الفرق الغنائية للمؤمنات

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

أُهْدِي هذه الحلقة إلى أختي في الله الأستاذة الفاضلة خديجة أُمِّ هُدى، عجَّلَ الله تعالى بشفائها شفاءً لا يغادر سقماً، وأَذْهَبَ عنها طولَ ووطأةَ ما تجد من لأْوَائِهِ وتكابد، وكتب لها محنتها في صحائف الرضوان عنده سبحانه، وجَدَّدَ بها وبأخواتها مِنْ دعوة الله ما تَقَرُّ به عَيْنُ قلوبِ المؤمنين آمين آمين آمين.

***   إن طَرَقَتْ هذه السلسلةُ بابَ بعض القضايا والمشكلات المرتبطة بالممارسة الفنية لفرقنا الغنائية فلا بأس من التذكير بأن لفرق المؤمنات منها نصيباً وافراً بحكم حيثياتها الخاصة بها وبحكم طبيعة الأرضية التي تتحرك عليها. ولعل هذه الحلقة تُعَرِّفُ بالنشاط الفني لفرق الأخوات المؤمنات ليُعرَفَ مدى ما تلاقِينه من عَنَت ومشقة في أداء رسالتهن العظيمة.

   وأرجو أن تصبر القارئة والقارئ معي وعَلَيَّ ويتحمَّلا من طول هذه الحلقة التي آثرتُ نشرها كاملة دون تجزيء كما تحملتُ من ثقلها وشِدَّتِهَا عَلَيّ. ولست أراني أبوح بِسِرٍّ إِن قلت إن هذه الحلقة هي أشدُّ علي في التناول من سوابقها لأسباب.

   ولأكون صريحاً واضحاً من البداية فإنه لا يُنتظر من هذه الحلقة أن تطرح حلولاً جاهزةً إلاَّ ما تجتهد فيه الفرق الغنائية للمؤمنات ذاتُها بناءً على هذه الأرضية.

   وإن هذه الحلقة ليست موجهة إلى الفرق الغنائية للمؤمنات فحسب، بل هي موجهة إلينا جميعا (فِرَقاً رجاليةً وأزواجاً وإخوةً وأخواتٍ وحركةً) لنطلع على ما تجده القوارير وتُحَاذِرْنَهُ من أذى الطريق ومشقة السير وعقابيل الحركة فنساهمَ في تذليلها بإذن المولى تعالى.

خصوصيات الممارسة الفنية لفرق المؤمنات   إن كانت الفرق الغنائية للمؤمنين تجد من تبعات الممارسة الفنية ما تجد مما لا يجازي على الصبر على مَكَارِهِهِ إلاَّ الله تعالى ولا يُبْتَغَى به إلاَّ وجهه عزَّ وجَلَّ فإن الفرق الغنائية للمؤمنات تجد من ذلك أضعاف أضعافه مما تجب الإشارة إليه والتذكير به. ويرجع هذا إلى خصوصيات الممارسة الفنية للمؤمنات:

   *- فضاءات الأنشطة: البيوت بدرجة أساسية.

   *- الأنشطة الفنية: المناسبات الاِجتماعية من أعراس وما شابه…

   *- ذائقة عامَّة الجمهور النِّسائي: مَيْلٌ إلى الألوان الشعبية المحلية.

   *- حركة المرأة في الميدان: تلقى من لفحاته أكثر مما يلقى أخوها الرجل.

عقبات الممارسة الفنية لفرق المؤمنات1- الأعراف الموروثة في المناسبات الاِجتماعية:

   ذلك أن عامة الناس اعتادت طقوساً احتفالية إن خَلَتْ منها المناسبات كان الأمر سُبَّةً يَعيبُها الأهلُ والأقاربُ والجيرانُ وتُسَجَّلُ في السجل الشفوي للعائلة يتوارثه الأبناء عن الأمهات !

   فالعريس اعتاد الجلوسَ إلى عروسه تحفُّهُمَا الزغاريد والرقصات والأوتار والأهازيج، والكل يستمتع، نساءً ورجالاً، بالحدث التاريخي السعيد توثقه الأعين الظَّمأى وآلة التصوير والكاميرا.. والكل لَفِيفٌ مُلْتَفٌّ حول السلطانين في مشهد يختلط فيه القاصي بالداني والحابل بالنابل والصاحي بالثَّمِلِ… هكذا يبدأ أول يوم من الحياة الزوجية!

   اعتادت الناسُ عامَّتُها والخاصةُ هذه الطقوسَ على اختلافٍ في درجة الاحتفاء والاِختلاط!!! إلاَّ من رحم الله. ورحمة الله أوسع للهاربين من سخطه الفارِّين إلى رضاه.

   اعتاد الناس هذا واعتادت الفرق الغنائية للمؤمنات أن تخرق من عاداتهم بَعْضَ ما اعْتَادوا بقدر استطاعتها، فسارت أَدْوَاءُ المناسباتِ الاجتماعيةِ وطقوسُها إلى انحسار بِبَرَكَةِ هذه الصحوة المباركة. وما كان لهذا أن يحصل إلاَّ بما وُفِّقَتْ إليه المؤمنات من حكمة وبذل وتفانٍ وصبر وطول نَفَس.

   ولا تزال مع هذا بعض العادات التي يَغْرَقُ فيها بعض الناس وتتسبب للمؤمنات في الحرج مما يَسْتَنْزِفُ تفكيرَهُنّ وحركتَهُنّ وجهودَهُنّ وَأَوْقَاتَهُنَّ.

2- الاختيارات الغنائية:

   تَرْزَحُ الفرق الغنائية للمؤمنات في تَحرُّكِهِنّ الفني تحت وطأة التوفيق الصعب بين اختيار مادة فنية تحمل رسالة جميلة سديدة واضحة رصينة، وبين ضرورة تلبية رغبة جمهورهن النِّسائي في لَهْوٍ قريبٍ من ذَائِقَتِهِنَّ “الشعبية” في أجواء من الفرح والمرح تفرضها طبيعة الحفلات فرضاً.

   الرصينُ من الاختيارات الفنية لا يجد من هذا الجمهور آذاناً مُنْتَصِتَةً ونفوساً مُقْبِلَةً متفاعلة، والخفيفُ الطَّرُوبُ الرَّاقص الْمُرَقِّصُ منها تَذْهَبُ رِيـحُهُ بِلُبِّ رسالة الفرقة وبِبَعْضِ أهدافها!!!

   وأُذَكِّر أخواتي الكريمات أنني أتحدث هنا عمَّا يناسب المناسبات الاِجتماعية خاصة.

   فما العمل؟

   سؤال أول.

3- التكوين الفني:

   من المؤمنين من وفقهم المولى تعالى فنهلوا من علوم الموسيقا ما يُقَوِّمُونَ به عُجْمَةَ لسان هذا الزمان، سهَّل عليهم ذلك انخراطُهم في مؤسسات التكوين الفني ويُسْرُ تواصلهم مع أهل الفن في الميدان. وإذا استثنينا عدداً قليلاً جدّاً من المؤمنات فإنَّ عامَّتَهُن تعسَّرَ عليهن الأمر بِسَبَبٍ مِنْ ضعف إلحاح الميدان عليهن، ومن انشغالهن بِغُبَارِ حركة الميدان عن غَبْرَاءِ طلب العلم، ومن وَقْعِ كلمةٍ مِنْ هنا أو مِنْ هناك تُحْجِمُ معها الْمُقْدِمَةُ وتَرْجِعُ المتردِّدة. وبعض المؤمنات يَرَيْنَ أنَّ المستوى الفني الذي تطلبه الحفلات الاِجتماعية التي تحييها فرقهن الغنائية لا يدعو إلى التهمُّم بموضوع التكوين الفني بالدرجة نفسها التي يدعو بها فِرَقَ المؤمنين الذين يخاطبون جماهير أوسع في فضاءات أرقى. وهذه نظرة “فيها نظر”…

   ولا بد من التذكير هنا بثلاثة أمور:

   أ- إنه لا ينبغي أن نحصر التكوين الفني فيما تُدرِّسه المعاهد الموسيقية على ما لهذه المؤسسات من أهمية وعلى حاجتنا الْمُلِحَّةِ إليها؛ هي ضرورةٌ لكنها غير كافية. فلا ننتظرْ أن نجد كلَّ بُغْيَتِنَا الفنية في المعاهد الموسيقية وحدها.

   ب- يجب أن يصحبَ التكوينَ الفنِّيَّ تَنْوِيرٌ وتكوينٌ مُوَازٍ في الجانب المتعلق بالفهم وبالتصور لئلاَّ يصيبَ حركَتَنَا الفنيةَ عَمىً يُضَلِّلُهَا عن سبيلها، وَأَنْ يُواكِبَه تَمَرُّسٌ في الجانب العملي الميداني لئلاَّ يَخْذُلَهَا عَرَجٌ يؤخِّرها عن مواعدها. تنوير وتكوينٌ وتَمَرُّسٌ تحت ظلال تربيةٍ تَصِلُ القلوبَ بالغاية العظمى التي هي مَرَامُ العبيد من رب العبيد.

   وللْهِمَّةِ الفردية في كل هذا كلمتُها الحاسمة ما تَعَلَّقَتْ بِوَلِيِّ التوفيق.

   ج- الحديث عن التكوين الفني في غياب مشروع جماعي يُحْمَلُ في القلوب والعقول وعلى الأكتاف تَرَفٌ في حق من يَضِيقُ عُمْرُهُ عن أن يتسع لسامي مطامحه ومَنْ جعل حياتَه بكُلِّيَّتِها وبأدَقِّ تفاصيلها لله. ولهذا تتطلع المؤمنات إلى أن يكون لهن نَصيبُهن من علوم “لسان هذا الزمان”؛ غير أنَّهُنَ يَجِدْنَ في بعض الأحيان عَقَبَةَ فَهْمِ مَنْ يرى أنْ لا حاجة لهن في طلب هذه العلوم!

   وأُذَكِّرُ من يحتاج إلى التذكير بأن الأجواء الدراسية والتربوية في هذه المعاهد هي أفضل منها في الثانويات والجامعات! وفُرَصُ الاِحتكاك السَّالب فيها قليلة بسبب قلة الساعات الدراسية المطلوبة إلى كل طالب والتي لا تتجاوز ساعتين أسبوعيا، وطبيعةُ المواد الدراسية لا شيء فيها يُخَاف منه على الطالب أو الطالبة، خاصةً إن كانا جِدِّيَّيْنِ مثابِرَيْنِ مُتَخَلِّقَيْن قاصِدَيْن.

   أما إن استحدثنا أقساما تكوينية داخلية فهذا أحسن وأدعى إلى تشجيع طاقاتنا الفنية على تحصيل هذه العلوم مِنْ صالِحِ أهلها، المأمونِين على الأمانة في أجواء مأمونة لِمَنْ منعتهم ظروفهم الخاصة ولوجَ المعاهد.

4- عدم انتظام عطاء المؤمنات خاصة بعد الزواج:

   لظروف المؤمنات الاِجتماعية بعد الزواج ولتبعات تربية الأولاد حظٌّ في تراجع عطائهن الفني، ولتضارب الأولويات في العقول حظٌّ، ولغياب التَّفهُّم من جانب الزوج ونظرتِه إلى العمل الفني حظٌّ أكبر.

   إن وُجِدَ الزوج المتفهم المتعاون، وكانت المؤمنة تحسن التدبير وتتقن التوفيق بين أولويات العمل فستنجح في رفع مستوى عطائها إلى الدرجة الْمَرْضِيِّ عنها، وإلاَّ فيا ضَيْعَةَ سنوات من التجارب والتراكمات والجهود لا تُوَرَّثُ لِلاَّحِقَاتِ من المؤمنات لِيُعَادَ البناءُ من أساسِه والحركةُ من ساعة الصفر.

   إنها أنانية مذمومة أن أرضى لأخواتي أزواجِ المؤمنين ما لا أرضاه لزوجي أنا، وأن أُعفي نفسي وأهلي مما أطالب به غيري…

5- العجز والكسل:

   نعوذ بالله من العجز والكسل.

   وإنه لَعَجْزٌ وكَسَلٌ وشُحٌّ أن تَضِنَّ المؤمنة بجهدها عن دعوة ربها وهي ترى بعينيها ما تلاقي أخواتُها في الطريق من أذى ومشقة وتكتفي بالتأَوُّه لِحَالِهِنّ أو بمعاتبتهن على ما تُلقينَ فيه أنفسهنَّ من “تهلكة”!

   وربما تحسَّرَتْ المؤمنة قبل الزواج حين تكون تحت وصاية والِدَيْها على ما يُضَيِّقَان عليها من مطالب التحرك الميداني، حتى إذا أنعم عليها ربها بزوج يُسَرِّحُها مما كانت تعاني ضَيَّقَتْ هي على نفسها وتَعَلَّلَتْ بمطالب البيت والزوج والأولاد وأعْفَتْ نفسها مما يدَّخِرُه المرء لنفسه يوم الحساب.

   لنتأملْ في سيرة خيرِ القرون..

   يتمثَّل بمعاني البذل والصبر والتحمُّل أمام أعيننا نموذجُ السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما وهي تشترك في صناعة تاريخ هذه الأمة بِنِطَاقَيْهَا!

   لم تُعْفِ السيدةُ أسماءُ رضي الله عنها نَفْسَهَا مما أعفاها منه حالُها الذي اجتمعت فيه رِقَّةُ صحتها وهي حاملٌ بعبد الله بن الزبير، ومشقةُ الطريق بين مكة وغار ثور حيث التجأ الصِّدْقُ صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، وخوفُ عيون قريش على النبي المصحوب صلى الله عليه وسلم وعلى الوالد الصاحب رضي الله عنه، وحرصُ الأمومة على جنين مُتَرَنِّحٍ بين جنبيها يُقَاسِمُهَا البلاء.

   ولا غرو أن يكون أولَ مولود في الإسلام ما حَمَلَتْ ذاتُ النطاقين، كأنه لا تولد في دعوة الله روحٌ مؤمنةٌ حتى تتجرع كأس الشدة قبل مولدها.

   أيُّ دين أسمى إكراماً للمرأة من هذا الدين الذي لم يَسْرِ نورُه من نبي الرحمة إلى قلوب العالمين حتى سَرَى أوَّلَ ما سَرَى في قلب امرأة (السيدة خديجة)، ولا قطرةَ دَمٍ رَوَّتْ الأرضَ بِدَفْقِهِ الزَّكِيِّ أوَّلَ ما رَوَّتْ إلاَّ من نُزْفِ دم امرأة (سمية أم عمَّار)، ولا زادَ أقام صُلْبَ نَبِيِّ اللهِ صلى الله عليه وسلم وصاحبِه قُبَيْلَ الهجرة وإبَّانَها إلاَّ مِنْ يَدَيْ امرأة (أسماء ذات النطاقين)، وما كان آخرَ عهد النبوة بالأرض وبأهل الأرض إلاَّ حِضْنُ امرأة (السيدة عائشة)، ولا انتسابَ إلى أهل بيت النبوة الطاهر الْمُطَهَّرِ إلاَّ من نسل امرأة (السيدة فاطمة)؟

   سقا الله ذاك الزمانَ ونساءَ ذاك الزمانَ، وجدَّدَ بذكرهنَّ زمانَنا بِمَنْ يَتَمَثَّلْنَ بِهِنَّ ويَسِرْنَ على خطاهُنَّ تحت ظلالِهِنّ.

   رضي الله عنهن آمين آمين آمين…

6- خصوصية تحرك المرأة في المجتمع:

   التحرك بعد غروب الشمس أو في الأحياء النائية أو حيثما يُخاف على أمن المرأة وسلامتها لا يشجع المؤمنة على استمرار تحركها وارتياحها في عملها وتطورها.

7- قلة فرص تطوير الخبرات الفنية:

   وهذا ما يحول دون احتكاك الفرق واستمداد بعضها من بعض وإمداد بعضها لبعض ورفع مستوى المنافسة بينها؛ وأقصد نُدْرَةَ المهرجانات والدورات التكوينية.

8- الخلاف بين أعضاء الفرقة:

   وهذه نناقشها فيما يلحق إن شاء الله.

ضوابط الممارسة الفنية لفرق المؤمنات1- الضوابط الشرعية:

أ- مضخم الصوت ورفع الصوت بالغناء:

   تُضْطَّرُّ الفرق لاِستعمال مضخم الصوت في الحفلات لتجويد أدائها والمحافظة على حناجر أعضائها التي يرهقها تتالي الحفلات وقلة العدد وكثرة الطلب؛ وهذا ما يثير الخلاف بين أعضاء الفرقة أو يثير ردود فعل وتساؤلات بعض الناس. فهل من الْمُجْدي أن تستغني المؤمنات عن مضخم الصوت بدعوى أن صوت المرأة عورة يَحْرُمُ على غير المحارم من الرجال سَمَاعُه؟

   يمكن أن نتفهَّم خلفية موقف البعض من مسألة “رفعِ المرأةِ صوتَها بالغناء” إن استحضرنا ما شاعَ بين الناس على مدى القرون المظلمة من أفكار لا أصل لها في شرع الله، ولكن لا يستطيع أحد أن يجعل لهذه المسألة أصلاً في كتاب أو في سُنَّة؛ ذلك أنه لم يرد نص فيهما يُحَرِّمُ سماع صوت المرأة في كلام أو في غناء ما لم يكن في مضمونهما فحش أو في أسلوبهما خضوع بالقول أو بالغناء.. ومن كان لديه دليل صحيح فليسعفنا به جزاه الله خيراً.

   ولا شك أن بعض الفرق (الرجالية والنسائية على السواء) يُستحسن ألاَّ تستعمل مضخم الصوت ليس لسبب شرعي بل لأنها تُؤذي آذان الناس بصراخ حناجرها وبمستوى أدائها وبرداءة اختياراتها!!!

   على أن الرِّفْقَ والحكمة ضروريان لإقناع الناس بضرورة وجود مضخم الصوت وللتعامل مع من يرفضه لسبب لا أصل له.. فليس من الحكمة في شيء أن أواجه الناس وأصارعهم بمجرد أن لي نصوصاً شرعية أعتمد عليها فيما أختار أو أَدَع أَجْعَلُهَا سيفاً أُصْلِتُهُ في وجوههم كلما نَبَسَ أحدُهم بكلمة في الموضوع.

ب- زفة العروسين:

   تكاد تكون زَفَّةُ العروسين ذروةَ اللحظات السعيدة التي يعيشانها هما والأهلُ والأقاربُ لما فيها من متعة وفُرجة ولما تُفيضه على الحفل والمحتفين من ألوان البهجة والفرح والسرور. فلا حديث يُسمع في آذانهم حينها إلاَّ ما صيغ على هذه النبرة، ولا منظر يُبْهِجُهم إلاَّ ما حرَّكَتْه إيقاعات رقصاتهم، ولهذا فإن الاِشتراط على الناس في تفاصيل هذه الزفة والتَّطَلُّبَ والوقوفَ عند كل شاردة وواردة من منطلق ما نحرص عليه ونؤمن به هو حديثٌ لا تفهمه العامة كما نفهمه ولا استعداد ولا وقت لديها لِتَتَجاذبَ أطرافَه…

   فما العمل؟

   سؤال ثانٍ.

ج- اللباس والزينة:

   تحرص الفرق على الظهور في الحفلات بمظهر جميل في جَوٍّ نسائي هو أقرب إلى “حفلِ عرضِ أزياء” أو “مسابقةِ ملكةِ جمال” منه إلى حفل عرس… فتتخذُ الفرقة لباساً شرعيا مُوحَّداً تتميز به عن الحضور ولا تَزْدَرِيهَا به الحضور وتنسجم به مع المشهد الزاهي للحفل. غير أن “حالةَ التسلُّل” التي تُسجَّل في بعض المناسبات على العريس (الذي يرغب الأهل في الاِحتفاء به وسط زفةِ النساء)، وتُسَجَّلُ على بعض أهله من الرجال تضع الفرقة في حالة جدل داخلي قبل أن تضعها في حالة أَخْذٍ وَرَدٍّ مع أهل الحفل..

   فما العمل؟

   سؤال ثالث.

د- التصوير:

   لا تستطيع الفرقة مَنْعَ أصحابِ الحفلِ تصويرَ فقراتِه بما فيها فقرة الزفة، وتتحرج في ذات الآن من أن تُلْتَقَطَ لها صُوَرٌ طائشةٌ أثناء الاِحتفال، وتَتَشَدَّدُ بعض الأعضاء في هذا حرصاً وتترخَّصُ أُخرياتٌ حِكْمَةً أو حَرَجاً. وكثيراً ما ينصبُّ هَمُّ المؤمنات ونقاشهن وجهدهن كلُّه على هذه المشكلات بَدَلَ صَبِّهَا في ما هو أجْدَى؛ والأجدى هو أن يسير الحفل في اتجاه الهدف المرسوم ويرقى القلب به في مِرْقَاة الغاية العظيمة. فَأَيُّ خير يُرْجَى بَعْدُ إن كان الحفل يُتَوَّجُ بالخلاف المشتِّت لقلوب أعضاء الفرقة بَدَلَ أن يزيدها محبَّةً في ذات الله وفرحاً بفضل الله وارتقاءً في درجات رضاه عز وجل.

   فما العمل؟

   سؤال رابع.

   ما هو الحل الشافي لهذه الأسئلة الأربع والجوابُ الكافي عنها؟

   لا أدعي أنني أملك جواباً، ولا أحدَ بيده حلٌّ لهذه المشكلات إِذْ لا يتحكم في كل الخيوط المرتبطة بها (أقصد خيوطَ أعضاءِ الفرقةِ وأهلِ الحفلِ والحضورِ والأعرافِ والطوارئِ…)، لكنني أسعى إلى وصفِ المشهدِ والتذكيرِ بالأولويات وتحديدِ مساحة الاِجتهاد الممكن لتضييق مساحة الاختلاف المزمن. ومن أجل هذا أستدعي مَنْ يُهِمُّهُنّ الأمر إلى مناقشة أسلوب إدارة الاِختلاف ومُدَارَاةِ الاِختلاف:

   إن العملَ الجماعيَّ في مجالٍ مساحةُ الاِجتهاد فيه واسعةٌ والخبرةُ به قليلةٌ ووتيرةُ حركتِهِ سريعةٌ وأطرافُه متعدِّدةٌ والتصوُّرُ حوله مَشُوبٌ لا بد أن يكون الاختلاف فيه حادّاً ومزمناً! هذا أمر طبيعي.

   هذا أمر طبيعي حين يكون النَّاظِمُ دنيوياً والهدفُ أرضيّاً والْعَرَضُ قريباً والسفرُ قاصداً.. أما حين يكون الناظِم أُخرويّاً والغايةُ ربَّانِيَّةً والْعَرَضُ بعيداً بعيداً والسفرُ عقباتٍ وعقباتٍ فإن حِدَّةَ الخلاف يُخَفِّفُ منها حُسْنُ الظن بين المؤمنات والمحبةُ في ذات الله والوعيُ بغلاءِ سلعةِ الله.

   أقول هذا لأُذَكِّرَ بأن إدارةَ الاختلاف إنْ لم يرتفع سقفُها إلى ما هو أسمى من مستوى الرؤوس فسيكون الأمرُ نِزاعاً وتكون النتيجة فرقةً وفشلاً لا قدَّر الله: “وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكًمْ”.

   إن أيَّ إدارةٍ للاختلاف ينبغي أن يكون حَدَّهَا الأدنى سلامةُ القلوب وسلاسةُ حركةِ الرَّكْبِ وشيوعُ الرحمة والمحبة وحسنِ الظن. وإن فيما يختلف فيه أعضاء الفرقة مساحةً واسعةً لا يستطيع أحد تضييقها في حدود رأيه الخاص به، ولا لوم على من اقتنع برأيٍ ما ولو كان واحداً مِنْ عشرة. أعني أنه لا يكفي اقتناع أغلبية أعضاء الفرقة بسلامة موقفٍ مَا لفرضه على باقي الأعضاء؛ ذلك أن طبيعة المشكلات هنا يدخل فيها ما لا يكفي فيه “التصويت بالأغلبية”، بل لا يجوز طرحه للتصويت أصلاً.

   فما العمل؟

   لا يبدو أن لِمَا سبق من مشكلاتٍ حلولاً واضحةً وتفصيليةً وحاسمةً تقطع دابر الخلاف نهائيا، ولهذا سيبقى الأمر بين يدي هذه الفرق تَتَّحِدُ وأعضاؤُها في اجتهاداتها أو تختلف إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

   وبناء على هذا ينبغي أن نَتَعَايَشَ مع الاِختلاف فَنُدَارِيَه فنُضَيِّقَ مَجَارِيَه من الحركة بالصوم عن الأذى وبالدعاء وبالمحبة وبالخدمة وبالصبر وبالمصابرة وحسن الظن.

   وإِنَّ لِحِرْصِ أعضاء الفرقة على وحدة الكلمة وسلامة القلوب الكلمةَ الحاسمةَ في حل ما سبق من مشكلات وفي تحقيق ما تَرْسُمْنَهُ من أهداف:

   وإنني إن فَتَلْتُ حَبْلَ رأيي الخاصّ بي في حبل الاِتِّجَاه العامِّ لآراء أعضاء الفرقة وتَجَاوَزْتُ حَظَّ نفسي وزاويةَ نظري إلى تقوية الرأي العام للفرقة وزاوية نظره فسأكون يداً مباركةً تحرك العجلة في الاتجاه الصحيح.

   فإن كان الرأيُ العامُّ لأعضاء الفرقة هو الرأيَ العامَّ لأعضاء فرق المؤمنات كلها فسيكون الأمر أريح للقلوب.

   وإنْ جَمَعَ فِرَقَنا جامعٌ أو رابطةٌ يتدارسن فيها كلَّ ما سبق فسيقوى حبلها ويضيق مجرى الخلاف بينها بإذن السميع العليم.

   ولهذا أدعو.

2- الضوابط الاجتماعية:

أ- الأهل:

   تَأَخُّرُ المؤمنة في الحفل إلى ما بعد غروب الشمس فيه من إقلاق راحة بال الأهل ما لا يُقْبَل وما يجلب عليها من المشكلات ما يؤثر على انتظام عطائها وعلى أساس تحرُّكها. فللأهل على المؤمنة حق الاِطلاع على طبيعة تحركها الفني ولو بشكل عامِّ ليطمئنوا إلى أجواء هذا التحرك، وليكونوا لها سنداً وعليه أعواناً، ولئلاَّ تفاجئهم الطوارئ التي هي من طبيعة التحرك الفني فيحُدُّوا من حركتها بمبرر أنهم لا يعرفون فيم تتحرَّك.

ب- الأزواج:

   للأزواج بعضِهِم على بعضٍ حقوقٌ، منها أن يطَّلع الزوج على طبيعة التحرك الفني لزوجه لتفادي ما لغياب هذا الاِطلاع من تأثير على الحياة الزوجية أولاً وعلى الممارسة الحركية والفنية للمؤمنة ثانياً.

   وفيمن أعرف من أزواجٍ مؤمنون متفهِّمون يعينون زوجاتهم على ما انتدبن أنفسهن له من عمل فني اقتناعا منهم بشرف هذه المهمة وبسُمُوِّ مقصد المؤمنة منها وبما لِمَنْ جَهَّزَ الغازي في سبيل الله من ثواب.. روى الإمام البخاري عن زَيْدٍ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا”.

   وما يشجع الزوجَ على تفهُّم طبيعة العمل الفني لزوجه هو كفاءَتُها في تدبير شؤون الحياة الأُسَرِيّة؛ إذْ كيف تُحَصَّلُ فريضةُ الاِستقرار الأُسَرِيّ إِنْ خَرَقَتْ أسوارَها نافلةُ الحركة الميدانية؟!

   وليس معنى هذا أن يطرحَ الزوج على زوجه أثقال المسؤولية المشتركة بينهما فتعجزَ هي عن التوفيق بين المسؤوليتين فيتخذَ هو هذا مبرراً لإقناعها باستحالة توفيقها بين الأمرين فَرْضِهِ وَنَفْلِه.

ج- ضبط الوقت في الحفلات:

   ضبط الأوقات والمواعد أصعب ما تجده الفرقة في مسيرتها الفنية؛ ذلك أن مفتاح ضبط الحفلات تجده في يَدِ أكثرَ مِن طرف. فحضورُ أو تأخرُ أو انعدام وسيلةِ النقلِ ومضخمِ الصوتِ، وجاهزيَّةُ أعضاءِ الفرقة وانتشارُ مساكِنِهن في أنحاء المدينة وضبطُ وقتِ تناولِ طعام الوليمة وإلحاحُ أهلِ الحفل على الاِستمرار في تنشيطه والطوارئ التي لا يخلو منها حفل… كلها عناصرُ تتدخل في مدى ضبط الفرقة للوقت..

   وأظن أن كثيراً من المشكلات ذاتِ العلاقة بضبط الوقت سيظل حلُّها من المعلَّقات مهما اجتهدت الفرقة. وعليه فالتصميم على حل هذه المشكلاتِ والصبرُ عليها والتوافقُ على أسلوب تحمُّلها والتراضي في تصنيف الأولويات كل هذا يمكن أن يُخَفِّفَ من ضغطها على أعضاء الفرقة.

3- الضوابط الحركية:

أ- ترتيب الأولويات:

   فقه الأولويات ضروري لمن يجد نفسه دائما في موضع الحائر بين اختيارات لا مسعف حوله يَدُلُّه على الاختيار الصحيح منها. فلا بد من التمييز بين الصحيح والأصح، بين الخير اللازم والخير المتعدي، بين الضرر الأصغر والضرر الأكبر… على أن استحضارَ الغايةِ الساميةِ وتجديدَ النيةِ في كل شأن صَغُرَ أو كَبُر لا بد أن يصبح لازمةً ثابتة.

ب- تهييء الخلف:

   إن كان “العمر الفني” للمؤمنة أقصر من أن يُعْتَمَدَ عليه في انتظام عطائها في الفرقة لأي سبب من الأسباب فلا أَقَلَّ من تهييء الخلف ابتداءً من الزهرات لإعداد البديل قبل حصول النقص، ولنقل التجربة من جيل إلى جيل عسى تكونُ صدقةً جارية بالخير إلى يوم الدين تجدها المؤمنة عند ربها تفرح بها فضلاً من الله ونعمة.

   وَلْنُفَرِّقْ بين عملية تجميع بضع زهرات بهدف “التنشيط التربوي” وبين عَمَلِ جمعها بهدف تأسيس فرقة فنية. فالهدف الأول يتحقق بأي زهرات مهما كانت مواهبها، والهدف الثاني لا يتحقق إلا بزهرات موهوبات يثمر الجهد المبذول معها.

ج- مطالب الزمان والمكان والمقام:

   إن ما يُطلب إلينا اليوم ليس هو ما كان مطلوباً إلينا قبل عشرين عاماً، وما يُنتَظَرُ منا غَداً ليس هو ما يُطلب إلينا اليوم، وما نحتاج إليه في مناسبة دعوية عائلية يختلف عما يفرضه موقف دعوي سياسي.. فلكل مقام مقال. مطالب تختلف باختلاف الناس والزمان والمكان والأحوال والأحداث والطوارئ، وكلها تحتاج منا رحابةً في الأفق وفُسْحةً في الفهم واستعداداً في النفس ومرونةً في الحركة. استعداد وفسحة ورحابة ومرونة مبنية على أُسُسِ ثوابتنا المكينة.

4- الضوابط الفنية:

أ- الاختيارات:

   تحرص الفرقة على رضا الحضور وتفاعلهن حرصاً يتجاوز في كثير من الحالات الدرجة المطلوبة بدافع من الرغبة في إدخال السرور على قلوبهن ونيل تعاطفهن. حرصٌ هو من طبيعة كل نفس محبةٍ للخير. ولهذا وجَّه ربُّنا عز وجل نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يخفف على نفسه ويَرْفُقَ بها إن وجد من الناس إعراضاً: “فلا تذهب نفسك عليهم حسرات”..

   وربما كان حرصُ الفرق هو دافعَها لاستعارة ألحان بعض الأغاني “الشعبية” بغية الركوب على انتشارها السابق والعبور على جسر نجاحها الْمُحَقَّق تروم به آذان الناس وقلوبَهم. وأستغني هنا عن الأمثلة، فالِفْرَقُ تعرف منها أكثر مما أعرف!

   إن فرقنا تشكو من غياب مادة فنية خفيفة سديدة المضمون وفي قصائد الملحون وصنائع طرب الآلة (الأندلسي) وأهازيج الأمازيغي والْحَسَّانِيِّ لو اجْتَهَدَتْ في البحث فيها ما يجمع بين رشاقة الألحان وخفتها وبين أصالة المضمون وسداده وتنوعه ويستجيب لما نروم ويروم الناس بدرجة كبيرة.

   ما ينقصنا هو جهد الْمُقِلِّ في التنقيب في التراث بحثاً وتنقيحاً. على ألا يُنسيَنا هذا ضرورةَ إبداع ما يصلح للمناسبات الاِجتماعية.

   ولا تشغلَنَّنَا المناسبات العائلية وأهازيج المناسبات العائلية عن تهييء مواد غنائية متنوعة تناسب المناسبات العامة وقضايا الأمة وانشغالات الناس وموضوعات المرأة وأغاني الأطفال والتَّأمُّلِيَّات والزَّهريَّات وما إليها. وفي المؤمنات من الطاقات الأدبية والفنية ما يُغْنِي، إلى حَدٍّ ما، عن انتظار ما يجود عليهم به المؤمنون.

ب- توظيف الآلات الإيقاعية:

   تحرص الفرق على توظيف آلات إيقاعية متنوعة للهيمنة على آذان الناس خاصة إن كان في الأداء الغنائي ضعف. وما يثير الانتباه هو هذا الحرص الشديد الشديد على استعمال “الدربكة” لما لها من دور في “تحريك الجو”. ولا أرى لاستعمال هذه الآلة الإيقاعية ضرورة فنية تُبَرِّرُ كل ذلك الحرص على الإطلاق.

   لا ضرورة للدربكة لأسباب:

   *- لعدم مناسبتها للأسلوب الفني الذي تنتهجه فرقنا.

   *- ولأنها لا تصلح إلاَّ للمداراة على ضعف الأصوات وقِلَّة ضبط المواد الفنية ولتهييج ضجيج الحضور.

   *- ولأنه لا مكان لها -جماليّاً- في لوحة الفرقة؛ وطريقةُ إمساكِها والنقرِ عليها تُخِلُّ بالمشهد أَيَّمَا إخلال.

   *- ولأن الدربكة -إن كانت تصلح- فهي آلة رجالية 100 %.

   وأرى في استعمال الرّق والدفوف الصغيرة (بِقُطْر 24-30 سنتمتراً تقريباً)، ولو كَثُرَتْ، غَنَاءً عن الدربكة صوتاً وصورةً، خاصةً إن توحَّدَتْ النقرات على الدفوف لتزيد إلى لذة الآذان بهجةَ الأعين.

ج- الصوت الحسن:

   الصوت الحسن نعمة وهبة ربانية يُؤْجَرُ العبد والأَمَةُ عليها إن حفظاها مما يُتْلِفُهَا.. وما يحفظها إلاَّ بَذْلُهَا للهِ والشكرُ للهِ والتواضعُ لخلقِ اللهِ وابتغاءُ رحمةِ اللهِ وفضلِ اللهِ ورضوانِ اللهِ. وهذه لا عيش يطيب إلاَّ تحت ظلالها الوارفة.

   ومن ضوابط الصوت الـحسن ألاَّ يصير صراخاً يَجْرَحُ الـحناجر ويُؤْذِي الآذان. وكما يقول الفرنسيون: “chanter c est pas crier”.

د- الْجِلسة الفنية:

   اعتادت فِرَقُنَا جِلْسَةً فنيةً في سَطْرٍ واحدٍ أُفُقِيٍّ مستقيم أو مُقَوَّس في أي فضاء كيفما كانت طبيعته، بينما يُستحسن تجديد هذه الْجِلسة حسب ما يتيحه الحفل كأن تجلس بعض أعضاء الفرقة وتقوم بعضها خلفهن أثناء الأداء. مع التذكير بأن أحسن وضع للأداء الغنائي هو القيام لئلاَّ يتأثر الحجاب الحاجز بوضعية الجلوس.

5- الضوابط التربوية:

   الضوابط التربوية لا تمييز فيها بين أعضاء الفرقة وبين عامة المؤمنين الطالبين رضا الله تعالى إلاَّ بما يُلِحُّ عليه وَضْعُ كل قائم على منبر أو منصة يدعو الناس إلى الخير. فهذا القائم الداعي هو أكثر الناس تعرُّضاً لنفحات الله إن صفا قلبُه وخَلُصَتْ نيته وسُدِّدَ قولُه وسَلِمَتْ حَرَكَتُه وَحَسُنَتْ خاتِمَتُه، وهو أكثرهم تَعَرُّضاً لِلَفَحَات الهوى وسَطْوَةِ حظوظِ النفس من إعجاب بها مُخْزٍ مُبِيـر، وغرورٍ وطَلَبٍ للشهرة مُبِيدٍ، وتَرَفُّعٍ على الناس مُرْدٍ مُهْلِكٍ والعياذ بالله. ولهذا فإن المطلوب إلى الداعي القائم على المنبر أو المنصة واعظاً أو مُتَغَنِّياَ أو غَيْرَهُمَا لَهُوَ أَعْظَمُ من المطلوب إلى غيره ذِكْراًً لله تعالى ولليوم الآخر وللموت ولتقلُّب الزمان بأهله ومخافةً لزوال النعمة وحلول النقمة في الدنيا والحسرةِ يوم العرض على الله تعالى، وإن المطلوب إليه تواضعاً لله وخدمةً لخلق الله وإقبالاً عليهم واستنصاحاً لعباد الله لَهُوَ أَشَدُّ من المطلوب إلى غيره.

   ولا حدود تُحَدَّدُ لطلب هذه الخصال فَيَقِفَ العبدُ عندها راضياً بدرجتها. لا حدود لسعي العبد إلى التحلي بِحَمِيدِ الخصال والتخلي عن ذَمِيمِهَا إلا شفا قبره حين تقوم قيامته.

خـلاصـة   كان هدفَ هذه الحلقة طرحُ أرضية تنطلق منها الأخوات الفاضلات في تفصيل تصوُّر لأسلوب ممارستها الفنية وطرح حلول لمشكلاتها تجمع بين ضوابط الشرع وضرورات الحركة ومقتضيات الحكمة. “وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً”.

في الحلقة التاسعة إن شاء الله

الممارسة الفنية في المهجر   تواجه فرقنا الغنائية المهجرية، إلى ما تواجه أخواتُها المحلية، ألوانا أخرى من القضايا ومن المشكلات. فما هي طبيعة هذه القضايا وما هي الحلول المقترحة لتلك المشكلات؟