سؤال:

   من خلال ما ينشره الآخرون عن موقف جماعة العدل والإحسان تجد من ينسب إليها رفض الديمقراطية ومن يرى غبشا في الموقف منها. فما هو الموقف الصحيح منها؟

جواب:

   بسم الله الرحمن الرحيم.

   دعني بداية أقف مع مسألة تعامل الآخر مع الجماعة في مجمل مواقفها وقضاياها، فنجد، يا للأسف، أن عددا من هذا الآخر ينظر للجماعة نظرة تحاملية تنطلق من أحكام مسبقة جاهزة. ولهذا تجدهم لا يترددون في أن ينسبوا للجماعة كل ما يخدم تحاملهم عليها، مع التنبيه على أن عددا آخر من الباحثين والملاحظين يلتزمون نظرة موضوعية للجماعة، وهي قاعدة آخذة في الاتساع داخل المغرب وخارجه.

   إذا لا غرابة أن نجد البعض ينسب للجماعة موقف الرفض المطلق للديمقراطية ضدا على الرؤية الحقيقية للجماعة المبثوثة في عدد من مصادرها الفكرية وبخاصة كتب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ومنها “الشورى والديمقراطية” و”حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” و”الإسلام والحداثة” و”العدل: الإسلاميون والحكم”.

   الجماعة لها موقف واضح لا غبش فيه من الديمقراطية، فهي باعتبارها تجربة إنسانية، نلتقي معها فيما يتعلق بأساليب وآليات تنظيم الشأن العام من تعددية وانتخابات وفصل للسلط وتداول سلمي على الحكم.أما فلسفة الديمقراطية المبنية على اللائيكية التي لا تنظر إلى الإنسان إلا باعتباره موردا ورقما لا يختلف في شيء عن باقي الموارد المادية فتنزع منه روحه وتنزعه من هويته وكنهه، فهذا ما نرفضه من الديمقراطية لأنه يتجاوز حدود التجربة الإنسانية القابلة للخطإ والصواب إلى التدخل في المجال الديني الروحي الغيبي مما لا مجال فيه للأهواء البشرية ولا للعقل المنقطع عن الوحي.

سؤال:

   ما هي القيم المؤطرة للشورى المخالفة للقيم الديمقراطية؟

جواب:

   بتأكيدي على ما قررته من قبل وهو أننا نحن المسلمين لا مانع في شرعنا من الاستفادة من الديمقراطية وغير الديمقراطية من تجارب إنسانية، فإنه لا مانع لدينا من اقتباس آليات وحكمة وترتيبات وأشكال إدارية ومؤسساتية من الديمقراطية، لكن نفعل ذلك وذواتنا وأرواحنا وعقولنا خالصة لإسلامنا.

   مأخذنا الجوهري على الديمقراطية أنها لا تقترح نفسها آليات فقط إنما حين تتجاوز ذلك وتنصب نفسها دينا يشرع للإنسان حياته الروحية والعاطفية والفكرية، وتقدم له إجابات نراها، انطلاقا من ديننا الإسلام، مجلبة لهلاك الإنسان، إذ أن دين الديمقراطية يسوق الإنسان إلى الموت من غير أن يعرف ما ينتظره بعد الموت وهذا طبيعي في الديمقراطية لأنها ببساطة فكرة بشرية انطلقت من عقول بشرية لا تؤمن بما بعد الموت من بعث ونشور وحساب وعقاب وجنة ونار.

   إذن قيم الشورى تختلف جوهرا عن قيم أو على الأصح أهواء الديمقراطية. قيم الشورى نستخلصها من الآيات الكريمة في سورة الشورى يقول الله تعالى “فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون. والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون”. الشورى بناء يشترك في إقامة صرحه ما هو عقدي وروحي أخلاقي بما هو سياسي واجتماعي وإداري.

   أس الشورى وروحها الدائمة الإيمان بالغيب؛ الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر وبأن الدنيا معبر والموت فاصل والآخرة حياة دائمة دوام نعيم إن كانت الدنيا مجال عمل الصالحات، أو دوام جحيم إن كانت الدنيا عبثا وفجورا. وشأن الديمقراطية أن لا خبر عندها بالغيب إن لم تنكره وتدع إلى نكرانه وتُقيم الحياة على أساس إلغائه من الحسبان.

   من قيم الشورى، الواردة في الآيات الكريمة السابقة، إقامة الفضائل في حياة الفرد والمجتمع وإقامة السلوك الخاص والعام على أساس ما ينبغي من قيم الفطرة الإنسانية السليمة لا ما تشتهي الأنفس المنحرفة. في حين نجد فلسفة الديمقراطية تقوم على إطلاق كل النوازع والنوازغ وتدخل ذلك ضمن الحرية الفردية، وهكذا نجد أن باسم الديمقراطية تتم اليوم حماية كل أشكال الانحراف والشذوذ.

   من قيم الشورى الاستماع والاستجابة لنداء وأوامر الدين في الشؤون الفردية والعامة. وكما تعلم أن الديمقراطية تضع لهذه القيمة عددا من العناوين القدحية مثل الثيوقراطية واليثوبيا والكهنوت وغيرها ولا تستمع إلا لصوت العقل المنقطع عن السماء الجاهل بحقيقة الإنسان ومصير الإنسان، ولا تستجيب إلا لنزوعات لتأكد الأهواء. وأجل بصرك في العالم الديمقراطي، وسوف ترى مظاهر شتى لا تنسجم مع الطباع السليمة ولا تستسيغها العقول السوية. وما زواج الذكران بعضهم من بعض إلا نموذج من نماذج كثيرة متعددة لضلال العقل الطائش والمنفلت والمتمرد على كل الشرائع السماوية. هذا فضلا عما يتم اليوم باسم الديمقراطية ولنشر الديمقراطية من احتلال لأوطان آمنة وتقتيل لشعوبها ونهب لخيراتها. وما أحداث فلسطين والعراق وأفغانستان… عنا ببعيد.

   ومن قيم الشورى أن القيم المذكورة سابقا من نهي عن الآثام والفواحش وإقامة الصلاة والتوكل على الله واستحضار الموت واليوم الآخر والإنفاق والزكاة والتكافل لا يمكن إقامتها فرديا، كما يدعو إلى ذلك الديمقراطيون المتزلفون للشعوب المسلمة بمقولتهم الممجوجة “الدين علاقة فردية بين الشخص وربه” وإنما السبيل لإقامتها أن يوجد كيان جماعي يحرسها ويرعاها وفضاء عام تنبت فيه وتحيى وتشع،وهذا واضح في آية كريمة أخرى لمن لا يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، يقول الحق سبحانه”قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له”. جوهر الشورى التلقي عن الوحي في كل الأحوال العبادية والمعاملاتية وهذا ما تلغيه الديمقراطية الداعية في أصلها وحقيقتها صراحة إلى إقصاء الدين في البدء عن كل ما هو شأن عام، وفي خطوة تالية، كما نرى في الغرب الديمقراطي، إلغاؤه أيضا من الحياة الفردية بتشجيع كل ما يخربه ويلهي عنه والتضييق على كل ما يدعو إلى الفضائل والأخلاق.

سؤال:

   هناك طروحات تفهم الشورى على أنها ولاية الأمة على نفسها، وهناك من يذهب أن المعنى هو ولاية الفقيه (النموذج الإيراني). فهل تعني سيادة الدعوة على الدولة ولاية رجال الدعوة على الأمة؟

جواب:

   ما كان لهذا السؤال أن يطرح لولا ما يجد من مبررات من واقع المسلمين وتاريخهم حيث الدعوة معزولة مضغوطة محاربة مضطهدة أو مروضة مدجنة من قبل الدولة.

   في عهد النبوة والخلافة الراشدة الأولى لم يكن هذا السؤال مطروحا لما كانت الدعوة والدولة قضية واحدة حيث كان من مقتضيات نشر الدعوة وسيادتها أن ينتظم المسلمون في كل أمورهم العبادية والمعاملاتية والمعاشية والجهادية حول مطاع واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدون الذين كانت تجتمع في أشخاصهم الكريمة هموم الدعوة والدولة.

   ولم يكن في فقه يومئذ فصل بين الدنيوي والديني، إنما نشأ هذا الفصل، وهو ما اقتضى سؤالك، لما طغت الدولة وأقصت الدعوة، ولما سادت الدنيا وهمشت الدين. وازداد السؤال إلحاحا لما جاء حكام السيف وتسلطوا على رقاب الأمة باسم الخلافة وباسم الدين وولوا أنفسهم على الأمة ببيعة الإكراه. مطلبنا أن تعود الأمور إلى نصابها من البيعة إلى المبايعة، ومن التولية إلى الولاية؛ مبايعة متبادلة تلزم بنودها الطرفين مبنية على المشاركة الفاعلة وتعقبها المساءلة الملزمة. وولاية تفاعلية رضائية تكون قاعدة عاطفية إيمانية تبنى عليها الضوابط القانونية والدستورية، نقرأ هذا المعنى في قوله تعالى “والمومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويوتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، أولائك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم”. والولاية كما في أصلها اللغوي تشمل معاني المحبة والقرب والنصرة والتدبير والفعل والقدرة والصداقة والاعتقاد.

   هذه المعاني هي الأساس في عصمة المجتمع الإسلامي من الاستبداد سواء من الدولة أو باسم الدين، وهي الروح التي تحكم وتوجه عملية اختيار رجال الدعوة والدولة وطبيعة العلاقة بينهم وبين الأمة.

سؤال:

   ما هو مفهوم سيادة مؤسسات الدعوة ورجالها على مؤسسات الدولة ورجالها الوارد في المنهاج النبوي؟ ألا نخاف من تحول الأمر إلى استبداد يعيد إنتاج الدولة السلطانية سيئة الذكر في تاريخ المسلمين؟

جواب:

   إن مسـألة ثنائية الدعوة والدولة مطروحة بحدة اليوم وستبقى كذلك في المستقبل على أمل قيام حوار جاد وبناء بين مكونات الأمة الصادقة لإيجاد الصيغة الملائمة لرأب الصدع بين هذين الكيانين العظيمين: الدعوة والدولة.

    وكلنا يعرف حجم التوتر والتنافر بين الدعوة والدولة عبر تاريخ المسلمين باستثناء عهد النبوة والخلافة الراشدة الأولى. لذلك تجد أن من أكبر اهتماماتنا الفكرية والعملية ضرورة إعادة بناء العلاقة بينهما وتقنينها. ونحن نحسب أن أمام هذا المشروع عقبات وتحديات كبرى في النفسيات والعقليات، لكن نعتقد أن الحوار البناء الهادئ طويل النفس قمين بأن يحل هذه الإشكالية بالجواب القبلي عن عدة أسئلة تأسيسية تأهيلية مثل: مفهوم الدين ومفهوم السياسة والعلاقة بينهما، مصدر السلطة لدى كل من الدعوة والدولة ومنبع مشروعيتهما، لنخلص إلى الجواب عن طبيعة العلاقة بين الدعوة والدولة هل هي علاقة تبعية الدولة للدعوة وكيفية هذه التبعية وحدودها وشكلها وما هي الضمانات لتجنب مزلق الاستبداد كما فعل ملوك العض والجبر في التاريخ الإسلامي، أو كما هو النموذج الكنيسي في القرون الوسطى في الغرب، أم تبنى فصل السلطتين.

   هذه كلها أسئلة للحوار والميثاق مهمة الإجابة التفصيلية عنها، وأعطي هنا خطوطا عامة لرؤيتنا للمسألة:

   الدعوة في تصورنا هي ذلك الكيان الجماعي الذي ينتظم المؤمنين حاملي رسالة الإسلام والذين تأهلوا لهذه الوظيفة من خلال مشوار تربوي على الإيمان والإحسان، ووظيفتهم الحالية والمرتقبة هي القيام على تربية أجيال الأمة.

   أما الدولة فهي الكيان الذي ينتظم ذوي الخبرة والاختصاص من المؤمنين والمسلمين لتدبير الشأن العام وتوفير شروط الدولة العادلة.

   والعلاقة بين الكيانين ينبغي أن تكون كما كانت في عهد النبوة والخلافة الراشدة الأولى علاقة تكاملية تكامل التربية مع السياسة والأخلاق مع القانون والالتزام مع الإلزام.

   أما ضمانات عدم السقوط في النماذج التاريخية الاستبدادية فأظنها أربعا:

   1- الابتعاد برجال الدعوة ومؤسساتها عن الجهاز التنفيذي الذي ينبغي أن يبقى من اختصاص الدولة.

   2- أن تكون للسلطة التشريعية مسؤولية مشتركة بين الدعوة والدولة

   3- أن يكون للدعوة سلطة التوجيه التربوي والأخلاقي والرقابة القانونية العليا على الدولة.

   4- أن يتوفر جهاز قضائي مستقل وقوي ومؤسس يخضع له الجميع.

سؤال:

   من القيم الإيجابية للديمقراطية الانتخاب الحر، التداول السلمي على السلطة، فصل السلط، حرية الرأي والتعبير والتجمع، دولة القانون والمؤسسات… فهل للشورى في نظركم نصيب من هذه القيم؟ (مع العلم أن التجربة التاريخية لدولة الشورى والعدل لم تتبلور بالشكل المطلوب لإجهاض هذه التجربة مبكرا من قبل حكم السيف القبلي).

جواب:

   وأنا أقول إن نموذج دولة الشورى والعدل قد تبلور في روحه وجوهره بالشكل الكافي في العهد النبوي والخلافة الراشدة الأولى. قلت في روحه وجوهره لأن الشورى لم تتخذ آنئذ شكلا مؤسسيا نظرا لبساطة الحياة وعفة الناس وتقواهم وشجاعتهم في أن يقفوا في وجه أي حيف أو استبداد. وقلت ذلك اقتناعا بأن الله عز وجل لم يتعبدنا بشكل من أشكال الشورى ولا ألزمنا بمطابقة حياتنا لحياة جيل غير جيلنا. إنما أوحى سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالأسس الأخلاقية الإيمانية التي لا قوام للشورى بدونها وترك الشكل والتنظيم لاجتهادنا.

   أما ما ذكرت من آليات فنجد لها ولغيرها أصولا في ديننا. فمما له أصل أصيل من شرعنا أن يرتبط الحكام والمحكومون بعقد ليتصرف الناس على علم بما لكل وما عليه.

   مما تلتقي فيه الشورى مع الديمقراطية كراهية البغي ومقاومة الظلم والظالمين وتحرير الناس من العبودية والخنوع للناس وأن لا تكون علاقة الناس بالحكام علاقة تبعية ساكتة خانعة بليدة بل ينبغي أن تكون حرة أبية.

   ومن المزايا المشتركة أيضا سيادة الشعب بحريته في اختيار الحكام أو نزع الثقة منهم، والتعددية والتداول على السلطة.

   نلتقي مع الديمقراطية أيضا في حكمة الدستور وفصل السلط حتى لا يكون المرجع، كما هو سائد في بلاد المسلمين، هوى الحاكم ومزاجه وإرادته.

   من الشورى وجود دستور وقانون ينظم العلاقات ويرتب الجزاءات، ومن الشورى وجود هيئة تشريعية لسن القوانين ومراقبة السلطة التنفيذية، ومنها ضرورة قضاء مستقل يحكم بقانون معروف لا يحابي أحدا.

   هذه كلها آليات وحكم وشكليات، إن جردناها من فلسفة الديمقراطية، لا يمكن أن يجادل فيها عاقل.

سؤال:

   تقوم الديمقراطية على الانتخابات على أساس صوت لكل مواطن، هل ترتكز الشورى على نفس الأساس؟ فهل ينتخب رجال الدعوة ورجال الدولة في دولة الإسلام بنفس الطريقة؟

جواب:

   يبقى الانتخاب، إلى حد الآن، أحسن أسلوب لتحقيق إرادة وحرية الاختيار التي نعتبرها جوهرية في سلامة علاقات المسؤولية السياسية باستثناء المسؤوليات التخصصية مثل التربية والتقانة وغيرها من مجالات الخبرة.

   أما شكل الانتخاب هل هو فردي أو لائحي مباشر أو غير مباشر، مطلق أو نسبي، فهي أشكال، وغيرها مما يمكن أن يستجد في المستقبل، خاضعة للتطور وللتقدير حسب مقتضيات الزمان والمكان والملابسات إذا ما راعت جوهر العملية الانتخابية وهو حرية الاختيار.

سؤال:

   ما هي خصائص أهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية، وهل يحتفظ بهذا المفهوم أصلا؟

جواب:

   هذا المفهوم، بالشكل المعروف به تاريخيا، ظهر في وقت كانت فيه الدولة بسيطة في شكلها ومتطلباتها. وقد أسس لتحقيق المرجعية في عملية الشورى، وهو مضمون لا أعتقد أنه يمكن الاختلاف حوله. لكن شكله وتركيبته وقوانينه لابد من مراجعتها وتطويرها لتستجيب لحاجيات الدولة الحديثة ذات المؤسسات معقدة التركيب ومتشابكة المطالب والقضايا.

سؤال:

   تفتخر الديمقراطية بأنها تؤسس لدولة المؤسسات وفصل السلط، فهل دولة الشورى دولة مؤسسات ؟ وهل يتحقق الفصل بين سلط الدعوة وسلط الدولة؟ وإلى من سيتم الاحتكام عند نشوب النزاع؟

جواب:

   المأسسة ضرورة يقتضيها التدبير الإداري المرتب والبناء وهي العاصمة من الفردية المطلقة ومن الفوضى العارمة. والواقع اليوم بتعقيداته أحوج ما يكون لعمل المؤسسات حتى يحسن توظيف الطاقات وإشراكها وحتى نتجاوز مصيبة الحكم العاض والجبري المبنية فقط على إرادة القائد الملهم وأوامره وتعليماته وخوارقه.إن أردنا لأمتنا النماء والتطور والمنافسة في نادي الأقوياء لا بد من المؤسسات.

   أما وجود السلط الثلاث المتعارف عليها وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية وإحكام مجالات التكامل والفصل بينها فهو ما نتشبث به لأنه المجير، بعد الله تعالى، من تركز كل السلط في يد واحدة كما هو حال الحكم المسمى إسلاميا اليوم.

   أما العلاقة بين سلطتي الدعوة والدولة فينبغي أن تقوم وفق أسلوب يحقق التكامل بينهما والتوازن الذي يمنع الفصام النكد المتمثل في إقصاء الإسلام عن الحكم وكافة مجالات الحياة والوصال الأنكد المتمثل في الحكم العاض والجبري الذي يتسلط على الناس بالقهر باسم الدين. فالدعوة وظيفتها سيادية وتربوية وتوجيهية، وأما وظيفة الدولة فهي إدارية متخصصة في رعاية المصالح الدنيوية والتدبير اليومي الاقتصادي والسياسي والإداري وما إلى ذلك. فإذا اتضحت الوظائف فإنه لا مجال للتنازع إلا أن تحاول الواحدة السطو على وظائف الأخرى.

سؤال:

   تشيع دولة الديمقراطية ومؤسساتها قيم المواطنة وحقوق الإنسان وحرية الرأي والمعتقد… ودولة الشورى تقوم على أساس رفض الإلحاد وإشاعة الروح الإيمانية، ورفض الإباحية والدعارة، وإشاعة الأخلاق الإسلامية. فهل يعني أن دولة الشورى تصادر حرية الاعتقاد والتعبير والسلوك؟ وما الموقف من التنظيمات المنتصرة للقيم اللائيكية الكونية؟

جواب:

   أظن أنك قصدت من استعمال فعل أشاع معنى النشر، لكني أفهم منه اليوم معناه الآخر وهو الإشاعة بما تحمله من معاني الاختلاق والافتراء والكذب. كان الديمقراطيون يتبجحون بكل ما ذكرته في سؤالك من قيم لكن نجدهم اليوم، أمام أول اختبار، ينقلبون عليها؛ فأين المواطنة مما يرتكب في حق المهاجرين إلى دولهم من تمييز؟ وأين حقوق الإنسان و حرية الرأي والمعتقد والإسلام يحارب في عقر داره بغزاوتهم المتتالية، وفي ديارهم بالتضييق على كل ما يرمز للإسلام من مساجد وحجاب… بل أين هذه القيم حتى فيما بين أبناء الديمقراطية أنفسهم وها أنت ترى الأوضاع تنفجر في عدد من بلدان الغرب بسبب التمييز العنصري والتفاوت الاجتماعي الفاحش وسيادة معتقد واحد هو معتقد الانحلال والجشع، إلى غير ذلك من مظاهر تنذر بانفجارات أعظم وأعمق.

   أما الأصل في تلك القيم، والتي نعدها نبيلة، فأصيل في ديننا وتصورنا وفي تجربة الدولة الإسلامية الأولى. ديننا يراعي حقوق الإنسان وأول حق للإنسان أن يعرف خالقه سبحانه وتعالى. مجتمع الشورى في وسعه، وقد كان ذلك كذلك في دولة الإسلام الأولى في أرقى صوره، أن يتعايش كل الناس كيفما كان معتقدهم أو فكرهم أو وضعهم الاجتماعي أو جنسهم أو لونهم أو لغتهم، شرط أن لا يحاربوا الدولة بالعنف. شعارنا في ذلك قوله تعالى “قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين” وقوله سبحانه “ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة”. والحمد لله رب العالمين.