بحلول 16 ماي من كل سنة يسترجع المغاربة ذكرى أليمة أيقظت كثيرا منا من سبات عميق، ففي مثل هذا اليوم من سنة 2003 تعرضت مدينة الدار البيضاء لخمس انفجارات عنيفة أودت بحياة العشرات وروعت الملايين ودمرت منشآت وخلفت صدمة لدى العديد ممن كانوا يظنون أننا بلاد آمنة مطمئنة بمنأى عن هذا النوع من العمليات.

   وعوض الاصطفاف في جبهة واحدة حاول بعض الاستئصاليين استغلال الحدث لتحقيق منافع انتخابية وإضعاف خصوم محتملين مستفيدين من الجو المشحون الذي خلفه هذا الحدث.

   أما السلطة فردت على هذا العنف بعنف مضاد أكثر منه بشاعة حيث استنفرت كل قواها الأمنية والسياسية والإعلامية والمادية فاعتقلت الآلاف وحاكمت المئات وعذبت واختطفت ظنا منها أن هذه المعالجة الأمنية البوليسية كفيلة بالقضاء على هذا التطرف.

   وتنادت لفضح هذه الخروقات المنظمات الحقوقية الدولية والوطنية بحيث صار يستحيل التعمية عليها، فجاء الاعتراف من أعلى سلطة بالبلاد بأن مسلسل المحاكمات والاعتقالات طالته خروقات وشابته نواقص.

   وها قد مرت ثلاث سنوات ونحن لم نبارح مكاننا حيث تفاجئنا وسائل الإعلام في كل مرة نقلا عن مصادر أمنية بأخبار عن اعتقال “خلية إرهابية” أو إحباط “عملية إرهابية” أو كشف “شبكة إرهابية”…

   قد تكون هذه الأخبار صحيحة، وقد تكون غير ذلك، إذ الأولى في مثل هذه الحالة كشف تفاصيل عن هذه الاكتشافات الأمنية سواء فيما يرتبط بمكانها وزمانها وظروفها وأشخاصها وأسمائهم وصورهم واعترافاتهم والمحجوزات التي ضبطت بحوزتهم، وغير ذلك من المعطيات التي تثبت صحة ذلك، وتطمئن المواطنين، وتكرس جو الثقة بينهم وبين المؤسسات الأمنية التي يفترض فيها حمايتهم. وهذا هو التقليد المعمول به في كل الدول الديمقراطية. أما إطلاق الأخبار من مصادر مجهولة وبصيغ فضفاضة وفي مناسبات حساسة فإنه يعكس خلفيات أخرى.

   إن التذكير بهذا الأمر اليوم ضروري لأن هذا النوع من الأخبار تكرر أكثر من مرة في مناسبات كهاته ولم ترافقه تفاصيل، ولم يطلع المواطنون على مسار هذه القضايا سواء في التحقيق أو المحاكمة.

   نغلق هذا ونعود إلى صلب الموضوع.

   كلما حلت هذه الذكرى، وكلما أعلن عن هذه الأخبار إلا ويخلص المواطنون إلى أننا لم نقض على هذا التطرف، ويتأكدون بأن معالجة السلطة لتلك الأحداث كانت سطحية لم تنفذ إلى الأسباب الحقيقية التي فاقمت هذه الظاهرة.

   أعلن عن إقامة مشاريع سكنية ولم ينفذ منها شيء حيث ما يزال سكان تلك المناطق في معاناتهم اليومية.

   تحدثوا عن مواجهة التطرف، وفتحوا الباب على مصراعيه لتطرف مضاد متناسين أنه الوقود لذاك التطرف.

   تحدثوا عن الفقر والتهميش والإقصاء وهي نفس المظاهر التي ما يزال يكتوي بنارها سكان تلك المناطق.

   ولم يفلحوا إلا في الاعتقال والتعذيب والمطاردة.

   عولج هذا التطرف بمنأى عن الظروف التي أدت إليه، وتوسع رجال السلطة في المعالجة البوليسية بحيث فاق عدد المحاكمين والمعتقلين والمشتبه فيهم ما عرفته دول أخرى مشابهة مثل إسبانيا مثلا.

   تناسوا أن الفقر كاد أن يكون كفرا، وأن المحروم من أبسط شروط العيش الكريم يتربى داخله الحقد والكراهية لكل من حوله وما حوله.

   أدخل المئات إلى السجون وكأنها مؤسسات لإعادة التربية والكل يعلم أن سجوننا أماكن يتداول داخلها ما يصعب تداوله خارجها.

   وضع الآلاف تحت المراقبة الأمنية وكأن هذا كاف للحد من انتشار التطرف.

   وبعد ثلاث سنوات تثبت التجربة محدودية تفكير المسؤولين الذين يختزلون كل الحلول في القمع.

   كان الأولى فتح حوار وطني بمشاركة العلماء والحكماء والمثقفين والمفكرين والشباب لتدارس أسباب هذه الظاهرة وسبل معالجتها.

   كان الأولى تغليب المعالجة الوقائية والمقاربة التربوية التي تعتمد على النقاش والإقناع حول المرتكزات التي يبرر بها هؤلاء الشباب أفعالهم الإجرامية هاته. فالأفكار لا تواجه إلا بأفكار مضادة، وهذه مهمة المثقفين والعلماء.

   كان الأولى البحث عن سبل تقليص هذه الهوة السحيقة التي يعيشها المغرب بين فئة غارقة في النعيم، وفئة عريضة لا تجد ما تسد به رمقها. التوزيع العادل لثروات البلاد هو الكفيل بحل هذا المشكل.

   كان الأولى مراجعة السياسات العامة المتبعة منذ عقود والمتجاهلة لإرادة الشعب وميولاته.

   كان الأولى فتح باب الحرية لأنها السبيل لمحاربة التطرف.

   كان الأولى فعل أشياء كثيرة… ولكن بادرت السلطة إلى إصدار قانون مكافحة الإرهاب وإنشاء مخافر الأمن وخلق أنواع جديدة من البوليس. وهذه وحدها لا تكفي.

   إن أمن المغرب أكبر من أن يوكل إلى أجهزة بوليسية.

   الأمن ثقافة وتربية وسلوك يزرع في الإنسان، في البيت والشارع والمدرسة والمعمل…

   الأمن مهمة الآباء والعلماء والمثقفين والسياسيين كل يساهم فيه من موقعه.

   وللأسف سبقت العصا والاستنطاقات والمحاكمات فغطت على كل شيء.

   لذلك سنبقى عند كل ذكرى مشدودي الأنفاس متخوفين مرعوبين لأننا لم نقض على جذور التطرف، ولكننا مددنا في عمره.

   قد نكون جمدناه لفترة، ولكننا لم نقض عليه.

   اللهم أنت السلام ومنك السلام أحينا في سلام وأمتنا على الإسلام. آمين.