تعتبر وزارة الأوقاف وصية على المساجد في المغرب، لكنها وصاية صورية تذوب أمام هيبة المخزن التي تجسدها وزارة الداخلية، رغم أن هذه الأخيرة أضحت تعاني من وهن غير مسبوق منذ الحريق الغامض الذي شب في إحدى ربائدها بتمارة، وتلته إقالة الوزير البصري. ويتجسد هذا الوهن في هشاشة الإدارة المركزية للوزارة العتية التي لم تعد تدري ما يقوم به متنفدوها المحليون من تصرفات متهورة للغاية، في غياب المساءلة والمحاسبة عما يجري ويقع. لقد نشأت بجوار العاصمة مدينة عشوائية كانت السبب في ثراء مجموعة ممن باشروا العملية، حيث كدسوا الأموال الطائلة، وأنشؤوا مقاولات وشركات بأسماء الزوجات والأصهار والأقارب والوسطاء، وكانت الأراضي المخصصة للمرافق العمومية، والتي تمت تنحيتها من الخريطة من مصادر التمويل لهذه المشاريع المشبوهة. فكم من مسجد، وكم من مساحة خضراء، وكم من مستشفى …أصبح في خبر كان. فلا ترى في تمارة غير دار بجوار دار بجوار خمارة… تعالت احتجاجات المواطنين، في شكل وقفات وعرائض وشعارات… لكنهم لم يستعملوا مكبر الصوت ليسمع ضجيجهم في قلب العاصمة.

   فمن المسؤول عن الترخيص بفتح الخمارات في أحياء المسلمين، ومن يعصر هذه الخمرة، ومن يحملها، وإلى من، ومن يبيعها، ومن يشربها؟ (لا تسأل عن المنتخبين فهم غير معنيين) والسؤال فقهي محض من المفروض أن يستشار فيه ويجيب عنه خبراء تأطير الحقل الديني، فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟ إن ثالثة الأتافي في مهازل وزارة الداخلية بتمارة أن يهب مستثمر ليبي أرضا في ملكه لبناء مسجد (بشارع القاهرة)، ويتجند سكان الحي لبنائه من مالهم الخاص، وتؤسس جمعية لهذا الغرض، ثم يعرقل البناء رغم مصادقة وزارة الأوقاف على التصميم. فأين حدود الاختصاصات بين الوزارتين، في موضوعي المسجد والخمارات؟ ومن يتحمل مسؤولية عرقلة البناء لمدة سنوات؟ لاشك أن مؤطري الحقل الديني منشغلون هذه الأيام بتثبيت التلفاز وتعميم التسليمة الواحدة، وحلق اللحية، والصلاة بالسدل: الإسلام المعتدل بالطربوش المغربي، “شويا لربي وشويا لعبدو”، صلاة الجمعة وsamedi soir…

   في العالم المسيحي يتم اختيار أفضل المواقع في المدينة لبناء الكنائس (ملتقى أكبر الشوارع)، وفي العالم الإسلامي لما كان رواد المساجد يتولون الأمر كان لبيوت الله نفس الامتياز (الكتبية نموذجا، ورحم الله المرابطين)، وجاء الاستعمار ولم يجرؤ على تجاوز هذا العرف (جامع السنة بالعاصمة)، أما الآن فتجد في الأماكن الاستراتيجية خمارة “مرجان” وخمارة “أسيما”… فهذه معالم (les repères) المدينة العشوائية في هذا الزمن.

   لم تبرر السلطات عرقلتها لبناء المسجد المذكور بكون المكان يصلح ليكون خمارة ممتازة، ولن تجرؤ على القول بأن ثمن الأرض قد يدر ما لا يقل عن ملياري سنتيم، لكنها قالت ما هو أسوأ: إن من بين السكان الحريصين على بناء هذا المسجد عضو من جماعة العدل والإحسان.

   تصريح خطير جدا لو استقل القضاء في البلد. ويا ليت الأذى الذي لحق أهل العدل والإحسان يقف عند حد التصريحات!

   إن وزارة الأوقاف مطالبة بتثبيت وجودها كما تثبت التلفاز بالمساجد (وليس هذا سخرية بالتلفاز إذ سيكون له دور هام فيما يستقبل من أيام بحول الله)، وإن الوضع الراهن لوزارة الداخلية أشبه ما يكون بمقدمات لمرحلة السيبة، نسأل الله اللطف، ونسأله أن يحفظ بلدنا من الفتن…وإذا كانت شكاية مواطن سويسري سببا في فتح ما يدعى بملف العافورة والسليماني، فهل تفضي صرخة سكان تمارة إلى فتح تحقيق في كوارث هذه المدينة؟