في مجلة “شعر”، العدد12، السنة3، خريف 1959، ص92)

   ولتأكيد أهمية المحاكاة في صنعة الشعر وأن الوزن وحده فيها لا يكفي، يقول الفارابي: “وكثير من الشعراء الذين لهم أيضا قوة على الأقاويل المقنعة يضعون الأقاويل المقنعة ويزنونها فيكون ذلك عند كثير من الناس شعرا، وإنما هو قول خُطْبي عدل به عن منهاج الخطابة.”(نفسه، ص93). ويشير محقق النص الدكتور محسن مهدي في الهامش رقم(3)، إلى أن عبارة “الشعر إلى منهاج” قد تكون سقطت من النص بين كلمتي “منهاج” و”خطابة”. وقد أوردت الدكتورة إلفت كمال الروبي هذا النص بزيادة هذه العبارة التي افترض المحقق سقوطها، في كتابها “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين”، ص231.

   وهذا هو أيضا مذهب ابن سينا. فليس الوزن وحده، عنده، هو كل شيء في الشعر. يقول ابن سينا: “وقد يعرض لمستعمل الخطابة شعرية، كما يعرض لمستعمل الشعر خطابية. وإنما يعرض للشاعر أن يأتي بخطابية، وهو لا يشعر إذا أخذ المعاني المعتادة والأقوال الصحيحة التي لا تخييل فيها ولا محاكاة، ثم يركبها تركيبا موزونا. وإنما يغتر بذلك البُلْه، وأما أهل البصيرة، فلا يعدّون ذلك شعرا. فإنه ليس يكفي للشعر أن يكون موزونا فقط.”(الخطابة، ص204. نقلا عن “نظرية لشعر عند الفلاسفة المسلمين”، للدكتورة إلفت كمال الروبي، ص232)

   ونرجع، بعد هذا الاستطراد التوضيحي، إلى ما كنا فيه من حديث عن إجماع النقاد على ركنية الوزن في قوام الشعر.

   لقد وصف النقاد، عبر مختلف العصور، هذه الحقيقة بعبارات تراوحت بين الإيجاز المركز والتطويل المستفيض. فمثال الإيجاز المركز عبارة قدامة بن جعفر المشهورة، في تعريف الشعر: “إنه قول موزون مقفى يدل على معنى”(نقد الشعر، ص64)، وقول أبي العلاء المعري، على لسان إحدى شخصياته في رسالة الغفران: “والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط، إذا زاد أو نقص أبانه الحس.”(رسالة الغفران: ص103، طبعة دار الكتب العلمية)، وقول السجلماسي: “الشعر هو الكلام المخيل المؤلف من أقوال موزونة متساوية، وعند العرب مقفاة& “(المنزع البديع، ص218). وهذا التعريف يطابق تعريفا من تعريفات ابن سينا الفيلسوف.(انظر “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين”، ص84)

   ومثال التطويل قولُ حازم القرطاجني: “الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه& بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام، أو قوة صدقه أو قوة شهرته، أو بمجموع ذلك.”(منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص71)

   وقوله في مكان آخر: “الشعر كلام مخيل موزون، مختص في لسان العرب بزيادة التقفية إلى ذلك، والتئامه من مقدمات مخيلة، صادقة كانت أو كاذبة، لا يشترط فيها-بما هي شعر- غير التخييل.”(نفسه، ص89)

   وقول ابن خلدون: “الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي، مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به.”(المقدمة، ص475)

   وقد امتازت مقالات الفلاسفة خاصة، في وزن الشعر، ببعض الإضافات التي اقتضاها طابع ثقافة العصر، واتساع مجال الاطلاع ونطاق التواصل، وتعدد مصادر العلوم والحضارة والثقافة. تُراجع، مثلا، مقالات الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد، في موضوع “الوزن والموسيقى”، في كتاب “نظرية الشعر عند الفلاسفة المسلمين”،(م.س)، ص231 وما بعدها. وراجع، في المرجع نفسه، مقالاتهم في تعريف الشعر، ص71 وما بعدها.

   لكن هذا الاختلاف والتنوع والغنى في أوجه التناول وأسلوب المعالجة لم يمس جوهر الاتفاق على أن الوزن ركن أساس وضرروي في تحقق شعرية الشعر.

“اللغة الشاعرة” ونابتة الإديولوجية الحداثية الهدْمية   ومع تطور الفلسفة الحداثية العربية وبداية انتشارها في الخمسينات، بدأت تظهر بوادر مراجعة هذا الاتفاق “القروني”، وبدأت تُسمع في الأوساط الأدبية أصوات تنادي بمراجعة كل ما له صلة بالتراث الأدبي والنقدي.

   ولم تزل هذه الأصوات تتعالى، وتكبر، ويتسع مدى صداها، تظللها وتزكيها وتدعمها الإديولوجية الحداثية العنفية المتطرفة، حتى استوت نظريةً كاملةً، ليس لها من لغة في قراءة التراث، مهما كانت قيمة هذا التراث، إلا لغةُ التجاوز، والهدم، والرفض، وأصبح يكتب ويُنشر أنه يمكن أن يكون هناك فن شعري عربي من غير وزن.

   وتقوم اعتراضات هذا التيار الحداثي الإديولوجي الرافض على دعوى أن اتفاق النقاد على ركنية الوزن في قيام فن الشعر إنما هو اتفاق “رجعي” يمثل عصورا ساد فيها التفكير من خلال النموذج والقاعدة المسبقة، ولم يكن يسمح للإرادات والأفكار أن تتحرر لتبدع وتجتهد في إيجاد أشكال جديدة، مما أعطى للنموذج الموروث، والقاعدة المسبقة سلطة قامعة كابحة، موجهة إلى الوراء، إلى الماضي، والحال أن الزمان يسير إلى الأمام، إلى المستقبل.

   هذا هو ملخص دعوى المعترضين. وسأعود، في مقالة لاحقة، إن شاء الله، إلى مناقشة بعض الآراء والأطروحات في هذه الدعوى.

   أما الآن، فأسأل سؤالا أراه جوهريا في هذا السياق، وهو: لماذا كان للوزن كل هذه الأهمية خلال هذه القرون الطويلة في تاريخ شعرنا العربي؟

   ولماذا لا يزال للوزن حضوره الفني في زماننا المعاصر، رغم تميز العصر بطوفان الإديولوجيات الحداثية الهدمية، والفلسفات الطليعية العنفية، التي ترفض التراث جملة وتفصيلا؟. ومما يناسب التذكير به هنا أن أدونيس، في رسالةٍ بعث بها إلى أنسي الحاج من باريس، عبّر عن رفضه لِـ”كل ما هو موجود بالوراثة، بالتقليد، بالعادة”، وقال، واصفا هذا الأسلوب الرافض: “هذه طريقتنا& الوراثة، التقليد، العادة؟ يا لهذه المستنقعات المقدسة& “(من نص الرسالة في “زمن الشعر”، ص225-231).

   ومهما كان جوابنا عن مثل هذه الأسئلة قويا، فإنه، في رأينا، لن يكون في القوة التي امتاز بها ردّ عباس محمود العقاد ومن على شاكلته من الأدباء والنقاد الكبار، في التصدي لدعاوى أنصار التجديد الشعري، والانتصار لركنية الوزن في صناعة الشعر العربي.

   وقد كانت الدعامة الأساس في ردّ العقاد قائمة على الاحتجاج بأن الوزن في الشعر العربي لم يكن، في يوم من الأيام، شيئا غريبا مفروضا من خارج مقوّمات التجربة الشعرية، وإنما كان، دائما، عنصرا موجودا وجود لزوم في البناء الصرفي للكلمة العربية، التي هي المادة الخام في صناعة الشعر.

   فاللغة العربية “لغة شاعرة”، لأن التركيب الموسيقي أصل من أصولها “لا ينفصل عن تقسيم مخارجها، ولا عن تقسيم أبواب الكلمات فيها، ولا عن دلالة الحركات على معانيها ومبانيها بالإعراب أو بالاشتقاق.”(اللغة الشاعرة، لعباس محمود العقاد، ص38).

   “فإذا كان الشعر روحا يكمن في سليقة الشاعر، حتى يتجلى قصيدا قائم البناء، فهذه الروح في الشعر العربي يبدأ عمله الأصيل مع لبنات البناء، قبل أن ينتظم منها أركان القصيد.”(نفسه، ص15)

   “وحسبنا أن نلاحظ في تركيب المفردات من الحروف أن الوزن هو قوام التفرقة بين أقسام الكلام&

   “فالفرق بين: ينظر، وناظر، ومنظور، ونظير، ونظارة، ومناظرة، ومنظار، ومنظر، ومنتظر، وما يتفرع عليها هو فرق بين أفعال، وأسماء، وصفات، وأفراد، وجموع، وهو كله قائم على الفرق بين وزن ووزن، أو قياس صوتي وقياس مثله، يتوقف على اختلاف الحركات والنبرات، أي على اختلاف النغمة الموسيقية في الأداء.”(نفسه، ص17)

   فالوزن إذاً أصيل في تركيب اللغة: “فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى والمعنى حركة على حرف من حروف الكلمة، تتبدل بها دلالة الفعل، بل يتبدل بها الفعل، فيحسب من الأسماء، أو يحتفظ بدلالته على الحدث حسب الوزن الذي ينتقل إليه.

   “هذه أصالة& لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى.”(نفسه، ص161). وانظر أيضا للمؤلف نفسه: “بحوث في اللغة والأدب”، ص71،81،85.

   وقد ذهب الدكتور نجيب محمد البهبيتي إلى شيء قريب من هذا حين أكد “الارتباط الوثيق بين اللفظ ومدلوله[في اللغة العربية]، أي بين الجرس الصائت والمعنى المجرد أو المحسوس، ومدى تعبير هذا عن ذاك. وهي عملية موسيقية لا تتم إلا لمزاج حساس، دقيق الحس بالموسيقى.”(تاريخ الشعر العربي، ص93)

   وهذا، عنده “في اللغة العربية أثر من آثار الشعر، وأنه تطور تَمَّ وقبلته النفس العربية، لأنه يتصل بمركب نفسي فيها، وأنه تمَّ في أجيال طويلة متلاحقة، وأنه لكي يتم اقتضى ذلك عصورا طوالا جدّا.”(نفسه)

   فهذا الصمود “القروني” لركنية الوزن في قوام الشعر العربي، يرجع أساسا، إلى قيام أصول هذا الوزن في البناء الصرفي للمفردات، قبل أن تصاغ هذه المفردات صورا شعرية في بناء فني مكتمل.

   هذا سبب أساس. وهناك أسباب أخرى وراء رسوخ خاصة الوزن في الشعر العربي، كوقع الكلام الموزون في النفس، عموما، ولذاذته في الطبع والسمع، وعلوقه بالذاكرة والخيال. ومن النقاد الذين تحدثوا عن الوزن اللذيذ أبو علي أحمد بن محمد المرزوقي، في “شرح ديوان الحماسة”، وذلك حين ذكر أن ما كان الشعراء يحاولونه “& التحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن& لأن لذيذه يَطرب الطبع لإيقاعه، ويمازجه بصفائه، كما يَطرب الفهم لصواب تركيبه، واعتدال نظومه.”(1/9-10). انظر أيضا حازما القرطاجني، في حديثه عن التأليف الذي له حلاوة في المسموع، في “منهاج البلغاء”، ص267.

بين الوزن اللغوي الوضعي والوزن الشعري الفني   هذا عن جنس الوزن مطلقا. ويمكن التمييز تحت هذا الجنس بين نوعين اثنين:

   النوع الأول هو الوزن اللغوي الوضعي القائم في البناء الصرفي للمفردات. وأشكال هذا الوزن بعدد أشكالِ المفردات وأشكالِ ما يتركب منها من جمل وعبارات، وأشكالِ ما يتركب من هذه الجمل والعبارات من كلام طويل أو قصير.

   وحسب مفهوم هذا النوع من الوزن، يكون قولنا: “هذا كتاب البيان والتبيين لعمرو بن بحر الجاحظ” كلاما موزونا، لأنه يمكننا أن نقطّعه، استنادا إلى أصول الوزن المصطلح عليها، وإلى الأجزاء المركبة من هذه الأصول وما يلحقها من زحافات وعلل، مثلا، كما يلي:

   -0-0–0/-0–0/–0-0-0/—0-0/–0-0/-0–0/

   مستفـعلن/ فـاعلن/ مفـاعلْـتن/ فعِـلاتن/ فـعولن/ فـاعلن/

   أما الأصول فهي ثلاثة: سبب ووتد وفاصلة. “فالسبب نوعان: خفيف، وهو متحرك بعده ساكن& وثقيل، وهو متحركان(& ). والوتد أيضا نوعان/ مجموع، وهو متحركان بعدهما ساكن& ، ومفروق، وهو ساكن بين متحركين(& ). والفاصلة فاصلتان: صغرى، وهي ثلاث متحركات بعدها ساكن& ، وكبرى، وهي أربع متحركات بعدها ساكن& “(العمدة: 1/138). انظر أيضا “كتاب الكافي في العروض القوافي”، للخطيب التبريزي، ص17-18.

   أما الأجزاء المركبة، فقد اصطلحوا على حصرها، على أشهر الآراء، في ثمانية أمثلة: “اثنتان خماسيتان، وهما فعولن، فاعلُنْ، وستة سباعية، وهنّ: مفاعيلنْ، فاعلاتنْ، مستفعلن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولاتُ. وما جاء بعد هذا فهو زحاف له أو فرع عليه.”(كتاب الكافي في العروض والقوافي،(م.س)، ص19). قارن بما في “العمدة”: 1/135.

   ومثل هذا المثال، في الوزن الصرفي الطبيعي، مثل قول أدونيس:

   “ذاهل تحت شاشة النبوءة، مأخوذ بالرّمل- يا رجلْ ! قل لنا آيةً تأتي& “(الآثار الكاملة، المجلد الأول، ص523). وتسكين المنادى (رجل) هو من تصرّفي.

   فتقطيعه، حسب أصول الوزن الوضعي اللغوي، يمكن أن يكون كالآتي:

   فاعلاتُنْ/مفاعلن/مُفاعلتنْ/فعْلُنْ/فعْلُنْ/مفاعلنْ/فاعلاتنْ/مُفاعلْتُنْ/

   قلت: (يمكن)، لأن هناك عدة أشكال محتملة للتقطيع، ترجع في أساس تركيبها إلى الأصول الثلاثة والأجزاء الثمانية المصطلح عليها. فمثلا، يمكن تقطيع الكلام، فقط، بمقياس الوحدات التي تمثلها الأصول الثلاثة(الأسباب والأوتاد والفواصل). وهذا المقياس نفسه يتيح لنا عدة اختيارات لتمييز الوحدات بعضها من بعض. فقول أدونيس “ذاهل تحت شاشة النبوءة” مثلا، يمكن تقطيعه إلى سبع وحدات وفق الأصول الثلاثة المصطلح عليها، وهي: فا(سبب خفيف)، علنْ(وتد مجموع)، فا(سبب خفيف)، علن(وتد مجموع)، مَفَا(وتد مجموع)، علن(وتد مجموع)، مَفَ(سبب ثقيل).

   ومثال ثالث قول ابن قتيبة: “وللشعر دواع تحث البطيء، وتبعث المتكلّف، منها الطمع، ومنها الشوق، ومنها الشراب، ومنها الطرب، ومنها الغضب.”(الشعر والشعراء، ص30)

   فهذا الكلام أيضا، لا يخرج في وزنه الوضعي الطبيعي عن شكل من الأشكال التي تُعد بعدد إمكانيات ترتيب الأسباب والأوتاد والفواصل المحتملة.

   فالوزن إذاً، بهذا المفهوم الوضعي اللغوي، قائم في كل أنواع الكلام، في الشعر وفي غير الشعر. وهذا النوع من الوزن، هذا الوزن المتضمن في بناء اللغة ذاتها، هو الذي جعل العقاد يصف اللغة العربية بأنها لغة شاعرة، “فهي في جملتها فن منظوم منسق الأوزان والأصوات، لا تنفصل عن الشعر في كلام تألفت منه، ولو لم يكن من كلام الشعراء.

   “وهذه الخاصة في اللغة العربية ظاهرة من تركيب حروفها على حدة، إلى تركيب مفرداتها على حدة، إلى تركيب قواعدها وعباراتها، إلى تركيب أعاريضها وتفعيلاتها في بنية القصيد.”(اللغة الشاعرة، ص11)

   النوع الثاني هو الوزن الشعري الفني. وهو أشكال مستقاة من الاحتمالات اللامحدودة التي يتيحها الوزن اللغوي الوضعي.

   وقد اختلفت نظريات النقاد في أصل نشأة أوزان الشعر العربي، بين نظرية قائلة بأصالة هذه النشأة، وأخرى قائلة بأن العرب استفادوا، بعض الاستفادة، في وزن أشعارهم، من أمم أخرى.

   وممن قالوا بأصالة أوزان الشعر العربي ابن رشيق، حيث زعم أن الكلام كله كان منثورا “فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهز أنفسها إلى الكرم وتدل أبناءها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريض جعلوها موازين الكلام. فلما تم لهم وزنه سموه شعرا، لأنهم شعروا به، أي فطنوا؟”(العمدة: 1/20)

   وممن قالوا بالتأثر والاقتباس من أمم أخرى الدكتور عبد الله الطيب، في كتاب “المرشد”: 2/750 وما بعدها. اقرأ آراء أخرى متعلقة بهذا الموضوع في “منهاج البلغاء”، لحازم القرطاجني، ص231 وما بعدها، وفي “تاريخ آداب العربية”، لجرجي زيدان: 1/599، وفي كتاب “تاريخ الشعر العربي”، للدكتور نجيب محمد البهبيتي، ص85 وما بعدها، وفي كتاب “اللغة الشاعرة”، للعقاد، ص30 وما بعدها.

   والذي أرجحه مع الدكتور البهبيتي هو أن أوزان الشعر العربي قديمة قدم هذا الشعر نفسه، وأنها استغرقت، في تطورها، زمانا طويلا قبل أن تستقيم على هذا النضج والاكتمال الذي عرفناها به في الأشعار التي وصلتنا من العصر الجاهلي.(انظر “تاريخ الشعر العربي”، للدكتور البهبيتي، ص89-90)

   وهذا الوزن الفني هو الذي ميّز الشعر العربي عبر مختلف عصوره، وهو موضوع ما اصطلح على تسميته بعلم العروض، أي العلم الذي يدرس أوزان الشعر العربي، في أصولها، وأشكالها، وخصائصها الموسيقية، وما إلى ذلك من الموضوعات التي توسعت في بسطها مصنفات علم العروض والقوافي.

   والمشهور أن الخليل بن أحمد الفراهيدي- توفي بين 170 و175 هـ، على اختلاف الروايات- هو أول من تكلم في علم العروض وصنف فيه، وهو أول من استنبط أوزان الشعر العربي وصنفها إلى بحور جعل عدتها خمسة عشر بحرا، موزعة على خمس دوائر، وتعرف بالدوائر الخليلية، وهي: دائرة الطويل والمديد والبسيط، ودائرة الوافر والكامل، ودائرة الهزج والرجز والرمل، ودائرة السريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجثت، ودائرة المتقارب. ومن دائرة المتقارب استنبط الأخفش الأوسط(أبو الحسن سعيد بن مسعدة(ت221هـ) بحرا جديدا سمّاه المتدارك، ويسمّى أيضا بحر الخبب.(راجع تفصيلات هذه الدوائر والبحور في “العمدة”: 1/135 وما بعدها، و”كتاب الكافي في العروض والقوافي”، ص21 وما بعدها، وكتاب “العقد الفريد”: 6/283-289، وكتاب “تيسير علم العروض والقوافي”، للأستاذ محمد بن عبد العزيز الدباغ، ص17-18)

   وإلى المقالة الثالثة، في الأسبوع المقبل، إن شاء الله.