أيها العالم الغربي “المتقدم جدا”!! و”المتحضر جدا”…!!

   أيها العالم الذي آمن بالحرية! وعاش من أجل الديموقراطية! وكرس كل جهوده للدفاع عن حقوق الإنسان…!!

   ها هي ذي شعاراتك تخونك مرة أخرى، فتكشر عن أنيابك للتعبير عن عدائك السافر للإسلام والمسلمين، ها أنت ذا تتهاوى أمام كل الناس لتثبت بالدليل القاطع أن التاريخ لم ينته بعد لأن ثمة عدوا لدودا ما يزال ينبض بالحرارة والحياة… ها أنت ذا تتساقط كما أوراق الخريف بعدما تبين لك أن معركتك خاسرة بحول الله، لقد توهمت أنك دمرت كل شيء، وأصبحت سيد هذا العالم بلا منازع، وهم… مجرد وهم!!

   أيها الغربيون الديموقرطيون الحداثيون المتحررون… تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم!!

1- التفاتات لابد منها:   – عندما حُطّمَتْ تماثيل بوذا في أفغانستان، أقمتم الدنيا ولم تقعدوها، ولم تترددوا قيد شعرة، حشدتم كل جيوشكم، وكل قواتكم “لتأديب” شعب فقير، مقهور، مغلوب على أمره، وأعددتم العدة اللازمة لتقليم أظافر “الإرهابيين” الذين اعتبروا “تماثيل بوذا” مجرد أوثان، فأهانوها وتطاولوا على حرماتها وقداستها… فلقنتموهم درسا لن ينسوه في ضرورة احترام التراث العالمي…

   – وعندما شكك بعضهم في عدد ضحايا “الهوليكوست” (المحرقة النازية لليهود)، ثارت ثائرتكم، وغضبتم غضبا شديدا… رُفِضَتْ أطروحة دكتوراه تقدم بها فلان لأنها مست مقدسا مسكوتا عنه، فتجرأ وشكك في العدد الذي لا ينبغي أن يُنَاقَش أو يُشَكّك فيه… وقدمتم هذا للمحاكمة لأنه خرج عن دائرة الصواب والمعقول والمسموح به… وهددتم الآخر، وأوعدتموه شر وعيد، ونعتموه بأبشع النعوت لأنه فاجأكم وحطّم أفق انتظاركم فصرخ بملء الفم: “الهوليكوست مجرد وهم كاذب، وزيف مخادع”…

   – وعندما وقع ما وقع في 11 شتنبر من سنة 2001… اضطربتمْ أمواج الانتقام في أعماقكم، وبلغ غضبكم ذروته، وتفجر حنقكم، وتساءلتم في مكر حاقد: “لماذا يكرهوننا؟”… قسّمتم العالم إلى قسمين لا ثالث لهما: عالم الخير / وعالم الشر… وأعلنتموها بملء الفم: من لم يكن معنا فهو ضدنا…! قررتم أن تبيدوا عالم الأشرار، دمرتم البيوت، وشردت الأطفال والنساء والشيوخ، وأزهقتم الأرواح، وحاصرتهم الأبرياء، وأذقتموهم شتى ألوان التعذيب… وقررتم أن تفصحوا عما كان يدار في الكواليس، فلم يعد ثمة من دافع للتستر أو للمجاملة أو للمداراة، رفعتم شعار مشروع ” الشرق الأوسط الكبير “… وأعلنتموها حربا شعواء ضد ” الإرهاب ” و”الإرهابيين ” في كل أنحاء العالم، وقررتم تجفيف منابع الإرهاب، فتدخلتم في مناهج التعليم وبرامجه… كل ما يمس أمنكم ينبغي أن يمسح من خريطة كرة أرضية أنتم تملكون زمامها، ومفاتيحها…

   – عندما اختارت إحدى المسلمات أن تلتزم بواجبها الشرعي بارتداء الحجاب في الجامعة، أحست فرنسا بأنها تخون نفسها، وتخادع تاريخها، وتتنازل عن المبادئ التي ناضلت من أجلها طويلا… “عذرا كل الرموز الدينية محرمة في شريعة” العلمانية “التي لا تعترف بالشرائع”… لم يتوان وزير الداخلية فأعلن خطته الثلاثية لتدبير المجال الديني الإسلامي وإعطائه مكانة تليق بخصوصيته في السياق الفرنسي: أولا الشفافية والوضوح في التمويل، وثانيا تكوين الأئمة وفرنستهم، وثالثا مراقبة المجموعات الراديكالية وإحكام القبضة عليها.

   – وعندما فازت حماس في الانتخابات التشريعية، باسم “الديموقراطية” التي تعلمتها شعوبنا في مدارسكم، لم تستسيغوا ذلك، أزبدتم، وأبرقتم، وأرعدتم، ولم تطيقوا كتم غيظكم فصرحتم بأن ذلك زلزال سيغير وجه المنطقة، تحركت الآلة الديبلوماسية بهمة ونشاط… أسفرت اجتماعاتكم على وضع “الإرهابيين / الاستئصاليين” أمام خياريين: الاعتراف بإسرائيل، ووقف أعمال العنف والإرهاب ضدها، أو وقف الدعم المالي الذي كان يقدم للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية… صيحة أخرى من صيحات حقدكم وخبثكم ومكركم، “ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين”…

   أيها العالم الغربي الأنيق جدا! الوسيم جدا! الوديع جدا! ما هذا الانفصام النكد الذي تعيشه، أهو انفصام أم خداع أم تجبر وقهر وتسلط؟

   هذه بعض من حماقاتك استحضرتها تباعا، عفوا استحضرها قلمي رغم أنها لم تعد تخفى حتى على العميان، وللإشارة فقط “فإنه لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”… ومناسبة ذلك هو أنك تجاوزت حدود اللياقة والأدب، فتطاولت على أقدس مقدساتنا، حبة القلوب، وقرة العيون سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، تطاولت عليه باسم الحرية وباسم الفن، وليتك تعرف فظاعة هذه الجريمة الشنيعة، ليتك تعرف قدر هذا الذي أسأت إليه!!

   لم تعد تعرف للحرية معنى، مع أنك أنت -وللأسف الشديد- من علمنا أن حرية المرء تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر، ومادام الأمر كذلك فوجب علينا تنبيهك إلى أنك تماديت في غوايتك وضلالك وجبروتك، أعجبتك نفسك، فأطلقت العنان لهواك، استبحت كل الحرمات، سرقت منا كل شيء في واضحة النهار… ثمة شيء واحد لم تستطع، ولن تستطيع -سرقته منا مهما حاولت-: يقيننا بأننا على حق وأنك على باطل، يقيننا بأن ديننا هو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن ما تؤمن به هو الباطل بعينه… صحيح أننا متخلفون -بِلُغَتِكَ ومَعَايِيِرك- الخطأ فينا نحن يقينا لا في هذا الدين العظيم الذي سأحدثك عن نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم قليلا… فقد بدا لي -والله أعلم- أنك لا تعرف قدر ولا شرف ولا عظمة خير خلق الله إطلاقا، وأنى لك ذلك؟! وقد ضللتك الغواية الصهيونية العالمية، صنعت رأيك وموقفك وفكرك، وكونت شخصيتك وفق ما يخدم هواها ومصالحها، فلم تعد تملك إلا أن تدور في فلكها راضيا خاضعا مستسلما، أنى لك ذلك؟! وقد تسرب النفوذ الصهيوني إلى كل مناحي حياتك، فطفق يشكلها كما يشاء، ويرسم حدودها كما يريد، ويلونها بما شاء من الألوان، فكانت النتيجة أنك أصبحت لا ترى إلا بعيون اليهود، ولا تسمع إلا بآذانهم، ولا تتكلم إلا بلسانهم… ضدا عليك، وتحديا لأعداء الله والأنبياء، حفدة القردة والخنازير، سأفتح بعض المصادر، وسنقرأ معا فقرات تنبض بالصدق والحق عن مكانة وبعض مظاهر تميز وعظمة هذا النبي الذي بعثه الله رحمة للعالمين، أقول رحمة!! و… للعالمين!!

2- “أنا أكرم وَلَدِ آدم على ربي ولا فخر”   أورد القاضي عياض في الفصل الأول من الباب الثالث أخبارا وأحاديث تبين مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه عز وجل، وسيادة وَلَدِ آدم وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب، فعن عبابة ابن ربعي عن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: (إن الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما، فذلك قوله تعالى: “أصحاب اليمين وأصحاب الشمال”، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا وذلك قوله تعالى: “فأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون” فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: “وجعلناكم شعوبا وقبائل” الآية، فأنا أتقى ولد آدم، وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا، فجعلني من خيرها بيتا، فذلك قوله تعالى: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت” الآية، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال: “وآدم بين الروح والجسد”، ومن حديث أنس رضي الله عنه: “أنا أكرم وَلَدِ آدم على ربي ولا فخر”، وفي حديث ابن عباس: “أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر”، وعن عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم: “أتاني جبريل عليه السلام، فقال: قلبت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر رجلا أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم”، وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بالبراق ليلة أُسرى به، فاستصعب عليه فقال له جبريل: بمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفضّ عرقا” (الشفا 1/165 – 166)، ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا” (رواه مسلم والترمذي بغير لفظه)، هذا الذي اصطفاه الله لتبليغ رسالته هو عبد الله ورسوله وكفى بالانتساب إلى الله حسبا ونسبا وشرفا، هذا الذي بشرت به التوراة والإنجيل قبل مبعثه بل قبل مولده، وأشادت ببعض شمائله الكريمة: ” يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء: بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وأذانا صما، وقلوبا غلفا” (الشفا 1/24 – 25)، عن هذا الذي قال الله عز وجل في حقه: ” وإنك لعلى خلق عظيم ” سأتحدث قليلا، فالأكيد أنكم لو عرفتم مقامه الشريف لخجلتم من أنفسكم، ولضاقت عليكم الأرض بما رحبت، بل لوددتم لو أنها انشقت وابتلعتكم… إن كنتم لا تعرفون مقام هذا النبي العظيم، فقد آن الأوان لتنصتوا إلينا قليلا، من يدري لعل الغشاوة تنزاح عن أعين لا تبصر، وعن آذان لا تسمع، وعن قلوب لا تفقه… لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا أَقُولُ عَذَرْتَنِـــي *** أَوْ كُنتُ أَجْهلُ مَا تَقُولُ عَذَلْتــــُكَ

لَكِنْ جَهِلْتَ مَقَالَتِي، فَعَذَلْتَنِــــي *** وَعَلِمْتُ بِأَنّكَ جَاهِلٌ، فَعَذَرْتـــــُكَ3- “رسول من أنفُسِكُمْ”   يقول تعالى: “لقد جاءكم رسول من أنفُسِكُمْ” قراءة الجمهور بضم الفاء وقرأها بعضهم “من أنْفَسِكُمْ” بفتحها، ومعناها أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه ويتحققون مكانه ويعلمون صدقه وأمانته فلا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم: لكونه منهم، وأنه لم تكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة أو قرابة، وكونه من أشرفهم وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح هذه نهاية المدح وتوالت أوصافه الحميدة في الآية الكريمة من حرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم وشدة ما يعنتهم ويضر بهم في دنياهم وأخراهم وعزته عليه وٍافته ورحمته بمؤمنيهم…(الشفا) 1/14 – 15.

4- “رحمة للعالمين”   يقول تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” قال أبو بكر محمد بن طاهر: زين الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن الله تعالى يقول: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” فكانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال صلى الله عليه وسلم: “حياتي خير لكم، وموتي خير لكم”، وكما قال عليه الصلاة والسلام: “إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا وسلفا”، وقال السمرقندي: “رحمة للعالمين” يعني للجن والإنس، قيل لجميع الخلق: للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة، وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: “هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟” قال: “نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله: “ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين”. (الشفا) 1/16-17

5- “جعلتُ اسمك مع اسمي يُنَادَى به في جوف السماء”   من رواية وهب أنه صلى الله عليه وسلم قال: ” قال الله تعالى: سل يا محمد فقلت: ما أسأل يا رب، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فقال الله تعالى: ما أعطيتك خير من ذلك، أعطيتك الكوثر، وجعلت اسمك مع اسمي يُنَادَى به في جوف السماء، وجعلت الأرض طهورا لك ولأمتك، وغفرتُ لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي في الناس مغفورا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصاحفها، وخبأت لك شفاعتك، ولم أَخْبَأْها لنبي غيرك” (الشفا) 1/170 – 171.

   وقد استخلص أهل الصفوة من خلال تفصح الآيات القرآنية دلائل تميز وسمو مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم بين سائر الأنبياء، ومن بين ما استنبطوه أن موسى عليه السلام سأل ربه عز وجل، فقال: “رب اشرح لي صدري، ويسر لي أمري”، ونودي محمد صلى الله عليه وسلم بلا سؤال: “ألم نشرح لك صدرك”، وسأل إبراهيم عليه السلام ربه: “ولا تخزني يوم يبعثون”، وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: “يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه”، ومما قيل في هذا المعنى أيضا، أن الله عز وجل خاطب جميع الخلق ودعا إليه، ودلهم عليه بذكر الملك والملكوت، فقال: “وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض”، وقوله: “أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء”، وقوله تعالى: “أو لم يتفكروا في أنفسهم”، وقوله: “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت” إلى آخر السورة، فلما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “ألم تر إلى ربك ” يا محمد ” كيف مد الظل” فلما كان الخطاب مع الحبيب بدأ بذكره، فقال: “ألم تر إلى ربك”.

   وفي معنى قوله: “واتخذ الله إبراهيم خليلا” قالوا: إن الخلة: ما يخلل القلب، والمحبة ما يكون في حبة القلب، يعني سويداء القلب، وسمى المحبة محبة لأنها تمحو بها ما سواها من القلب، فذلك فضل الحبيب على الخليل، وقال: “افعل ما تؤمر” وقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: “ولسوف يعطيك ربك فترضى”، فدل بذلك على فضل الحبيب على الخليل.

   وما قالوا في هذا المعنى أيضا: إن آدم صلوات الله عليه، لما ذكر الله تعالى توبته، فقال: “وعصى آدم ربه فغوى” فذكر جنايته قبل توبته “ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى”، وذكر أيضا خطيئة داود عليه السلام ثم قال: “فغفرنا له”، وكذلك أخبر عن سليمان عليه السلام بقوله: “ولقد فتنا سليمان، وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب، قال رب اغفر لي”، وقال للنبي: “عفا الله عنك لم أذنت لهم”، قال بعضهم: آنسه بذكر العفو حتى لا يوحشه ذكر العتاب، وقال أيضا: “ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر”، فابتدأ بذكر الغفران قبل الذنب، وغفر له الذنب قبل أن يذنب وقبل العتب، وقالوا أيضا معنى آخر: إن جميع ما أُعطي الأنبياء عليهم السلام من الكرامات قد أعطي مثله محمد صلى الله عليه وسلم، وزاد عليهم مثل: انشقاق القمر، ونبع الماء من الأصابع، والمعراج، وغير ذلك… (اللمع) 154 – 156.

   ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا داود، يا عيسى، يا زكريا، يا يحيى، ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها المزمل، يا أيها المدثر. (الشفا) 1/31.

6- “الآن يا عمر”   الصحابة الكرام الذين صحبوه صلى الله عليه وسلم وعايشوه، وجالسوه… لم يملكوا إلا أن يحبوه، ولم يقووا على كتمان هذا الحب، فصرحوا له بذلك وباحوا، فقد روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: “كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب. فقال له عمر: يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك!”. فقال عمر: فإنه والله لأنت أحب إلي من نفسي!. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “الآن يا عمر!”. (الإحسان) 1/178.

7- “إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه…”   ذكر القاضي عياض رحمه الله في “الشفا” أن مالكا رحمه الله سئل عن أيوب السختياني فقال: “ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. قال: وحج حجتين، فكنت أرمقه فلا أسمع منه غير أنه إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه.

   قال عياض: وقال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعُب ذلك على جلسائه. فقيل له يوما في ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيتُ لما أنكرتم عليّ ما ترون: لقد كنت أرى محمد ابن المنكدر، وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا بكى حتى نرحمه , ولقد كنت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير الدُّعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه. وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة…

قال مالك: ولقد كان عبد الرحمان بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فَيُنظَر على لونه كأنه نَزَفَ منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير، فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. ولقد رأيت الزُّهري، وكان لَمِنْ أهنإِ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. ولقد كنت آتي صفوان بن سُليم، وكان من المتعبدين المجتهدين، فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. (الإحسان) 1/ 178  179.

8- وماذا بعد؟   عز علي أن تمر هذه الإهانة الجديدة دون أن أنتفض كما انتفض كل من شرح الله صدره للإسلام… دون أن أحترق كما احترق كل من في قلبه ذرة إيمان… فكرت في أن أكتب عن الحبيب دفاعا عنه -أستغفر الله، فالله تعالى يدافع عنه، ويعصمه من الناس-، فاستصعب علي القلم، واستعصم، وعجز عن الحركة إجلالا وتقديسا واحتراما وتبجيلا… فأيقنت أنه ليس من السهل الحديث عن المبعوث رحمة ونورا، فآليت أن أقرأ ما أورده وما كتبه الآخرون… فمن أنا حتى أكتب عمن اختار الله قلبه من بين قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وبعثه برسالته، وقرن اسمه الشريف باسمه وكتبه على عرشه وعلى باب جنته؟!!… وبينما كنت أقرأ، فكرت في أن أشرك القارئ الكريم معي، فأوردت بعض الفقرات كما وردت في مصادرها، استمتعت بقراءتها، ورأيت أن أمتع الآخرين بها وأن أرد بها على من توعدهم الحق عز وجل بالعذاب الأليم: “والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم” (التوبة / 61)، “إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة” (الأحزاب / 57)، أولئك الذين “لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون” (الأعراف / 179)…

   هي كلمات صادقة أبعثها إليهم من قلب مكلوم مطعون، وفي انتظار أن يتوصلوا بها، ويتفهموها أقول: “فداك روحي، وبأبي وأمي أنت يا رسول الله…