يُشَكِّل أهل العلم الفقهاء في بلاد الإسلام ذُخرا للمستقبل، نأمل أن يُمِدّوا الحركة الإسلامية الناشئة بالأطر اللازمة، وأن ينعتقوا من أسباب العجز التي تعوقهم اليوم كما عوّقت أجيالا منهم منذ اختصم السلطان والقرآن. لاَ شأنَ يُرجى لفقهاء السوء القِلَّةِ، فهم ثَفَل لا يخلو منهم جيل. لكن الجحفَلَ من حاملي الشهادات المنضَوِين تحت لواء التقليد لفتوى صدرت منذ قرون، أو المشتغلين بمَعاش اليوم الموظفين في المؤسسة الدينية الرسمية منعتهم الحاجة عن الاستقلال في الفكر والحركة- ينبغي أن يكونوا هدفا لرجال الدعوة العاملين ليستجلبُوهُم عند الفرصة إلى الصف.

لاَ نَنْتَظرْ من الناس أن يكونوا سعيد بن جُبير الذي واجه الحجاج بكلمة الحق فقتله، ولا أحمد بن حنبل الذي قاوَم وحده تيارا يقوده “الخليفـة”، ولا عِز الدين بن عبد السلام ذا المواقف الخالدة في قمع غرور المماليـك. فتلك مثالية لا ينبغي أن تراوِدَنا. وأولئك رحمهم الله أفذاذ يجود الله عز وجل بأمثالهم متى شاء.

إنما الذي فيه مطمع هو أن نساعد أهلَ العِلم والدين من رجال الإسلام على الخروج مِن رِبقة التقليد الفكري لفتوى قرون خلت حتى تتغير لديهم النظرة الثبوتية التي تتصور التاريخ امتدادا بلا نهاية للظلم الوراثيِّ. وأن نساعدهم على تخطي اجتهاد زيد وعمرو ممن سبقونا بإيمان ليقلدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبرنا أنها ستكون بعده الخلافة ثلاثين سنة ثم تكون ملكا عاضا. وأخبرنا في الحديث المنهاجي الذي جعلناه دليلا لنا وأوردنا نصه في فاتحة هذا الكتاب أن بعد الملك العاض ملكاً جبرياً تتلوه خلافة على منهاج النبوة.

كان الصحابة أمثالُ الإمام حسين رضي الله عنهم أعلَم العلماء لم يقلدوا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا على الظالمين. وكان الأئمة العظام أمثال زيد بن علي وأبي حنيفة ومالك والشافعي يرون الخروج على الظلمة واجبا. فباقتدائنا بعدَ طولِ لُبْثٍ في أحضان الفتاوي الطارئة، وفي أفقنا وعدُ الخلافة الثانية، بالسنة العملية للأئمة العظام نكون تلامذة مباشرين للأمر النبويِّ. وبذلك نكف عن الدوَران مع الأحداث دوران البلداء لنتعرض لموعود الله ورسوله الذي لا يُشرِّفُ إلا من قامَ وسط الفتنة الخاملة من بين الرقود.

طالما انتظر العلماء المقلدون للفتاوي، المتحرقون كمدا على ما يرون من منكر، رجلا مثلَ عمر بن عبد العزيز أو صلاح الدين أو ابن تاشفين. ملوك عباقرة أصلح الله عز وجل بهم حال الأمة حينا، ثم رجع المُلك إلى نصابه ودَيْدنه من العض والظلم. وكم من مَلِك خلا في تاريخ المسلمين هو أقرب إلى الخير والنجدة والمروءة. لكن النظامَ الذي أفرزهم وسجنهم في منطقه نظام فاسد.

كان أبو هريرة رضي الله عنه يقول في عهد معاوية: اللهم إني أعوذ بك من الستين ومن حكم الصبيان! كان معه عِلْمٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفشاه. ففي سنة ستين مات معاوية رحمه الله ودخل الحلَبَة يزيد الغلام، من الغِلمة الصبية الذين هلاك الأمة على يدهم. وأعاذ الله أبا هريرة فمـات قبل ذلك.

طالما كتب فقهاء المسلمين أدبيات في “تدبير الملك” يُسدون النصح للملوك تَسَلُّلا وملاطفة،مستدلين بسياسة أرسطو و بقصص ابن المقفع وآداب كسرى أنوشروان. ومن الفلاسفة من كتب وصفا للمدينة الفاضلة كالفارابي، حُلما أفلاطونيا فيه النقد للأمر الواقع من وراء ألف حجاب.

إن أموال النفط تُغدَقُ في عصرنا لتمشية إسلام أمريكي لا يألو جهدا في عقد المؤتمرات وتدبيج المقالات في المجلات الملونة الصقيلة. وفي هذا يجد أهل العلم من كل اتجاه مُتنَفَّسا لما يكابدون من آلام، ويجد سلاطين العرب وسيلة لتأنيس كل “طلب” وتعجيزه. وهاتِ ما عندك من نَقد غامض عام للمنكر ما دمت لا تسمي أهلَ المنكر وسدنته وبؤرته: الحكام العاضين الجبريين!

قرأنا في الفقرة السابقة كيف التمس ابن السبكي رحمه الله العذر للمعتصم في التفاف فقهاء السوء حوله. وكذلك يفعل كثير من أهل العلم، إما حكمة وارتجاءً لموعظة واصِلَةٍ، وإما عاميَّةً وتبلدا. يُحَمِّلون “الحاشية الفاسدة” أوزارا ليس يحملها إلا النظام الفاسدُ الذي جرَّحه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت عليه قرون من البغي.

تقدم الشيخ الفقيه الحنبلي المحدث الورع الواعظ العلامة عبد الرحمان بن الجوزي رحمه الله بنقد لتلبيس إبليس على الولاة والسلاطين لم يتعرض فيه لأصل البلاء. وإنما حام حول الأفعال والعقائد والنتائج. لم يذكر مثلا ما كان ويكون في قصور السلاطين من ترف مخز، ومن مجالس للشراب، ومن تحكم الجواري في تصريف الدولة، ومن مؤامرات بلاطية.

وحصر رحمه الله “تلبيسات إبليس” في سبعة مآخذَ عدها “أمهات”. ولم يكن في الحقيقة ولا يكون من أم لويلات المسلمين إلا أم واحدة: هي فتنة كل حكم لا يكون شورى بين المسلمين. ونقد الحكم المتسلط من أساسه هو النقد لا غير، ورجْمُه بجريرته هو الكلام لا اللف والدوران.

ذكر ابن الجوزي رحمه الله من “أمهات” الفساد اغترار السلاطين وظنهم أن الله تعالى أحبهم لما ولاهم الملك.وذكر تكبرهم عن مجالسة العلماء وترفعهم عن طلب العلم. وهذه مصارحة فريدة من عالم واعظ كان له مجلس أسبوعي داخل القصر يحضره أهل القصر. وهي نفثة رجل حُر لفقوا عليه وقد تجاوز الثمانين تهمة فحبسوه في بيت خمس سنوات يخدم نفسه بنفسه، ويمتاح ماء وضوئه من البئر بيده. ذلك بعد عمْر حافل بالتأليف والوعظ.

وذكر رحمه الله تشديدهم الحجاب عن الناس وتوانيَهم في سماع المتظلمين وإنصافِهم. وذكر استعمالهم لأمراءَ ليس لهم علم ولا تقوى. وذكر نبذهم لتعليم الشرع وعملهم برأيهم فيقتلون من لا يحل قتله. وذكر انبساطهم في أموال المسلمين. وختم بتعاطيهم للمعاصي والموبقات. رحمه الله وغفر لنا وله.

إن إحسان الظن بالحكام المتسلطين أو اتهامَهم بما هم له أهل لا يغير من الواقع شيئا. وإن إسداءَ النصح لمن بايعوه أو بايعوا جده وهو في الخِرَق صَبي لَكَالنَّسْمة البَليلَةِ تهب على الجبل الصلد تحسب أنها مُنْبِتةٌ فيه جنات من نخيل وأعناب.

وإن كان من الملوكِ صالحون، وقد كانوا، فإن في الصفة والموصوف تناقضا لا تغسله الانتقادات ولا الوصايا ولا أدبيات “تدبير الملك”. الحكام الوِراثيون أبناءُ الدنيا، لهم منها الجاه والمال والزينة والمتاع. وقد يشُذُّ الواحد منهم فينجيه الله العزيز الوهاب من قبضتها. لكن العَقِبَ منه قد لا يرثُ من الصلاح إلا كما يرث الفقير من المعدم.

هذه وصية للملك الصالح محمد الفاتح العثماني، فاتح القسطنطينية، لابنه ووارثه أورخان. فهل تجاوزت الوصية المليئة بحسن النية مرتبة الأماني، أم هَلْ أوصى الملك المائت ابنه بغير ما كان أصْلَ البلاء كله: أن يكون السلطان حفيظا على القرآن وأهل القرآن، وصيا عليهم لا العكس؟

قال رحمه الله: “ها أنذا أموت، ولكني غيرُ آسف لأني تارك خلَفاً مثلك. كن عادلا صالحا رحيما بالناس جميعا. وابسُط على الرعية حمايتك بدون تمييز. واعمل على نشر الدين الإسلامي فإن هذه هي واجبات الملوك على الأرض. قدم الاهتمام بأمر الدين على كل شيء،ولا تفتُر في المواظبة عليه.ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمون بأمر الدين. (…)

قال: وبما أن العلماء هم بمثابة القوة المبثوثة في جسم الدولة، فاعطـف عليهم وشجعهم. حذارِ! حذارِ! لا يغرنك المال والجند. ولا تُبعِدْ أهلَ الشريعة عن بابك. ولا تمِلْ إلى عمل يخالف أحكام الشريعة”.

مهانة “لا تُبعد أهل الشريعة عن بابك!” حجة دامغة على ما يَجيش بين نفوس الملوك وألسنتهم في حق أهل العلم. مبجلون، لكن في الباب، خدَم مع الخدم!

ومات الفاتح رحمه الله، فوثب الابن الأكبر بايزيد على الوصي، ودامت الحرب بين المتقاتلين على العرش سبع سنوات. وانتصر بايزيد وأوصى بالملك من بعده لابنه الأكبر أحمد. لكن الابن الأصغر سليم ثار في وجه أبيه وأخيه. وكان صراع مرير. يُقال إن سليما دس السم لأبيه ليُنهي المأساة.

وكان قتل الأبناء والإخوة والآباء أهونَ ما يكون في سرايا الملوك. ومن قرأ تاريخ العباسيين والعثمانيين والمماليك وكل السلالات المالكة أدرك معنى العض في التعبير النبوي حين يستقرِئ تهارُشَ الأمراء على الملك، وسفكهم لدماء بعضهم، وتآمرهم لذلك مع النساء والخدم والعسكر. ولا غالب إلا الله.