كما أمسكت أيدي الصحابة المباركين زمام الأمر في الخلافة الأولى، وحافظوا على البناء بعدما أقاموه مع النبي صلى الله عليه وسلم، كذلك تمسك إن شاء الله أيدي “إخوانه” صلى الله عليه وسلم المباركين زمام الأمر في الخلافة الثانية بعد أن يعيدوا رصَّ البناء من انتقاض.

       فما هو هذا الأمر؟ أهو دولة من بين الدول، ترعى مصالح المسلمين، وترفع من شأنهم بين الأمم، قوية عزيزة، لها حضارة شامخة، وجانب مرهوب، وسطوة محترمة. أم هي دعوة ودولة، دولة تخدم الدعوة، وتسير في موكبها، وتأتمر بأمرها؟

      نبغ بين المسلمين منذ نحو سبعين سنة رجل ادعى أن الإسلام دعوة لا شأن لها بالدولة، فوجب الإلحاح على البديهيات. إنه الشيخ علي عبد الرزاق، من علماء الأزهر وقضاة مصر، أثار بكتابه “الإسلام وأصول الحكم” ضجـة ما تزال أصداؤها تتردد في أوساط الكتـاب والمفكرين، الإسلاميين منهم والأكاديميين.

       أما الإسلاميون، وهم الشاعرون بضغطة الاستعمار أكثر من غيرهم، فقد ردّوا بأن الإسلام دعوة ودولة، وأطنبوا في إبراز جانب الحكم في الإسلام، واختزلوا الألوهية في صفة من صفاتها، جلت وتعالت، هي صفة “الحاكمية”. وإنما أتى تضخيم جانب الدولة في خطاب الإسلاميين المنافحين عن الدين مُغالَبةً للتيار المعادي. فكانت النتيجة أن غُيِّب أساس الدين، وهو الدعوة إلى الله تعالى، وأشاد الناس بالقوة الحامية والدِّرْع الواقية والهيكل الخارجي: الدولة.

       كان علي عبد الرزاق من حزب “الوفد”، وكان حزب “الوفد” يُماري في نزعة الملك فؤاد أن ينتحل لقب “الخلافة” وينتصب على أريكتها في مصر بعد سقوطها في تركيا. فكتب الشيخ كتابه لينقُض الفكرة بنفي أي أصل للحكم يستند إلى الدين. فهي لاييكية أخرى قالت كلمة باطلٍ أريدَ بها هدف سياسيُّ. أراد “الوفد” وشيخه أن يقاتل ملكا فعدا على الدين.

       وبقي في جو الدعوة هذا التضخيم الجدَليُّ لجانب الحكم في الإسلام،وكأنَّ الله عز وجل ما بعث رسله عليهم السلام إلا لبناء دولة تحكم بالشرع، وتقيم العدل. ولا شأن لأحد في هذا بمخلوقية العبد، وتكليفه، وندائه إلى اقتحام العقبة للقاء ربه، وبعثه بعد الموت، وجزائه، وسعادته الأبدية وشقائه.

       إنه سكوت في الخطاب الإسلامي مُريب. إنه جريان مع تيار التغفيل عن الله عز وجل. إنه نوع من اللاييكية الضمنية، وفصل لمعاني الإسلام، وهي أولا وآخرا خضوع العبد لربه عز وجل، عن السياق الحركي الحُكْمي. فيا إخواني، يأيها الإسلاميون المقبلون على الحكم، ماذا تريدون؟ أتريدون دولة باسم الإسلام ينتهي عمَلُكم الدعَوِيُّ عند إقامتها، فتذوب الدعوة في الدولة، أم تريدونها خلافة على منهاج النبوة؟ وإذن فلا بد أن نتكلم في البديهيات لنصحح المسار ولنؤسِّسَ خطابنا وهو مرآة لما تُكنه النوايا على تقوى من الله.

       إن الله عز وجل أمر المومنين أوامر وكلفهم تكليفا. من التكاليف ما هو منوط بذمة الفرد كالصلاة والصيام، ومنها ما لا يمكن القيام به إلا بتعاون جماعة المومنين، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله. وإن الله عز وجل شفَع أمره للجماعة بالعمل الصالح الجماعيِّ المؤَذِّنةِ به “يأيها الذين آمنوا” افعلوا أو لا تفعلوا بأمره الحُكْمي السياسي الدَّولي الصادِعِ به قولُه عز وجل: “يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”. [1]

       لا يصلح الناس فَوضَى، ولا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم. ولا يخدم أهداف الإسلام الجماعية والفرديةَ نظامٌ لا يخضع للإسلام ولا تكون طاعتُه من طاعة الله ورسوله. فالإسلام دولة ونظام حكم، لا يُضارّ في ذلك مجادل.

       لكن الله عز وجل إنما يبعث رسله عليهم السلام لشأن عظيم، لشأن أخرويٍّ أبديٍّ. بعثهم لهداية الخلق إلى طريق مستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. وهو صراط السعادة الأبدية. “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”[2] آية نفي وإثبات تؤكد الجانب الدعويَّ. آية “يأيها النبيء إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه”[3] تبين أن النبوءةَ الرحمةَ دعوة مبشرة بحقائق الآخرة منذرة منها قبل كل اعتبار، قبل كل نظام.

       آية “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتومنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا”[4] دليل على أن الرسالة النبوية رسالة إيمان بالله تعالى، رسالة انحياش إليه عز وجل، رسالةُ تسبيح لجلاله، رسالة عبودية للخالق الرزاق المحيي المميت الباعث الديان رب الجنة والنار. له الأسماء الحسنى، وله الحاكمية والطاعة.

       في عهد النبوة كانت الدعوة والدولة قضية واحدة، فكان من مقتضيات نشر الدعوة أن ينتظم المسلمون في أمور عباداتهم ومعاملاتهم ومعاشهم وجهادهم حول مُطاع واحد. في شخصه الكريم تجتمع معاني الرحمة المهداة، وبيده الكريمة مقاليد الأمر والنهي، أمرٍ ونهيٍ جميعٍ غيرِ شتيت، الكل دينٌ، لا فصلَ في فقه الصحابة رضي الله عنهم بين الدنيوي والديني. هم كانوا عبادَ الرحمان، في كل حركاتهم وسكناتهم يذكرون الله عز وجل ويسبحونه، حاضرين قلبا وقالبا مع البِشارة والنذارة. كل أعمالِهم قُرَبٌ إلى الله عز وجل، ترفعُها النية مهما كانت صغيرة.

       في عصرنا، معاشرَ الدعاة، وجدنا الدعوة منزويَة، بل مَزوِيّة، بعيدا عن الدولة، مغايرة لها، مضغوطة مِن قِبَلها، مُحارَبَة مضطهدة، أو مُرَوّضة مُدَجنة مُؤَنّسة.

       ومَنَّ الله عز وجل علينا بأن بعث فينا غَيرة على دينه، وَكراهية لطغيان الحكم العاض المنحرف عن طاعة الله ورسوله. فنحن نريد أن نحكم بما أنزل الله لكيلا تبقى الأمة وعلى عنقها تهديد “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”،[5] “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”،[6] “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون”.[7]

       والذي وجدناه أمامنا، في كل قطر من أقطار التجزئة الشنيعة دولةٌ بلا دين، دولة تستخف بالدين، دولة تنكر الدين. فقمنا نصبُ كل جهودنا على تفنيد أصول اللاييكية، ونصرُخ أن الإسلام دعوة ودولة، حتى بُحَّتْ أصوات الغيرة منا، فيخيل للسامع والقارئ أن مقالتنا تتلخص في أن الإسلام دولة، دولة، دولة.

       ألا وإن الله عز وجل لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم،وإن سكوت الإسلاميين، سكوت كثير منهم، عن الذي جاءت من أجله الرسل وهو دعوة العباد إلى ربهم وتذكيرهم بالمصير الأخرويِّ، أدَّى إلى ضُمور الحِسِّ الدعويِّ، فإذا بالإسلام المنطوق به المُعلنِ المكتوبِ مذهبٌ في الحكم، رائع متفوق. وهم عن الآخرة هم غافلون.

       بأنفسنا صدْع خفي، بعضه مِنْ بِلَى الإيمان، وبعضه من “منطق الساحة” الذي يجرفنا فلا نشعر إلا ونحن نتحدث حديثا هو بحديث اللاييكيين أشبـه لولا كلمات تَحنُّ حنينَ الثكلى إلى وليدها. ينعكس في خطابنا الافتراق بين السلطان والقرآن، نقضٌ مرَدُّه إلى ما في النفوس. وكلُّ إناء بالذي فيه يرشح.

       قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خذوا العطاءَ ما دام عطاء، فإذا صار رَشوة عن الدين فلا تأخذوه. ولستم تاركيه، يمنعكم من ذلك الفقْرُ والحاجة. ألا إن رَحا الإسلام دائرةٌ فدوروا مع الكتاب حيثُ دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم”. رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

       في هذا الفصل من الكتاب، نعُدُّه من أهمها، نريد إن شاء الله أن نتمعن في الفُرقة بين السلطان والقرآن، بين الدعوة والدولة، ليكون وعيُنا بأسباب الفرقة والخصام أدعَى أن نجمَع، أستغفر الله العظيم، أدعى أن يجمع الله تعالى بنا ما افترق.

       في الهدي النبوي، وبالوحي نستضيء نوّر الله قلوبنا بنوره، إشارة إلى مآل الحكم في يد حكام ظَلَمَة دارت بهم رحا القَدر، فانتزعوا الدولة من يد الدعوة، وتحكموا في المال والقوة حتى لم يبق لأهل القرآن من خيار إلا أن يطيعوهم فيضلوا أو يعصوهم فيُقتَلوا.

الهوامش:

[1] سورة النساء، الآية 58.

[2] سورة الأنبياء، الآية 106.

[3] سورة الأحزاب، الآيتان 45-46.

[4] سورة الفتح، الآيتان 8-9.

[5] سورة المائدة، الآية 46.

[6] سورة المائدة، الآية 47.

[7] سورة المائدة، الآية 49.