في السنة الثامنة من الهجرة فتح الله تعالى لرسوله وللمومنين مكة ثم الطائفَ، فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم بسطة واسعة من عطائه وعفوه. فكان نصيبُ بني أمية من ذلك كبيرا. أسلم أبو سفيان قائد حرب قريش فنادى منادي الرسول أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. وأسلم ابنه معاوية فقربه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء في بعض الروايات أنه استكتبَه.

وفي خلافة أبي بكر بعث خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدَ بن أبي سفيان قائدا لفتح الشام وألحق به معاوية. وما لبِث معاوية لكفاءته وحزمه وفصاحته ودهائه وسياسته أن أصبح في عهد الفاروق أميرا على الشـام، تمكن في الشام مدة عشرين عاما حتى صفت له الرئاسة والتف حوله الناس واعصوصبوا له. لا سيما وهو قد استظهر بنسبه القريب من ذي النورين عثمان رضي الله عنه، واستظهر بالعُصْبة من بني أمية. فثار وثاروا بعد فتنة الأخلاط الذين قتلوا الإمام الشهيد الخليفة الثالث يطالبون بدمه.

ليس بقوة السلاح استولى معاوية بن أبي سفيان على الحكم، بل بالدهاء. هزيمته في حرب صفين أمام الإمام الشرعي أمير المومنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهَه أحالها إلى انتصار بحيلة رفع المصاحف وطلب التحكيم.

ومن التحكيم وما تلاه خرج الخوارج، وبدأ انتقاض عُروَةِ الحكم في الإسلام. وما لبث الخوارجُ أن قتلوا الإمام عليا عليه السلام. وما لبث الإمام الحسن بن علي أن تنازل عن قيادة جيش المسلمين ليصفُو الجو لعصبية بني أمية.

ومن دهاء معاوية بن أبي سفيان أنه استعمل ثلاثة من دهاة العرب في توطيد حكمه: عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن سُمَيّة الذي لا يُعرفُ أبوه فاستلحقه بنسبه، فصار يُعرَف زورا بزياد بن أبي سفيان.

زياد، قبل الحجاج، كان مثالا للطاغية الفتاك. خطب على المنبر فحصبَه الناس، فأغلق المسجد وقطع أيدي المصلين. خرج الأمر من عند معاوية بسَبِّ علي عليه السلام، فكان المسلمون وآل البيت يسمعون سبَّ أطْهَرِ الناس من على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان زياد من الذين يكثرون السب. فيقوم أحد خيار الصحابة حُجْرٌ بنُ عَدِيٍّ فيَرُدُّ عليه. بعث زياد بحُجر وباثني عشر من أصحابه إلى معاوية، فقتل معاوية حجرا وسبعة من أصحابه شر قتلة، أما الثامن فرده إلى زياد فدفنه حيا.

لا تكاد تُحصي جرائم بني أمية،لكن قيام الخَيِّر حُجر رضي الله عنه حدَث مُهم فتح في تاريخ المسلمين سجلا طويلا من مقاومة العلماء لسلاطين الجور.

ولوقاحة سب الإمام علي على المنابر مدة ستين سنة قبل أن يُبْطِلَ هذه البدعة الشنيعة الرجلُ الصالح عمر بنُ عبد العزيز الأثرُ البالِغُ الدائم المتردِّدُ صداهُ في ضمير أجيال المسلمين، خاصة منهم الشيعة. ومن ذا الذي لا يقوم مع حجر وأصحابه ضد البغي السافر؟

ثم كانت قومة الإمام الحسين عليه السلام،وانتفاضة القراء العلماء بالمدينة، وثورة عبد الله بن الزبير بمكة، وفتك يزيد الفاجر بالمسلمين.

بعد بني أمية توالت مِحنةُ آل البيت من العلويين.فقام الإمام زيدٌ بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين رضي الله عنهم ضد هشام بن عبد الملك الأموي، وتضامن معه الإمام أبو حنيفة الذي كان يقول كلمة الحق وينتقد الحكم.

وخرج أبو حنيفة مع قائم آخرَ من آل البيت، من ذرية الإمام الحسن عليه السلام، هو محمد بن عبد الله “النفس الزكية”، وآزره بالمال في حربه للمنصور العباسي. وكان أبو حنيفة يرى أن الثورة على ملوك العض من أمويين وعباسيين أمرٌ جائزٌ شرعا، بل مشروع واجب.

قال أبو حنيفة عن قومة الإمام زيد: “ضاهى خروجُه خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدرٍ”. في آخر المطاف عَرَضَ المنصور على أبي حنيفة القضاء فأبى إباءً شديدا لكيلا يعمَلَ للظَّلَمَةِ عملا. “فلما أبى دسوا عليه السم فقتلوه”.

ويروى أن الإمام مالكاً أفتى بجواز الخروج مع محمد “النفس الزكية”،فقيل له: إنَّ في أعناقنا بيعة للمنصور. فقال: إنما كنتم مُكرهين، وليس لمكره بيعة”.

وقد سُئل مالك عن الخارجين على الحكام: أيجوز قتالهم؟ قال: نَعَمْ إن خرجوا على مثل عمر بن عبد العزيز. قالوا: فإن لم يكونوا مثله؟ قال: دعهم ينتقم الله لظالم من ظالم، ثم ينتقم من كليهما.

وكان مالك رحمه الله يكثر من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس على مستكرَه طلاق”. فكان بنو العباس يكرهون ذلك ويرونه تلويحا يُبطل بيعتهم، لأنهم كانوا يُحَلِّفون الناس بطلاق أزواجهم إن هم لم يفوا بالبيعة الإكراهية. ونهَوْا الإمام مالكاً عن التلويح وعن رواية ما يكرهون فامتنع. فآل الأمر إلى ضربه حتى انخلعت كتفاه. رحمه الله.

وكانَ حبُّ آل البيت والوَلاءُ لمحمد النفس الزكية ولإبراهيم ويحيى القائمين بعدَه دخيلةَ مالك. وكان الشافعي رضي الله عنه علوِيّاً في صميمه، يُكنُّ الوَلاءَ للقائمين ضد تسلط بني العباس.

وهو القائلُ لَمَّا أكثَر الناسُ عليه واتهموه بأنه رافضي:

إن كان رفضا حبُّ آل محمد *** فليشهد الثقلان أنيَ رافضي

ذهب الشافعي إلى اليمن فاستوطنه زمانا.فكان لسانَ الحق لا يسكت عن باطل يراه من أفعال والي هرون الرشيد. فكتب الوالي إلى “الخليفة العباسي” يقول: “إن تسعةً من العلويين تحركوا. وإني أخاف أن يخرجوا. وإنّ ها هنا رجلا من ولَدِ شافع (يعني الإمام الشافعي رحمه الله) المطلبي، لا أمرَ لِي معه ولا نهي. يعمل بلسانه ما لا يقدر عليه القاتل بسيفه”.

وسيق الإمام مع التسعة الأشراف إلى البلاط في بغداد. فقُتل التسعة، ونجا الإمام بحسن بيانه، ثم بتدخل قاضي القضاة محمد بن الحسن الذي كان يعرف جلالة قدر الإمام وسعَة علمه وفضله.

هذه نبدة سريعة خاطفة عن انقلاب الدولة والسلطان على أهل القرآن. كان في علماء المسلمين، وفي آل البيت بالذات، إباية على الظلم عبرت عن نفسها بالخروج المسلح وبالفتوى الفقهية. فكان القمع الوحشي هو الجواب المُكرر الذي ردع في علماء المسلمين كلمةَ الحق لقرون. والناس تبعٌ لعلمائهم. وطال عهد القمع المستمر حتى أصبح ما كان مُنكرا بيِّنا مكروها مرفوضا أمرا واقعا ثقيلا موطد الأركان. أصبح النّزْو على السلطان واغتصابه واستعباد الدعوة ورجالِها أصلا مُقررا.

وتجد كتبا ألِّفت تستصوب ما فعله الداهية،الصحابي المحترم لحرمة الصحبة لا غيرَ، الباغي المعتدي بعدُ. تستصوب توليته لابنه يزيد وتوريثَه إياه “الخلافة” وكأن الأمة بضاعة يرثها الخلَف عن السلَف!

كانت بيعة يزيد النموذجَ الأولَ لتحريف نظام الحكم في الإسلام وتحويله إلى كسروية. وقد تريث معاوية واستشار دهاته ودبر أمره بإحكام. وأخذ البيعة لابنه يزيد في العراق والشام وأطراف البلاد،حتى لم يبق له إلا كُبراء مكة والمدينة، وفيهما كان بقية الصحابة وأبناء المهاجرين والأنصار.

فتوجه بنفسه إلى الحجاز، واستدعى إليه الأربعةَ المحترمين من علماء الأمة المسموعي الكلمة: الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر.لقيهم خارج المدينة وأغلظ لهم القول.وتلك أساليب يحسنها الملوك الغاصبون لتخويف ذوي الرأي وإرهابهم.

ثم استدعاهم خارج مكة وألان لهم القول وأحسن معاملتهم. ثم خاطبهم فُرادى ولاطفهم ليبايعوا يزيدا. قال له عبد الله بن الزبير: “نخيرك بين ثلاث خصال: تصنع ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحدا، فارتضى الناس أبا بكر.أو تصنع كما صنع أبو بكر، فإنه عهِد إلى رجل من قاصية قريش، ليس من بني أبيه، فاستخلفه. أو تصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه”. ثم سأل الآخرين فقالوا: قولنا قول عبد الله.

عندئذ نطق الملك نطقه الكسروي فقال مهددا مُزبدا مُرعداً: “فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم: إنه قد أعذر من أنذر! إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة: فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه! فلا يُبْقِيَنَّ رجل إلا على نفسه!”

ثم نادى رئيسَ حرسه فقال له: “أقِم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف. فإن ذهب رجل منهم يرد عليَّ كلمةً بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما”.

ثم دخل المسجد وأدخل الأربعة الكُبراء أمام الناس، وصعِد المنبر فقال: “إن هؤلاء الرهْطَ سادةُ المسلمين وخيارُهم، لا يُبتَر أمر دونهم، ولا يُقضى إلا عن مشورتهم. وإنهم قد رَضُوا وبايعوا ليزيد. فبايِعوا على اسم الله”.

فلما رأى الناس سادة المسلمين سكوتا قاموا فبايعوا. لم يعلم المسلمون أن أولي الرأي والحرمة فيهم قد تعاورَهم الترهيب والترغيب، ورُصِد السيفُ على رؤوسهم.

هكذا تمت أول بيعة نقلت الحكم من الخلافة إلى الملك، ومن الشورى والاختيار إلى القسر والإرغام، ومن تعامل الصادقين بصدقهم إلى تحايل الدهاة وتحاملهم.دارت رحا الإسلام دورتها ليختفي أهل العلم والتقوى لأزمنة طويلة لا تزال ممتدة تحت ستار التقية عند الشيعة وتحت الاستنكار المكبوت عند سواد الأمة وجمهورها من أهل السنة والجماعة. والله غالب على أمره.