نستفيد من التلمذة المستبصرة لتلميح الوحي المعبِّر عن توقيع القدَر، الملمِّح لمواقعه، أن رحا الإسلام تدور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهور الفُرقة والخصام بين السلطان والقرآن. ومع التلميح الأمرُ الصارم أن ندورَ مع القرآن حيث دار لا مع السلطان الجائر الذي لا يترك لنا إلا المجال الضيق بين القتل والضلال.

ونستفيد من تصريح الوحي الواعد بالخلافة الثانية أنها دورة نبُوَّة -خلافة على منهاج النبوة-حكم عاض-حكم جبري-خلافة ثانية على منهاج النبوة.

ويفسر الوحيُ الوحيَ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ. فطوبَى للغرباء”. رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الشيخ محمد عبده رحمه الله: يعود غريبا كما بدأ لينتشر وينتصر ثانيَ مرة كما انتشر وانتصر أولَ مرة. ونعم القولة هذه. يؤيد صحتها الحديث المنهاجي، ثم ما نشاهده رَأْيَ العين في الصحوة المباركة.

وليْسَ لِمن يرشحهم القدَرُ من غُرباء الإسلام الموعودين بالغد المُكلِّفِ المشَرِّفِ مِثلُ تتبُّعِ الرحا في دورتها ليرقبوا كيف دارت دورةَ النزولِ ليعكسوا في صعدتِهم خِصالَ الخلافة تخلقا وإيمانا.

عندما بايع الصحابة رضوان الله عليهم سيدنا أبا بكر الصديق بعدَ عهدهم بالنبوة ومكانتها الشامخة تضاءل رجل الإسلام العظيم عند نفسه تعظيما لمقام النبوة والرسالة فلَم يرق المنبر النبويَّ إلا درجة تحت مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخطب فكان مما قال: “يأيها الناس، ولودِدْتُ أنّ هذا كفانِيهِ غيري. ولئِن أخذتُموني بسُنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم ما أُطيقُها: إنْ كانَ لَمعصوماً من الشيطان، وإن كان لَينزل عليه الوحيُ من السماء”. رواه الإمام أحمد عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه.

إشعار للناس بأن مقام النبوة والعصمة والوحي انتهى،وأنه ما بقي إلا التعاملُ مع بشر يجتهد في الاقتداء على سمع المسلمين وبصرهم، وعلى شرط “إن أصبت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني”.وهو شرط سمعه الناس من أبي بكر ومن عمر. رضي الله عن أبي بكر وعن عمر، وعن عثمان وعن علي، وعن سائر الصحب الخيرين، وعن آل البيت الطيبين الطاهرين.

كان التواصي بالحق، وقول الحق، والوقوف في وجه الباطل،الحابِسَ للرحا أن تدورَ سافلةً إلى دركات السلطان المفارق للقرآن. وكان الشأنُ الأولُ للخليفة الدعوةَ وتعليم الناس دينَهم. قال أمير المومنين عمر في إحدى خطبه: “ألا وإني واللهِ ما أرسِل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم. ولكن أرسلتهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنتكم”. ويوصي العمال فيقول: “ألا لاَ تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّرُوهم (لا تطيلوا مدة خروجهم للجهاد) فتفتنوهم. ولا تمنعوهم حقوقَهم فتُكفِّروهم”. الحديث رواه الإمام أحمد عن أبي فراس.

خلافة تريد إعزاز المسلمين لا إذلالهم، وتعتبر أن حرمان الناس من حقوقهم يدفع إلى الكفر.خلافة تُنيط بالعمال، وهم أساسا ممثلو سلطة الدولة، مهمة الدعوة، مهمة تعليم الناس دينهم. فهم خدَمة للقرآن ينبغي أن يُنبَّهوا بقوة لذلك كيلا يُطغِيَهم السلطان.

ويربي الخليفة الراشد الناس على قول الحق ومقاومة الباطـل، ويدربهم على ذلك تدريبا كيلا تزيغ به نفسُه أو يَخْنَسَ بهم الخوفُ من السلطان عن الشهادة بالقسط. أخرج ابن عساكر وأبو ذر الهرويُّ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في مجلس وحوله المهاجرون والأنصار: “أرأيتم لو ترخَّصتُ في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟” فسكتوا. فقال ذلك مرتين أو ثلاثا.فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قوّمناك تقويم القِدْح (وهو عود السهم)! فقال عمر: أنتم إذاً! أنتم إذاً!”.

أنتمُ إذاً الرجالُ المومنونَ إذ تقوِّمون ما اعوج.من يستطيع أن يشجع مقالةً تُهدد السلطان إن زاغ إلا خليفةٌ يلتمس من يعينه على دينه، هو يحكم نفسَه وهواه ويرقُب آخِرَتَه ومولاه!

ودارت الرحا سافلة من الخلافة الراشدة الداعية الخائفة من ربها، الحاكمة نزواتِها بقوم من المسلمين لَحِقوا بالإسلام آخِرَ العهد، لم يتربّوْا التربية التي ترفعهم من أعرابية المسلم الناطق بالشهادتين والنفسُ منطوية على عِلاتها الجاهلية.

لا نريد الخوض في أعراض الصحابة كما يفعل بعضُهم، لكن الإشارةَ إلى مواطن الفسادِ في نفوسِ من نزلت بهم رحا الإسلام ضرورية ليعرف الغرباء الصاعدون العِلة المتربصة في الطريق فيُطببوها في خاصة أنفسهم ويحترسوا منها احتراسهم من العدو الأنكى والأشد.

أخرج عبد الرزاق عن ابن أبْجَرَ قال: لما بويع لأبي بكر الصديق جاء أبو سفيانَ إلى علي فقال: “أغَلَبَكُمْ على هذا الأمر أقلُّ بيتٍ في قريش؟! أما والله لأملأنها خيلا ورجالا. فقال علي: ما زلتَ عدوّاً للإسلام وأهله، فما ضرَّ ذلك الإسلامَ وأهلَه شيئا. إنا رأينا أبا بكر لها أهلا”.

هنا يتعارض منطق المسلم حديث العهد بالإسلام مع منطق المومن الذي أسس الإسلام بجنب النبوة. منطق القوة والعنف والعصبيةِ القبلية التي لا ترضى أن يسودَ “أقل بيت في قريش” يعارض منطق الأهلية الذي يزن الأمور بمعيار “إن أكرَمكم عند الله أتقاكم”.

حارب أبو سفيان الإسلام زُهاءَ عشرين سنة، ثم كان من مُسلِمةِ الفتح هو وابنُه معاوية. طُلَقاءُ العفو النبوي بقيت فيهم جاهلية راسبة. ما كمُّها وكيفُها؟ الله أعْلَمُ.

وليس في عَزْوِ الترسبات الجاهلية لصحابي ما ينقُضُ دينَ أحَدٍ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر: “إنك امرُؤ فيك جاهلية!” لمجرد أنه قال لرجل: يا ابن السوداء. وما أعظم الفرق بين من نطق بكلمة غضب وبين من هدد أن يملأها خيلا ورجالا لنصر الحمية القبلية!

ثم ما أرَقَّ حاشية الجاهلية التي شجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحبه أبي ذر بالجاهلية الشنعاء التي استفحلت في بني أمية فقتلت حسينا رضي الله عنه، ودمرت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورمت الكعبة بالمنجنيق!

عصبية جاهلية استفاقت في بني أمية بعد فترة حضانة وتربص حتى انقضت على السلطان، فكانت الفارقة بين عهدين، عهدٍ كريمٍ تُرَشِّحُ فيه الأمة خيارها لخدمة القرآن، وعهدٍ مفتون الأهليَّةُ فيه بالنسب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “هلاك أمتي على يد غِلمة من قُريش”. قال الراوي: فقمتُ أخرج مع أبي وجدي إلى مروان بعدما ملكوا، فإذا هم يبايعون الصبيان، ومنهم من يُبايَعُ له وهو في خِرقة!” رواه الإمام أحمد.

كان معاوية بن أبي سفيان أولُ ملوك بني أمية رجلا ذا مروءة، من مروءته الحنكة السياسية والحِلم. دخل عليه أبو مسلم الخولاني التابعي الجليل فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثار عليه الأعوان وقالوا: قل: أيها الأمير! فقال: السلام عليك أيها الأجير! فثاروا عليه مرة ومرة.فقال معاوية: دعوا أبا مسلم، فإنه أعلم بما يقول! فقال: إنما أنت أجير، استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها. فإن أنت هَنَأْتَ جَرْباها وداويت مرضاها وحبستَ أولاها على أخراها وفّاك سيدُها أجرك. وإن أنت لم تَهْنَأْ جرباها ولم تداو مرضاها ولم تحبِسْ أولاها على أخراها عاقبك سيدها.

كان الملك الأمويُّ الأول يسمعُ بعض ما يُقَّوِمُ بعضَ العوج، سياسة منه ومروءة. ثم ولِيَ بعده ابنه يزيدُ فملك قُرابة ثلاثِ سنوات قام فيها بأعمال ثلاثة خالدة في سجل البغي الملكي العاض. في السنة الأولى قتل حسينا رضي الله عنه، وفي كربلاء طعنوا الجسد الشريف بالرماح، وضربوه بالسيوف، ورفسوا جثمان الشهيد تحت أرجل الخيل، وقتلوا نيفا وسبعين رجلا من آل البيت وشيعتهم، وساقوا نسوة آل البيت وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا إلى البلاط اليزيدي.

هذا موقف يجسد قتال الدولة الغاصبة للدعوة القائمة المقاومة. يجسد سَطْوَ السلطان على القرآن وتسلط الباطل على الحق.

في السنة الثانية من ملك يزيد الماجن العربيد السفيه قام علماء المدينة وقُراؤها على حكم البغي. فدهمتهم جنود البغي. قتلوا سبعة آلاف من أشراف المسلمين، واستباحوا المدينة ثلاثة أيام حتى حبَلَت ألف امرأة من فعل جيش يزيد. في السنة الثالثة من ملك يزيد هجم جيش يزيد على القائم بمكة عبد الله بن الزبير فضربوا الكعبة بالمنجنيق وأسالوا الدم الحرام في البيت الحرام.

كلمة قالها عبد الملك بن مروان “بطل الأمويين” تلخص أصول البغي الملكي العاض وحجته في صيغة تناسب التطور من عصبية أبي سفيان القبلية الساذجة الذي أراد أن يملأهاخيلا ورجالا إلى عصبية أمسكت سيف الدولة بيدها. خطب عبد الملك بالمدينة سنة 75 على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “إني لن أُداوِيَ أمراض هذه الأمة بغير السيف والله لا يأمرني أحد بعدَ مَقامي هذا بتقوى الله إلا ضربت عنقه!”

من أولئك الذين يطلبون المعونة على الاستقامة وتقويم الاعوجاج، إلى مَلِكٍ حليم لا يستفزه “السلام عليك أيها الأجير”، إلى ما تسمَع! ولا حول ولا قوة إلا بالله.