وذلك ما حذر منه رسول الله صلى لله عليه وسلم في قوله لأصحـابه ولنا: “فوالله ما الفَقْرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسَطَ الدنيا عليكم كما بُسِطتْ على من كان قبلَكم فتَنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم”. الحديث عند البخاري ومسلم روياه عن المسـور بن مخرمة رضي الله عنه.

ولئن كانَ في رسول الله صلى الله عليه وسلم الملجأُ من الدنيا وإهلاكها، تحضُن صحبتُه المومنين أنْ تغتالَهم زينَتُها وهم بين يديه يتعهدهم ويذوذ عنهم وهو حي يُرزق، فإن غيابَ جسده الشريف ثم توسُّعَ رقعة البلادِ الإسلامية وانبساطَ الدنيا من بعده عرَّض الصحابة لفتنة الدنيا الفاغِرةِ فاها للابتلاع. فما كان من الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما إلا أن ضَمّا إليهما خيارَ الصحابة ضنّاً بهم أن تلوثهم الدنيا.

أخرج أبو نعيم وابن عساكرَ أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قيل له: يا خليفةَ رسول الله! ألا تستعمل أهلَ بدر! قال: إني أرَى مكانهم (أيْ أعرف فضلهم)، ولكني أكره أن أدَنّسهم بالدنيا.

وكان عمرُ الفاروق رضي الله عنه يستعمل في شؤون الدولة ذوي الكفاءات العملية على ما معهم من إيمان مستبْقِياً إلى جانبه في المدينة أهل السابقة من المهاجرين والأنصار. لا رخصة لأحد أن يبرح المدينة. وقد فسر المؤرخون فعلَه ذلك بأنه سياسةٌ هدفُها مَنعُ الوُجَهاء من الانتشار في الأرض مخافة أن تتعدد “مراكزُ القوَى” فينافِسَ السلطةَ المركزيةَ منافس.وهو تعليل يليق بسطحية التحليل السياسي.

أما السببُ الحقيقيُّ في حصْرِ كبار الصحابة في المدينة واستعمالِ الأكفاءِ من المسلمين فهُوَ الحِرصُ على إبقاءِ جماعة المسلمين حاملةِ الدعوة بمَنْجىً من الاشتغال بتدبير “الدنيا” لتكون من العاصمةِ مصدرَ إشعاع إيماني ومورِدَ صفاءٍ إحسانيٍّ، تستنير بنوره الأمة، وتعُبُّ من نبعه.

قال ابن سعد رحمه لله: “وكان (عمر) يستعمل رجُلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلَ عمرو بن العاص ومعاويةَ بن أبي سفيان والمغيرةَ ابنِ شُعبة، ويدع من هو أفضلُ منهم مثلَ عثمان وعلي وطلحةَ والزبيْرِ وعبد الرحمان بن عوف ونُظرائهم لقوة أولئك على العمل والبَصَرِ به،ولإشرافِ عُمَرَ عليهم وهيبَتهم له. وقيل له: ما لك لا تُوَلِّي الأكابِر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: أكرَه أن أُدنِّسَهم بالعمل”.

هذا درسٌ من أهم الدروس للدعوة الصاعدة في صحوتها، المرشَّحَة للحكم. بل هو الدرسُ بالحروف البارزة. التحدي هو: هل تمسك الدعوة بزمام الحكم وتدير عجلته وتَبقى مستقلةَ الوجود ماضية الإرادة في وِجهَة التغيير الشامل الجذري للمجتمع، أم تجذِبها الدولة ويستقطبها الحكمُ فيستولي على النفوس، ويستغرق الجهودَ، ويغلب على الوجهة حتى تذوبَ الدعوة في الدولة؟ التحدي أساسا هو: هل يحيَى الدعاةُ بعدَ الوصولِ إلى الحُكم بحياة الإيمان والإحسان، أم “تدنسهم الدنيا” وتهلكهم كما أهلكت من كان قبلَهم؟

إن الأحزابَ السياسيةَ في أمم الأرض تتلَخَّص أهدافُها في “برنامج” للحكم تعرضُه أو تفرضُه. لا أفُقَ لها غيرُ الهدف التنموي وغيرُ التوزيع للناتج في صالح هذه الفئة أو تلك. ومن الأحزاب ما يبتدِئ ثورتَه أو إصلاحيتَه بإديولوجية تقترح على الناس أو تفرض مشروعا تغييريا يروم قلب الأوضاع، ثم لا يتعدى الأمر،بعد طول معاناة، برنامجا تنمويا أخفق أو قَصَّر عنِ الأهداف الكمية الموعودة.

وإنّ الإسلاميين في حركتهم الموفقة بإذن الله لا مناص لهم من الدخول في المعمعة إلى جانب طلاب الحكم للحكم،وطلاب الحكم للمال،وطلاب الحكم لنزع المبادرة من الإسلاميين، ومنتقدي الحكم المعارضين. ولا بد للإسلاميين من برنامج يُعْرَض، ولا بد من تصدي بعض أكابرهم للإشراف على تطبيق البرنامج.

إذا أضفْت إلى هذا بقاء الإسلاميين في الظل زمانا، مَمْنُوعين من السياسة، قليلي الخبرة بدخائلها، مُنعدمي التجربة بانعطافاتها وتعريجاتها،كان دافعُ اهتمام أكابر الدعوة بالسياسة أقوى.وإذَنْ تنصرفُ الدعوة بكليتها لتسيير دفة الحكم. وإذن فهو فَناءُ الدعوة من حيثُ هيَ دعوة، لا تلبث الدعوة أن تتحول هيكلية سياسية محضة، تتكلم كما يتكلم السياسيون، وتسلُك مسالكهم. وعُدْ بعدَ حين لزيارة الساحة فلن تجِد إلا فارقَ اللِّحي -إن وُجِدَتْ- وإلا أثاراتٍ من خطابٍ إسلامي. لا قدر الله.

ما الحيلةُ ونجاحُ الدعوة في الحكم لن يقيسَه أحدٌ بحسن النوايا التي نطقت، ولا بمنطقية البرنامج الذي عُرضَ،ولا يمكن في زمانِ الأرقام والإنجازات العينية، ملموسةٌ هي أمْ وهميّةٌ، أن يُغذِّيَ الإسلاميون الناس بالوعود والهتاف؟

إن تسيير شؤون الدولة الحديثة في أزمات مثلِ الأزمات الممسكة بخناق المسلمين أشبه شيء بالإمساك بمقادة زورق يتحرك بسرعة الجنون في بحر هائج. وإنَّ استظهار الإسلاميين بذوي الكفاآت والتخصصات من كل نوع وفي كل ميدان لضرورة بديهية. فيوشك في ظروف الأزمة وضرورة الاستعانة بالغير أن تُسَيِّرَنا إرادة غيرُ إرادتنا أو تستبد بنا الضرورَة فننصرفَ عن الدعوة وننهتك في الإدارة ويخطَفنا دَوْلابُها اليوميُّ.

ماذا يظل يفعَل رجل الإدارة الجاد المسؤول، وماذا يبيت يخطط؟ زمانه وجُهدُه تستغرقهما الهموم الدنيوية المعاشية للناس. وهي مهمة حيوية لا بد أن يتفرغ لها الأكفاء. لكن إن رصدنا لهذه المهمة خِيرةَ أهل القرآن أطباءَ القلوب عرضناهم وعرضنا الدعوة للزيغ عن وظيفتها الأساسية: ألا وهي إفشاء الرحمة الإحيائية الإيمانية الإحسانية في الناس.

إن الحركة الإسلامية تتلاشى ويَضمحل معناها إن صبغها الوسط السياسي الذي لا بد أن تخوضه بصبغته، وإن جرها “منطق الساحة” بحباله. المرجوُّ لها أن تكون قوة اقتحامية تحتل معاقل الحكم وتوطد أقدامها فيه مع تعزيز وظيفتها الإحيائية التغييرية التاريخية.

المرجوُّ لها أن يكون تماسكها التنظيمي وسلوكها الأخلاقي النموذجي وإشعاعها الروحي وخدمتها للأمة نقدا حيا عمليا للمجتمع الغثائي المتفكك الخامد الأناني. المرجوُّ لها أن تكسب ثقة الأمة وتحتفظ بها مهما كان إنجازُ الدولة أو قصورُها. ولا يصح شيء من ذلك إن كانت مجرد هيكل سياسي بين الهياكل.

من الدروب المهدِّدةِ للدعوة أن يسْرِق الخبراءُ من خارج الدعوة المفاتيحَ فيصبح الأمر دولة بلا دعوة. وذلك حين يكون إشراف الدعوة على الدولة رخوا، من بعيد. وهو تطرف إلى الجهة الأخرى.

إنهما حافتان مخيفتان كان الفاروق رضي الله عنه يستعيذ بالله من غائلتهما بقوله: “اللهم إني أعوذ بك من جَلَدِ الفاجر وعجز التقيّ”.

كان زياد بن سمية عاملا على البصرة للإمام علي عليه السلام، فلم يُذْكَرْ في عهد الخلافة بِشَرٍّ. وإنما كان الموظفَ الكُفْءَ تُسَيِّره يد أمينة قوية. فلما اغتيل الإمام واستمال النظام الأموي زيادا الداهية الكُفْءَ انخرط مع دولة الدهاء. وأعلن برنامجه في خطبته البتراء المشهورة، سُميت بتراء لأنه لم يبدأها بذكر الله. وطبق برنامجه بالفعل فسن للحجاج وأضرابه منهجا. قال مقسما: “لآخذن الوليَّ بالمولى، والمُقيمَ بالظاعن، والمُقبل بالمدبر، والمطيعَ بالعاصي… حتى تستقيمَ قناتكم”.

أيُّ استقامة هذه التي تأخذ البريء بجريرة الظالم. وما الشعب المسلم حين يُسارع غَداً إلى أحضان الدعوة واثقاً بها إلا ذلك البريء الذي يَنشُد العدل والنَّصَفَةَ. فمن لنَا بالأمناء الأقوياء، والأقوياء الأمناء! الله هو الولي.