عرفت الدار البيضاء في 16 مايو ما قبل المنصرم أعمال تفجير لخمس مواقع حيوية أودت بحياة اثنين وأربعين شخصا وأكثر من مائة جريح. ولهول ما حدث أجمع المتتبعون على إطلاق نعت الجمعة الأسود على اليوم الذي عرف تلك الأعمال التخريبية. فإلى أي حد يمكن اعتباره يوما أسودا بما يوحي هذا اللون من معاني وإيحاءات؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وما هو المخرج الممكن لتجنب تكرار هذا الفعل الشنيع؟

   إنه ومن دون شك يوم سيظل محفورا في الذاكرة المغربية، شاهدا على فظاعة الإجرام الذي طال مواقع مدنية عزلاء كدار أسبانيا وفندق فرح الخ، بل الأفظع محاولة المساس بالموتى في مثواهم الأخير… فما الداعي لاستهداف الأبرياء؟ وما هو المسوغ لضرب مدنيين مغاربة وأجانب حجزوا في فندق للاصطياف أو ولجوا مطعما لتناول وجبة العشاء في فضاء غير فضاء البيت؟

   في الواقع يصعب على العقل أن يقبل بأي تبرير منطقي بل وحتى سريالي لهذا الفعل الشنيع. فالله عز وجل يحذرنا أنه “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا.” مهما تكن الغاية نبيلة فإنها في الإسلام لا تبرر الوسيلة، بحيث أن النفس البريئة يجرم قتلها مهما كانت الأسباب، ومن فعل ذلك فكأنما أجرم في حق الإنسانية جمعاء.

   بالإضافة إلى ذلك يحرم علينا ربنا مساءلة أحد بله تجريمه بذنب اقترفه غيره، حيث يقول: “ولاتزر وازرة وزر أخرى.” فلا يعقل أن نجعل من الأبرياء والشعوب شماعة نعلق عليها أخطاء الأنظمة الفاسدة، ولا وسائل للضغط المقيت لتحقيق مكاسب سواء أكانت نبيلة أو غير نبيلة.

   ولكن من جهة أخرى ماذا لو كانت الغاية من العمليات الانتحارية تأزيم الوضع وخلط الأوراق وتهيئة الرأيين الوطني والدولي لقبول الشطط المحلي والخارجي؟ لن أخوض في احتمالات بخصوص المدبرين الحقيقيين لما وقع وكيف برعوا في اختيار الأيادي المنفذة المغرر بها بذكاء وخبث. فقط أقف بعجالة مع ما أبانت عنه عمليات 16 مايو.

   إن المنفذين الأربع عشر في مقتبل العمر ولدى أغلبهم مستوى دراسي جد متدني كما أن أغلبهم عاطل ويعيش في ظروف اجتماعية قاسية (يكفي الإشارة أن معظم أسر هؤلاء جعلوا بسبب نقص ذات اليد من الكاريانات الصفيحية مأوى لسكناهم)، كما أن مجموعة منهم كانوا إلى وقت قريب شبابا منحرفين ضائعين انقلبوا بعدها “تائبين”.

   هذه المعطيات وغيرها تجعل المتتبع يستخلص أن من الأسباب المنتجة للعقول الضيقة نجد: السكن الضيق، والمورد المالي المعاشي المحدود إلى حد الشح، والحرمان من التعليم الجيد لأسباب اجتماعية واقتصادية الخ. وهنا ينبغي أن نتساءل عن هوية المسؤولين عن هذه الوضعية المزرية التي هي بمثابة فضاء تنمو فيه الأفكار السوداء والنفوس المريضة… أليس المسؤول بشكل مباشر وغير مباشر على حد سواء هم من تقلدوا مختلف المناصب منذ فجر الاحتقلال بحسب تعبير المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي. فعوض أن يلتفتوا إلى مشاكل الشعب ويعمدوا لخدمته والسهر على مصلحته، استغنوا وطغوا ونكلوا وأقصوا واستباحوا…

   وعلى صعيد آخر نقول نعم إن للمنفذين دورا وعليهم مسؤوليات. فإذا كان الفقهاء الوضعيون يؤكدون ألا أحد يعذر بجهله للقانون، فيمكن التأكيد كذلك على ألا أحد يعذر بجهله المطبق للإسلام في كلياته باعتباره رسالة رحمة للعالمين، ودعوة إلى السلم كافة، وتأليفا للقلوب ورفقا بالناس، وتدرجا في إبلاغ هذا الدين، وأن حرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة كما ورد في الحديث، وأن طريق العنف عواقبه وخيمة وبناؤه قائم على جرف هار…

   نعم إننا نقول بملئ فينا لا للعنف بالقدر الذي نقول لا للسرية ولا للتعامل والتبعية للخارج. لكن ألا يمكن اعتبار النظام المخزني مسؤولا كذلك عما حدث، لأنه ما فتئ يحارب الحركة الإسلامية التي تسعى للعمل تحت ضوء الشمس وذلك بمحاولة تجفيف منابعها وخنق أنفاسها وتسخير كل المقدرات لتهميشها وتنفير الناس منها وعدم وصول صوتها الأصيل كما يكفله لها القانون – على جوره وعدم حياده – إلى عموم المواطنين؟ ألا يعتبر القيمون على البلاد مسؤولون عما وقع بقطعهم الطريق أمام الشباب المتعطش لدينه أن يصل إلى الحركة الإسلامية المعلنة عن نفسها وعن أهدافها وبرامجها وقيادتها؟

   لا جرم أن الحركة الإسلامية المغربية حامية للوطن وراعية له رغم أنف الحكام. ذلك أنه لولا وجودها في الساحة المغربية ومحاولتها تأطير الشباب المغربي وتحصينه ضد الدعوات النشاز ودعاوى العنف والتكفير، وسعيها إلى احتضانه في حضن ملؤه الأخوة والتعاون والبر، لعرف المغرب أحداث عنف من كل صنف ونوع. ومن المؤكد أنه ما استجاب للتوظيف السيئ سوى شباب لم يخل بينهم وبين الحركة الإسلامية، فكان مصيرهم أن تلقفتهم أياد أثيمة لعبت بعقولهم الفارغة ونياتهم الطيبة فجعلت منهم أجسادا متفجرة.

   إن الصحوة الإسلامية بادية آثارها لمن ألقى السمع وهو شهيد. ذلك أن الناس متعطشون للارتواء من معين دينهم السمح العدل بعيدا عن الإسلام الرسمي الذي يفقد بريقه لارتباطه بالظلم وسكوته عنه. إن التدين معطى موضوعي جبل عليه الإنسان فطرة من الله، فإما أن يحرر الدين من الأصفاد الرسمية التي تكبله وأن يفتح المجال حقيقة لا ادعاء للحركة الإسلامية أن تشتغل في وضح النهار دون قيد أو شرط أو توظيف سيئ، أو سيكون هناك من سوف لن تصله دعوة الرحمة والرفق والتكافل والانفتاح على جميع الفضلاء ومد يد التعاون والتشارك في خدمة البلاد والعباد، فيكونوا عرضة لدعوى العنف والتكفير وبالتالي تكون الخسائر أفظع والدمار أوقع ولله الأمر من قبل ومن بعد.

   فهل يعترف من يهمهم الأمر بهذه الحماية؟ وهل يقبلون بفسح المجال للشعب لكي يحدد اختياره بحرية ومسؤولية؟ أم يضيقون الخناق ويفضلون الاختيار الأمني فيتحملون تبعات اختيارهم هذا؟