مطلع ومناجاة   يا إلهي لقد سيطرت نفسي على كلي، فإن لم تأخذ بيدي فالويل لي، كما لوث العبث روحي ولم تعد لي طاقة لتحمل أي عبث، فإما أن تخلصني من هذا الفساد، وإلا فلتنه حياتي ولتوارني التراب…

   الناس يخشونك. وأنا أخشى نفسي، فما رأيت منك إلا كل خير، وما رأيت من نفسي إلا كل شر…

   فمن هذا البحر المتلاطم أنقذني، ولم يعد لي من حيلة غير العجز والمسكنة، فتداركني اللهم بصحبة أوليائك، وكيف يفلح من لا يرى المفلح؟

   رحمك الله يا فريد الدين العطار…

-1-   عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:العلماء خلفاء الأنبياء رواه البزار ورجاله ثقات.

   إن الحبل الذي يصل الأمة برسول الله صلى الله عليه وسلم هم المجددون الربانيون، وهذا الأمر اصطفاء إلهي يجتبي له من يشاء من عباده.

   فهل يمكن لركب الحركة الإسلامية، أو ركب التجديد أن يتقدم خطوات إلى الأمام في غياب العلماء الربانيين المجددين؟

   هل يمكن لمشروع التجديد أن يسير دون العلماء؟

   لقد انقلبت الموازين عند كثير من الإسلاميين، فنسوا أن الله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

   مشروعنا التجديدي ما لم يكن مبنيا على طائفة من العلماء الربانيين فلن يستقيم البناء، وفي المستقبل القريب لحركة الإسلام إن شاء الله، ينبغي أن ينصب التفكير لتمكين العالم الرباني من أن تكون له هيبته وسط الأمة، وهيمنته على الدولة.

   وابن مسعود يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:موت العالم ثلمة لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.

   إن حائط الإسلام يتكسر بموت العالم، تلك الفجوة لا يسدها شيء، وموت قبيلة أيسر من موت عالم.

   لكن لماذا يعطي الله عز وجل للعالم هذه المرتبة؟

   سأل هلال بن جناب سعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال إذا هلك علماؤهم.

   إن غياب العلماء في تاريخ المسلمين هو الذي أدى إلى انقلاب الدولة على الدعوة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه من الناس، لكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا” رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

   ولن يتم رأب الصدع في حائط الإسلام وإحياء ما بالأمة إلا بالعلم الرباني.

   لقد تشتت الإرث النبوي بعد الخلافة الراشدة، فعلى الحركة الإسلامية أن تعي أنه لن يستطيع لم هذا الشتات، وجمع شمل الأمة إلا جامع للأمر المشتت المتفرق.

   الأنبياء حكموا وعدلوا فعلى العلماء الربانيين أن يحكموا ويعدلوا فكل ما فعله الأنبياء هو موروث العلماء.

   فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. أخرجه الطبراني في المعجم الكبير.

   ويقول الأستاذ المرشد حفظه الله باثا هذا النداء العالي الغالي: وتبقى مسألة المشيخة الإحسانية نكل تدبيرها إلى الله جلت عظمته، ونبث في هذه الأوراق نداءنا للعارفين بالله أن يجمعوا الشمل ويقودوا الركب فكفانا تمزقا(1).

-2-   لا مفر لأبناء الحركة الإسلامية الصاعدة والمنتصرة بإذن الله عز وجل من التوحد تحت لواء الربانية إن عاجلا أم آجلا.

   يحمل الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله لواء الدعوة الملحة إلى الربانية في هذا القرن: القرن الخامس عشر قرن التجديد والخلافة على منهاج النبوة بإذن الله عز وجل، ويدعو الرجل وهو المشفق المحب أبناء الحركة الإسلامية إلى توحيد تربوي في المستقبل القريب لغد الإسلام تحت قيادة ربانية واحدة، لا يضيره التنوع التنظيمي الفكري الاجتهادي المتعدد(2) فهل ينتبه أبناء الحركة الإسلامية لهذا النداء العالي الغالي فيخرجوا من الجمود العقلي، والانحسار التربوي، والتصلب التنظيمي إلى رحمة الربانية، وتأييدها الإلهي، أم يتمترس كل واحد منهم ويحفر الخنادق، فتتجاوزه الربانية وأهلها.

   يقول ابن القيم: إن العارف صاحب ضياء الكشف، أوسع بطانا وقلبا، وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم. ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل. فكما أن العالم أوسع بطانا من الجاهل، وله إطلاق بحسب علمه، فالعارف بما معه من روح العلم وضياء الكشف ونوره هو أكثر إطلاقا، وأوسع بطانا من صاحب العلم(3).

   فكيف يستغني حزب الله، يوم يرتفع مستوى فهمهم لدينهم، عن قيادة البصير ليقلدوا أمرهم غشوانا أو عميانا(4).

   نترك هذا السؤال يفغر فاها في وجه أبناء الحركة الإسلامية الصاعدة.

   لا غنى لأبناء الحركة الإسلامية عن توحيد تربوي يطهر الأنفاس ويطرد الوسواس الخناس.

   ما لم تشرب هذه القافل الملبية من حوض الصحبة الممتد الموصول بالحوض الأعظم فإن لها لجوعة وعطشا لا حد لهما.

-3-   ألا أبشري يا رواحل الخير، هذه الربانية عازمة والمبشرات تترى، وإنها لمسيرة حتى النصر.

   هذا أوان الربانية والربانيين، هذا زمنهم، أزفت ساعتهم.

غدا يهرب الأدعياء من الميدان.

   رغم تجند مواقع الاستخذاء والانحراف والزيغ والبلادة والتآمر لإيقاف هذا الزحف، فقد ُقدر للمعاني السامية أن تنتصر، وللأفكار الدنيئة أن تندثر، ولما لا تنتصر وهي التي تحمل في طياتها الأمل الباسم والمستقبل الزاهر والسلوك المتصل بحبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عوضا عن الشقاوة المتسعة بلا حدود، واليأس المستشري في أوصال الحياة الكئود، والزور المعشش في القلوب، المنتشر في الساحات السياسية والمحافل الدولية، والضياع المطلق في دهاليز المادة والجحود.

   عما قريب ينكشف الزيف، ويدخل النور الجحور المظلمة مؤذنا بفجر جديد، ويؤذن بلال العدل والإحسان.

   ها هي ذي الجحافل تزلزل الأرض من تحت أقدام الأدعياء، و تدق أبواب الخلافة الثانية بكل قوة.

   فلتذكر رواحلنا كيف كانت بالأمس حفنة تخاف أن تتخطفها الأجناس، وأصبحت اليوم قوة صعبة المنال شديدة المراس، ألا فلتعلم أن الفاعل الله ولتجعل الشكر والحمد ديدنها.

   ها هو ذا ركب رواحلنا تجمع، ألا فتدارك برحمتك هذه الجموع الملبية، ها هي ذي قد أتتك من كل حدب وصوب، اللهم فاقبل توبتها وأجر حوبتها، واجعلها أهلا لتأييدك ونصرك أنت القادر أنت الناصر لا إله غيرك ولا رب سواك.

   اللهم إنا نبرأ إليك من حولنا وقوتنا فأدخلنا في حولك وقوتك. آمين

المنـابــع:

(1) الإحسان، الأستاذ المرشد عبد السلام يا سين، 1/245.

(2) نفسه، 1/245.

(3) مدارج السالكين، ابن القيم الجوزية، 1/420.

(4) الإحسان، 1/250.