قراءة في كتاب «اركب معنا دعوة إلى الإبحار» للأستاذة ندية ياسين

أحمد دخيسي

تقديم:   ما يزال الإسلام مرادفا للإرهاب والتطرف في المنظومة الإمبريالية المتوحشة، وما يزال الإسلام لا يعني أكثر من التعصب والتزمت في منظومة الحداثة المعطوبة، وما فتئ الغرب والأنظمة الجبرية في بلاد المسلمين يجتهدون ويجدون لإبقاء الأمة على التشتت وحراسة الحدود السياسية المصطنعة، وما فتئوا يجتهدون لجعل الحركة الإسلامية على هامش الشعوب الإسلامية، رغم أن هذه الحركة أصبحت قوة اقتراحية لا يمكن تجاوزها. طقوس الحداثة المعطوبة لا تقبل هذا الآخر الذي يزن الأمور بموازين لم يألفها “العقل المتنور”.

   عمقت أحداث 11 شتنبر من القصور -الموجود أصلا- الذي يعانيه الغرب في فهم طبيعة الإسلام والحركة الإسلامية. وسط ركام الاتهامات الحداثية للإسلام هل يمكن إيجاد خيط يقود إلى حوار بين الإسلام والحداثة؟ كيف نقنع الغرب أن الإسلام محرر الشعوب؟ كيف نقنع الآخر أن الإسلام ضامن الحياة والحرية وأن الإنسان له قيمة ورسالة في هذا الوجود؟ كيف نعرض سماحة إسلامنا على الغرب؟ كيف نطوع ونأسلم الحداثة بدل تدميرها؟

   الإسلام رسالة إحسانية عالمية يجب أن تصل إلى كل إنسان، خاصة مواطن الحداثة المعذب الذي يغيب عنه المفهوم الحقيقي للكينونة.

الفصل الأول: متاهات   الإنسان الحداثي، بعد إقصائه للإيمان من وعيه، يسكن لاوعيه أشياء انفلتت من سلطان العقل: الخيال العلمي، الكائنات الفضائية، الخدع السينمائية التي تنتج مشاهد تشبه أحلام اليقظة وتزيد من عمق «الغيبوبة السعيدة» التي يعيشها الإنسان في ضيافة الحداثة. حتى الأدب اليوم، رغم هيمنة الصورة، أصبح أكثر اهتماما بموضوع الإنسان لتشخيص عالم العقلانية المفرطة والحداثة التائهة في عالم يتغير فيه كل شيء بسرعة إلا القلق النفسي الذي يلازم النفوس. براقة كانت الحداثة والآن اكتشفت أنها تسير بالإنسان نحو العبث، فحنَّطت تفكيره لكي لا يعيش إلا هذا العالم المادي؛ أما الحديث عن عالم آخر فهذا هراء وحديث غريب لا يسلك إلى أذن الحداثي.

   ما مصير الإنسان؟ إن التدبير العلمي والاقتصادي للمجتمع لا ينقذ الإنسان من بؤسه الروحي. معادلة الحداثة في الغرب لا تستطيع أن تفرق بين التقدم الاقتصادي والتخلف الأخلاقي. الحداثة أخطأت الطريق عندما جعلت من الإيمان قضية هامشية وأحيانا شاذة. بعدما جاءت أنوار الحداثة انطفأت شمعة الكنيسة وكل شخص أراد التخلص من قيود العقلانية في سجن الحداثة يُطرد من المجتمع السليم المتنور ويُنعت بأقدح النعوت. ارتُكبت جرائمُ باسم الكنيسة وجاءت الحداثة فكشفت القناع المزيف للمسيحية في الغرب لكنها -الحداثة- وعدت الإنسان بجنة مزيفة. وهاهو الإنسان الحداثي يقتله الظمأ الروحي في جنة الحداثة، لا يعرف مصيره بعد هذه الحياة، يعيش كآبة دفينة أفقدت حياته معناها الحقيقي. كيف لا يتيه هذا الإنسان في متاهات الحياة بعدما استبعد الغيب من قائمة غذائه الروحي؟ كيف لا يتيه وقد تلبدت الطريق الفطرية للسعادة (الغيب) بغيوم الحداثة والعقلانية المفرطة اللتين تصوران الغيب للإنسان على أنه هراء روحي وقهقرى إلى ظلمة ما قبل الأنوار!

   ما موقع الإنسان في منظومة الحداثة؟ إنسان الحداثة كائن سريالي المعالم مطموس الهوية ممسوخ القيم، غارق في التعاسة. ارتبطت الحداثة بالفلسفة وابتعدت عن الوحي فكان ذلك بداية مرض “الأزمة الروحية” الذي سببه فيروس العقلانية المفرطة مع أبيه ديكارت. لقد مهدت فلسفة الأنوار لحقبة سوداء في تاريخ الإنسانية وكل الفلسفات التي تناسلت بعد فلسفة الأنوار ورضعت من ثدي الشك الديكارتي لا يمكن إلا أن تكون فلسفة واحدة ومنهجا واحدا ورؤية موحدة تجاه الإنسان وعلاقته بربه. كانت لفلسفة الأنوار امتدادات متطرفة “استقردت” الإنسان واضطلع فيلسوف الأنوار بدور «القرد العبقري المبعوث من الشيطان إلى الإنسان»، إنسان يؤمن بكل شيء إلا خالقه، إنسان جعل أم يقينياته: اليقين بعدم وجود اليقين.

   الإنسان في منظومة الحداثة أحد اثنين: ديكارتي أنواري أو متطرف رجعي. الصنف الثاني ملزم بأن يكون وفيا للثالوث الديكارتي الذي ارتضته الحداثة منبعا حضاريا إنسانيا أرضيا لا دخل لله فيه. لقد اختزل الفكر الديكارتي، والحداثي بعده، الإنسان في مخلوق دوابي بل مجرد قزم أنهكته مشاغل الحياة في غفلة عن حقيقة مطلقة محورية في حياة هذا الإنسان: الموت. كلما وقف عقل الحداثة على هذه الحقيقة انغمس في الرمال لعله ينسى أو يتناسى، لكنه كلما ارتفع من الرمال وجد هذا الموت ينتظره، يلازمه. هذا المشهد العبثي يتكرر في حياة إنسان الحداثة بمذاق سيزيفي مر.

   استطاعت الخدعة الداروينية -رغم أن العلم أثبت أنها نظرية مزيفة- أن تطرد الكنيسة من حياة الناس في الغرب. بعدها تبلورت هذه النظرة تجاه الكنيسة لتصبح نظرية عالمية صورت أديان شعوب العالم ككنيسة تنشر الظلام باسم الدين وبالتالي يجب إبعاد الدين -أي دين- عن الحياة. فكان ذلك منبع الإلحاد ومركز تصديره إلى العالم. عاش المجتمع الغربي الأطوار الأولى لهذه الحملة التطهيرية، وكانت فترة انتقالية غير سليمة إذ أنه قفز من نقيض إلى نقيض مثله، من همجية الكنيسة إلى جهنمية الحداثة، من الظلامية الكنسية إلى الأضواء الحداثية الخادعة. لم تستطع الكنيسة مواكبة الصراع ولم تستطع الحداثة أن تخفي عداءها للدين لأنها تتغذى من سمعته. أصبحت الحياة إذن تعني إحدى المنزلتين: العلم أو الدين، الحداثة أو الكهنوت. الطريق إلى الحداثة تمر بالضرورة عبر التسليم بأم اليقينيات: لا مكان لله في حياتك، أنت كائن دوابي لا همَّ لك سوى الاستهلاك. لقد أصبح الإنسان شيئا من الأشياء وانفلت التاريخ من يده. كل شيء في ظل العولمة أصبح كونيا وسريعا بسبب العولمة المتوحشة التي تزيد من توسيع الهوة بين الشمال والجنوب. تفقر الفقراء وتغني الأغنياء فأصبحت العولمة أرقى أشكال الاستعمار. البضاعة الرائجة لهذه العولمة هي الديموقراطية. هذه الديموقراطية عصا سحرية في الجنوب لا ينخدع بسحرها إلا الإنسان غير السوي. أما في الشمال فهي بضاعة بائرة خلقت عن كثرة الرد. قد يستدعي الأمر من “الغرب المتحضر” التدخل العسكري لزرع نبتته هذه في أرض غير أرضها. الآن أصبحنا نسمع نفس الأغنية القديمة: الاستعمار والاستحمار لكن بصوت جديد وكلمات جديدة: الديموقراطية، العولمة، الحداثة.

   في هذا الاتجاه، العالم في طريقه ليصبح قرية صغيرة ذات أنساق اجتماعية ثقافية موحدة. إنه اتجاه لقتل الاختلاف بين الشعوب ليُصنع مجتمع عالمي أهم ما سيميزه اكتظاظه ببؤساء العولمة. أصبح كل شيء جاهزا وقابلا للبيع والشراء: الإنسان، السياسة، الديموقراطية، المواقف… إنه عصر الهيمنة والعبودية الجديدة تعيش فيه الشعوب المستضعفة بين مطرقة العولمة المتوحشة وسندان الأنظمة الجبرية المتسلطة الني نصبها الاستعمار واستخلفها قبل أن يخرج، فكان منها الوفاء لإرادة المستعمِر والبراعة في استحمار شعوبها.

   عبثا يحاول من يبحث عن الإنسان في المنظومة العولمية؛ لقد ضاع بين الركام، ضاع بين زخم التواصل الذي حول العالم إلى قاعة مليئة بالمرايا. أمَا إن التواصل، بما هو حاجة إنسانية فطرية، مَلَكة نبيلة وهبها الله للإنسان الذي أكرمه ونعمه وأعده لتلقي رسائل الفطرة في مقدمتها الرسالة الإلهية الموجهة للإنسان. للأسف، أصبح التواصل وظيفيا مضللا وأصبح العالم مسحوق الحدود الجغرافية، السياسية والثقافية. أصبح التواصل بالمفهوم الحداثي سحرا نافذا إلى وعي العالم. لقد فقد التواصل نكهته التواصلية وأصبح ميكانيكيا ومملا لأن مصدره الآلات والحواسيب وليس الإنسان. أكثر من ذلك، أصبح “الإعلام الحر” يهدد حتى أمه التي أنجبته وظلت تدافع عنه لمدة طويلة: الديموقراطية. أصبح كل شيء مزورا ومتاجرا فيه من الاقتصاد إلى السياسة وحتى القيم السامية، لأن هذا الإعلام تسيطر عليه الروح الدعائية والتجارية الاستهلاكية حتى أصبحت المعلومة المشوهة والتافهة تستهلك أكثر من القوت اليومي في المجتمعات المتخلفة عن ركب الحداثة لأن التواصل عند هذه المجتمعات لا يعني أكثر من الاستهلاك والاستئناس بالتلفزة الحكومية التي أصابت العقول بالألزهايمر.

   نعم، الاستئناس بالتلفزة الحكومية ووضع الرؤوس في الرمال، هذا ما تفعله الشعوب المستضعفة لمواجهة هذا الزحف الهمجي للعهد الكوني. طبيعة المعركة الجديدة لا تمتلك آليات مواجهتها هذه الشعوب لأن المعركة نقلت من جبهات القتال إلى العقول بواسطة الحداثة المعلوماتية.

الفصل الثاني: صدامات عاصفة   الحداثة الغربية أعمت الإنسان عن معرفة مغزى وجوده فأصبح مجرد كائن أرضي مقطوع الصلة بسمائه. وبعد قتله “لليقينيات الكبرى”، اتجه الغرب نحو العدم ونصبه إلها. التحدي كيف نعيد، نحن المسلمين، للبشرية توازنها المنشود؟ كيف ندلها على الرسالة الإلهية الأخيرة؟ كيف نعرض الإسلام على الغرب وحداثته؟ كيف نقنع العالمين أن النسب العربي الشريف لرسول الإسلام صلى الله عليه وسلم لا يحجب إطلاقا عالمية الرسالة التي جاء بها وأن هذه الرسالة قادرة على إنقاذ البشرية من حضيض الحداثة تماما كما أحيت حضارات عدة كانت تحتضر. يبقى علينا أن نقدم للغرب الصورة الحقيقية والربانية للإسلام ونعالج مشكل تخدير العقول الغربية بصورة نمطية حول المسلم البائس الفقير، الأمي، المتخلف والحالم بالهرب من جحيم بلده المسلم إلى جنة حداثة الغرب. لكن نظرة الغرب لا تزال عائقا أمام أي حوار بين الإسلام والحداثة؛ أي حوار يرضى به الغرب القوي مع من يراه ضعيفا؟

   هذه العقبة النفسية بين الإسلام والغرب تعمقها الصورة الكاريكاتورية البشعة الملامح التي عليها “الإسلام الرسمي” و”الإسلام البترودولاري”. رغم كل هذا يجب على الغرب أن يفهم أنه لابد من الحوار مع الإسلام، ثلث سكان العالم، لأن الإسلام هو الضامن الحقيقي للحقوق الحقيقية للإنسان الحقيقي. ألا يكفي أن الحداثة جردت إنسان الجنوب من حقوقه العدلية وحرمت إنسان الشمال من حقوقه الإحسانية وحقه في معرفة خالقه ومصيره بعد الموت؟

   كان الوحي هو قطب الحضارة الإسلامية وسر هذه الأمة التي نقلها إيمانها بالله من حضارة عربية بدوية وجاهلية إلى حضارة عالمية راقية جدا. قبيل الإسلام كان العالم يحتضر اقتصاديا، سياسيا واجتماعيا فجاء الإسلام ليبعث الروح من جديد. اليوم تنكرت الحضارة الغربية لدور الإسلام في تصحيح المسار التاريخي للبشرية التي لم تدرك بعد حجم ما خسرته بانحطاط المسلمين، وما يزال الغرب ينظر إلى الإسلام نظرة عاطفية ضيقة يطبعها الخوف والحساسية الزائدة. بعد أن تقدم الغرب شوه التاريخ وتنكر لنصيب الإسلام في ازدهاره وتقدمه.

   من أهم مظاهر هذا التنكر: التعليم من خلال المقررات الدراسية، التخصصات الجامعية والبحوث ليتم تكريس عرضية الإسلام في التاريخ وهامشيته في الحياة. هذا الراسب الأديولوجي يصعب مسحه من ذاكرة الغرب. مقابل ذلك، يتم تكريس مركزية الغرب، الذي لا يفارقه جنون العظمة، وريادته وأحقيته بأن يتبع. وللاستشراق حكايته؛ كان الاستشراق هو الذي دشن الحملة الفكرية التطهيرية ضد الإسلام، بعده الاستعمار المباشر وبعدهما الإعلام الحديث الذي حول بيوت المسلمين إلى “مرحاض غربي” تفرغ فيه كل أنواع السموم الفكرية. فرصة جيدة للغرب أن يعيد التاريخ إلى مجراه الطبيعي بعد أن هوى به المسلمون في المشرق وشمال إفريقيا وإسبانيا، فكان لابد من تدخل الغرب لطرد المسلمين من تاريخ الإنسانية وزرع الحضارة والحرية والحداثة.

   لاشك أن هذه المقاربة الغربية للإسلام جعلت من الغرب والإسلام آخران. وفعل الغرب فعلته بعقول المسلمين وجردهم من تفكيرهم، من قيمهم، من دينهم ومن ثرواتهم لكن دون أن يمنحهم تفكيره هو، فأصبحوا يفكرون بوعي مريض ومتخلف. وإذا حدثت مفاجأة وولدت أرحام المسلمين عالما أو مخترعا أو عبقريا يصادره الغرب ويضمه إليه. لأن ذلك الشخص عملاق جدير به ألا يعايش الأقزام.

   ليس من السهل تصحيح ما أفسدته القرون. كما ليس من السهل إقناع الغرب أن الإسلام رسالة عالمية لابد منها لتعيش الإنسانية. كيف نزيل كل هذه التراكمات الكثيرة جدا والقدحية جدا التي رسمها الغرب عن الإسلام؟ من أين يبدأ الحوار بين الإسلام والحداثة؟ هذه الحداثة تعني لشمال قليل الرفاهية والرخاء، لكنها لجنوب كثير الفقر والتهميش والحروب والأمراض؛ مزابل قوم عند قوم موائد. طقوس الحداثة ليست متاحة للجميع، لا يتقنها سوى الغني القوي المتكبر. أي حوار يمكن أن يكون إذا سوى حوار بين أصم وأبكم؟!

الفصل الثالث: آفاق جديدة   انتشر الإسلام بفضل عظمة الرسالة التي جاء بها. هذه الرسالة هي أمل البشرية غداً. في الماضي كان لابد من الإسلام لتعود البشرية إلى رشدها، ويعود الإنسان إلى فطرته التي فطره الله عليها. انتشر الإسلام لأنه يحمل قوة استقطابية لا تقاوم، إنه مدرسة للحرية والمساواة والأخلاق الصافية والمعاملة الإنسانية الرفيعة. كان فضل الإسلام على البشرية كبيرا وسيكون إن شاء الله دواء الحداثة المعطوبة وبوصلة الإنسان التائه ببساطة لأن الإسلام رسالة ربانية قائمة على التيسير والرحمة. رسالة تتكيف مع كل زمان ومكان لتنظم حياة المجتمع بمرونة وحفظ دائم للفضيلة. الإسلام يريد الإحسان، الإسلام يقدس الاجتهاد ويمقت الجمود والتقييد لأن الاجتهاد هو الحلقة التي تصل الأرض بالسماء وتجمع بين النسبي والمطلق في الشريعة.

   إن رغبتنا في إقناع الغرب لا تعني أبدا أننا تناسينا حقبة الاستعمار، مستنقع تاريخي لا يمكن المرور عليه بسهولة ونقول إن عهد الاستعمار قد ولى وهذا زمن الحرية والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان. الاستعمار خرج من الباب لكنه دخل من الباب الخلفي للبيت الإسلامي، حتى أنه لم يخرج من الباب إلا بعد أن زرع في الصف الإسلامي ذئابه التي كانت خير خلف له في إعادة اجترار تجربة الاستعمار بطرق أخرى أشد فتكا. مع ذلك لا نقعد حالمين متمنين على الله الأماني ونسب الغرب ونلومه ليل نهار. أكبر عائق هو فهمنا نحن للإسلام الذي أراده الله رسالة عالمية، إنه لواجب علينا أن ندرك هذا جيداً وندرك معنى كينونتنا الإسلامية وانتسابنا إلى دين يستحق أن نتمثله بالشكل الذي يليق به.

   أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعائم الدولة على أساس عقد البيعة، روحه الشورى وإقامة العدل. وبُني المجتمع على أساس المرحلية والتدرج. لما توفي صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة من بعده، فما بال الحكام اليوم يرثون الحكم؟ الشورى والحكم الفردي ماء وزيت لا يلتقيان أبدا. لم يحسم صلى الله عليه وسلم لأنه يدري أنه ترك أمة راشدة لا تجتمع على ضلال. لكن، عبر قرون طويلة، ألف المسلمون بشكل لاشعوري نظام الحكم الجبري والعاض الذي قتل فيهم المبادرة وقتل التفكير والعقل وقتل الشورى والعدل والروح الجماعية. أصبح الشعب لا يستطيع أن يعيش بدون الحاكم المقدس المبجل الذي يحكم للأبد ليرثه ابنه بعد ذلك. إنه التفرد المطلق بالحكم الذي بدأ من المستنقع الأموي. كان الحكم الاستبدادي المنبع الخالص لكل الصدمات التي ألمت بالأمة. لطالما استغلت الرسالة لمآرب شخصية ولتبرير الظلم فما أحوج المسلمين إلى قراءة تاريخهم قراءة منهاجية وتحديد المنزلقات التي أوقفت تاريخ المسلمين عند نهاية الخلافة الراشدة. هذه الرؤية المنهاجية تقتضي الوقوف على الحكم باعتباره أول عروة انتقضت ولأنه منبع كل خير وكل شر، به تستقيم كل الأمور وبه تفسد.

   إصلاح الحكم وإعادة الخلافة على المنهاج النبوي ليس نموذجا مستحيلا ولا حكما فاضلا بالمعنى الأفلاطوني. التجربة الراشدة كانت أولا وأخيرا تجربة إنسانية وواقعية محضة ولم تكن نبوية أو ملائكية. لكن الحكم الاستبدادي اليوم تفنن في تكوين صورة نمطية لدى عامة المسلمين ترسم الحكم الراشدي على أنه كان مقدسا، أما الآن فالواقع تغير والمسلمون بحاجة إلى حكم إنساني وواقعي. لقد نجح الحكم الاستبدادي في التطبيع مع الوعي الجماعي للأمة وأصبح يحكم باسم الخلافة أو الإمارة رغم أنه أولى أن يُسأل حول شرعيته أولا.

   مظهر آخر من مظاهر الانحطاط: انحطاط المرأة. تلك المرأة التي كرمها الإسلام وجعلها فاعلا مهما في تاريخ الإسلام ولبنة مهمة في بناء المجتمع تحولت إلى أحد نقيضين: مجرد شيء وببغاء يتغنى بالحرية الزائدة والميوعة أو كائن متزمت ممنوع من كل شيء إلا الذهاب إلى بيت الزوجية ومنه إلى القبر. المرأة كانت في الجاهلية موءودة في الرمال والآن موءودة في الرذيلة. لقد كان حض المرأة في بناء المجتمع الإسلامي كبيرا في عهد النبوة الذي قطع مع عهد الوأد والرذيلة. طبيعي إذن أن يواكب الانكسار التاريخي للأمة انكسار أنثوي بدأ بتأويل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بشكل ضيق ومتحجر فقيدت المرأة مرة أخرى إلى حقبة الاسترقاق والغيرة الزائدة المريضة. هذه هي فتنة النساء التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتنة أن نحصر دور المرأة المسلمة في المتعة والتفريخ. فتنة أن نتجاهل الدور الحاسم للمرأة في البناء والدعوة.

الخاتـمة   إذا كانت رسالة الإسلام بهذه العظمة، فما الذي يحول بينها وبين العالمين؟ كيف نقنع الحداثة أنها حمقاء معطوبة قاتلة للإنسان؟ كيف نقنع الحداثة أن هناك حياة بعد الموت؟ كيف نقنع الحداثة أن أهم حق من حقوق الإنسان أن يعرف خالقه ومغزى وجوده ومصيره؟ من سيقنع الحداثة: أهو المسلم المفقر المجهل؟ أم أتقياء البلاط الذين لا هم لهم سوى إقناع الناس بما يستحيل الاقتناع به؟ أم هم الإسلاميون المستخرَفون والمُقْصَوْنَ؟

   إن انتقاد الحداثة ليس معناه التصادم معها، بل تحذير من المنزلق الذي تقود الإنسان إليه. أما الإسلام فهو رسالة كونية خالدة، رسالة أكبر بكثير من أن يزيلها أي شيء، ولعل الحداثة هي آخر الخصوم. وسيكون من حسن حظ هذه الحداثة أن تنفتح على الإسلام فهو الوحيد القادر على أنسنتها وإرجاعها إلى رشدها.

والحمد لله رب العالمين.