سؤال:

   هل يعتبر تحذير البنك الدولي بإمكانية حدوث انفجار اجتماعي يتماشى وتحليلكم للوضع الاجتماعي والاقتصادي؟

جواب:

   بسم الله الرحمن الرحيم. في البداية أشكر جريدة المشعل. أما عن سؤالك فحسب نظرة البنك الدولي، فإن ضعف نسبة النمو، والارتهان إلى معدل تساقط الأمطار غير المستقر، والعجز المستمر في الميزانية، وارتفاع نسب الأمية والبطالة والفقر، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، وضعف القدرة التنافسية خاصة أمام الاكتساح الصيني، وعدم تنويع الإنتاج… هذه المؤشرات وغيرها تهدد باختلالات واضطرابات.

   وأعتقد أن كل مهتم متتبع لما يعرفه المغرب من ركود على كل المستويات لم يكن في حاجة إلى تقرير البنك الدولي ليقتنع فعلا بأن المغرب مهدد بانفجار اجتماعي، هذا ما كنا نحذر منه في جماعة العدل والإحسان باستمرار، ولازلنا، لاقتناعنا أن السياسات الترقيعية التجزيئية لن توصلنا إلا إلى الباب المسدود.

   وأعتقد أن ارتفاع نسب الجرائم والسرقة والتسول ما هو إلا فتيل لهذا الانفجار، يمكن أن يشتعل في أي لحظة، وإذا ما اشتعل فإنه سيذهب، لا قدر الله، بالأخضر واليابس. بل إن ما عرفته بعض المناطق كخريبكة وقبائل آيت سكوكو بمريرت وآيت أورير مقدمات لتلك الاضطرابات التي حذر منها البنك الدولي. والغريب حقا أن تستمر الدولة مع كل ذلك في تفضيل الأساليب الأمنية المحضة، غير مكترثة بما حدث وما يمكن أن يحدث.

سؤال:

   وصف التقرير إشكالية النمو الاقتصادي المغربي باللغز على اعتبار أن المغرب يتوفر على مؤهلات تجعله يعيش وضعية أحسن؟ ما هو في نظركم هذا اللغز؟

جواب:

   لا أظن أن هناك لغزا بل المسألة واضحة وضوح الشمس في منتصف النهار. وسأبين كيف ذلك، فالمغرب كما يعرف ذلك الجميع غني بموارده المادية والطبيعية، وغني أيضا بالكثير من الأطر الكفأة والأمينة في شتى المجالات، والتي هي في غالب الأحيان مهمشة أو محاصرة بالمحيط الفاسد أو محرومة من وسائل العمل. غنى المغرب هذا بموارده وأطره كان يفرض أن يكون المغرب في حال أفضل بكثير مما هو عليه الآن، لكن شيئا من ذلك لم يحدث إذ نجد أنفسنا دائما أمام أوضاع كارثية.

   بعض الدول كانت في نفس مستوى المغرب خلال الستينات والسبعينات، لننظر أين هي الآن؟ وأين نحن؟ قبل حوالي أربع وعشرين سنة مثلا كان الفارق بين معدل الناتج الداخلي الخام فيما يخص المغرب وجارته إسبانيا من 1 إلى 6، وارتفع هذا الفارق اليوم من 1 إلى 13، في حين نجد خلال نفس الفترة أن هذا الفارق بين مستوى دخل الفرد المكسيكي وجاره الأمريكي قد انتقل من 1 إلى 13 ليصبح من 1 إلى 6 حاليا.

   الأخطر من هذا أن الجمود لا ينتج عنه إلا المزيد من الجمود، والتدهور لا ينتج عنه إلا المزيد من التدهور، وهذا ما أكده التقرير الأخير. وأنت إذا تتبعت أغلب التقارير التي تصدر عن المغرب تلحظين أن هناك تراجعا دائما، ففي تقرير الأمم المتحدة للتنمية الصادر سنة 2003 تراجع المغرب إلى الرتبة 126 في الوقت الذي كان يحتل الرتبة 123 في تقرير 2002 والرتبة 112 في تقرير 2001.

   إن هذه المفارقة الصارخة، في رأيي، بين الإمكانات المادية والبشرية للمغرب وبين مستواه المتدني ترجع إلى سببين اثنين:

   أولا: السياسات التجزيئية الترقيعية التي لا تنطلق من أية اختيارات مجتمعية واضحة، والتي غالبا ما تغيب المصلحة العامة للمغاربة لحساب مصالح الدوائر المتنفذة إما داخليا أو خارجيا.

   ثانيا: وهذا ما سار بحديثه الركبان، الاختلاسات المتوالية التي لم تسلم منها العديد من مؤسسات الدولة. فالقرض العقاري والسياحي اختلست منه 8 ملايير درهم، والقرض الفلاحي 846 مليون درهم، والبنك الشعبي 30 مليون درهم، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي 115 مليار درهم، والمكتب الشريف للفوسفاط 10 مليارات درهم، وكوماناف 400 مليون درهم، والمكتب الوطني للنقل 20 مليون درهم، بالإضافة إلى مبالغ ضخمة أخرى نهبت من مؤسسات في مختلف المجالات… ونترك لخبراء الاقتصاد جمع هذه الأرقام لنعرف كم كانت ستحدث من منصب للشغل؟ وكم كانت ستعلم من جاهل؟

سؤال:

   يعتمد تقرير البنك الدولي على حلول اجتماعية تتطلب موارد مالية هامة لتفعيلها، كيف يمكن للاقتصاد المغربي أن يضمن بصفة مستديمة تمويل مثل هذه السياسات؟

جواب:

   في البداية أركز على شيء في غاية الأهمية ألا وهو ضرورة التعامل مع تقارير البنك الدولي بنوع من الحذر والانتباه. فالمؤسسات المالية الدولية، سواء البنك الدولي، أو صندوق النقد الدولي، أو المنظمة الدولية للتجارة، تحكمها مقاربات معينة، وتحدد سياساتها واستراتيجياتها أهداف محددة، ولعل من أبرز هذه الأهداف تكريس تبعية الدول الضعيفة للدول القوية. تلك التقارير قد تكون صائبة أحيانا في تشخيص الوضع وتحديد بعض الإجراءات الملائمة، لكنها تكون دائما محكومة بسياق عام يجعل للحلول المقترحة أثرا سلبيا أكثر منه إيجابيا، ولعل في تجربة المغرب ما يوضح ذلك، فمنذ بداية الثمانينات والدولة المغربية تسعى لتطبيق توصيات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، فماذا كانت النتيجة؟

   وأظن أنه لحل معضلة التمويل لابد من مبادرة تاريخية من مثل تلك التي اقترحها الأستاذ عبد السلام ياسين على ملك المغرب في “مذكرة إلى من يهمه الأمر”.

   من شأن تلك المبادرة أن تعيد الثقة للمغاربة، وأن تكرس روح التضامن بينهم، وأن تشجع الاستثمار، وأن تحد من الاختلاس والنهب، وأن تساهم في إخراجنا من بوثقة الديون وفوائد الديون، وأن تحررنا من المساعدات المالية المشروطة…

   المغاربة يحتاجون من أجل تحمل المسؤولية والمساهمة في بناء المستقبل إلى النموذج والقدوة وليس إلى الخطابات والشعارات المنمقة.

   لكن يبدو والله أعلم أن الاستجابة لتلك المبادرة ودخول التاريخ من أبوابه المشرفة ليس سهل المنال.

سؤال:

   للخروج من الوضع الكارثي الذي يعيشه المغرب اقترح البنك الدولي مجموعة من السياسات المحددة: وجود قيادة سياسية من مستوى عالي، اتخاذ مجموعة من التدابير على المستوى القصير، منها إصلاح ماليات تخفيض الثقل الضريبي على الشركات، الحفاظ على مستوى ثابت للأجور الدنيا، تبسيط الضريبة على القيمة المضافة، تخفيض الرسوم الجمركية وغير الجمركية. هل في نظركم اقتراحات البنك الدولي تتماشى والوضع الراهن؟ أم تقترحون اقتراحات أخرى؟ وما هي؟

جواب:

   هذه التدابير على المدى القصير، كلها تدابير مالية الهدف منها الحفاظ على توازنات مالية دون اعتبار للمسألة الاجتماعية. فماذا يعني مثلا الحفاظ على مستوى ثابت للأجور الدنيا، في الوقت الذي تعرف فيه تكاليف المعيشة ازديادا مطّردا؟ ألم يحن الأوان لنتحدث في المغرب مثلا عن (SMIC) وليس (SMIG) بحيث تتماشى الأجور مع الزيادة في الأسعار والتنامي في الحاجات الاستهلاكية.

   قلت سابقا أن مقترحات البنك الدولي ينبغي أن نتعامل معها بنوع من اليقظة والانتباه. ولمزيد من التوضيح أقول أن البنك الدولي وضع في أخر السنة الماضية استراتيجية للتعاون مع المغرب، تمتد من 2005 إلى 2009، ترمي هذه الاستراتيجية إلى تحقيق أربعة أهداف:

   – أولا: تحسين التنافسية ومناخ الاستثمار، وذلك بالحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية، بالإبقاء على عجز الميزانية في 3% من الناتج الداخلي الخام. والتضخم في 2,5 في المائة..

   – ثانيا: تحسين عيش الفقراء والمهددين بالفقر، بالخفض من دور الصفيح بنسبة 60 في المائة، وتحسين ولوج الخدمات الأساسية، والبرامج الاجتماعية..

   – ثالثا: النهوض بإدارة المياه، وتحسين ولوج خدماتها، وخدمات التطهير..

   – رابعا: تحسين فعالية النظام التربوي بالمغرب..

   الكثير مما ورد في هذه الأهداف لا يمكن إلا أن نثمنه، لكن لا ينبغي أن يغيب عنا أن البنك الدولي يربط هذه الاستراتيجية ببرنامج قروض مرنة تتراوح ما بين 250 و350 مليون دولار سنويا، مما يعني المزيد من إثقال كاهل المغرب بالمديونية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ينبغي أن نذكر جيدا أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها البنك الدولي عن هذه الأهداف. ففيما يرتبط بالنظام التربوي مثلا فقد سبق للبنك الدولي في تقريره الشهير لسنة 1995 أن وضع توصيات صارمة، لا تهم فقط مضمون الإصلاح ولكن أيضا طريقة تدبيره، وقد طبق المغرب بالحرف تلك التوصيات، وكانت النتيجة أنه الآن، وبعد سبع سنوات من وضع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، يوصي البنك من جديد بتحسين فعالية النظام التربوي بالمغرب.

   ماذا يفهم من هذا؟ أنا أفهم بأن الحلول لخروج المغرب من أزمته أكبر من أن تكون وصفات جاهزة يسوقها البنك الدولي، وأكبر من أن تكون مقاربات ترمي إلى الحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية.

   أصل المشكل في هذا البلد، وينبغي أن نكون واضحين وصُرحاء، هي أن الدولة المغربية بعد الاستقلال لم تتأسس بإرادة جماعية مجسدة في رؤية واختيارات واضحة، وإنما تأسست بإرادة منفردة مستبدة. وكل ما يزرع على أرضية الاستبداد لا طائل منه. فكم أنشئت من مؤسسات؟ وكم أجريت من انتخابات؟ وكم وضع من دستور؟ وكم أنجزت من تقارير؟ وكم صيغت من قوانين؟ وكم أطلقت من مبادرات؟ لكن ما هي النتيجة؟ النتيجة هي ما تحدثنا عنه آنفا لأننا بنينا على غير أساس وابتدأنا الطريق بخطوة خاطئة.

   مقترحنا في جماعة العدل والإحسان يبتديء بالحسم مع الاستبداد، ولا حسم مع الاستبداد إلا بإرادة جماعية والانطلاق من اختيارات واضحة، وتضافر الجهود، ومشاركة عامة المغاربة. هذا ما نتوخاه حين نقترح الميثاق الإسلامي.

   وحين تكون الأرضية صالحة فلنتحدث آنذاك عن الدستور والانتخابات والحكومة والبرلمان والقانون والقضاء والإدارة والإصلاح الضريبي والتعليم والثقافة والفن والمقاولة.

   وأقول لك من موقع المطلع عن قرب أن جماعة العدل والإحسان جاهزة للمساهمة بمقترحاتها في هذه القضايا وغيرها، لكننا نريد أن نبني على أساس، لأن ما لا أساس له مهدوم إن عاجلا أو آجلا.

سؤال:

   هل الخوصصة التي نهجها المغرب والتي أقر من خلالها البنك الدولي أن الاقتصاد الوطني لم يستفد منها، مع العلم أنكم كنتم ضد الخوصصة أصلا. ما هو الحل في نظركم؟

جواب:

   البنك الدولي هو من أوصى بالخوصصة وهو من يقرر الآن بأن المغرب لم يستفد منها. هذا يؤكد ما قلته سابقا. وبغض النظر عن الموقف منها فإن الخوصصة، وكما تشهد بذلك تقارير عدة، طبقت بطرق مشبوهة. ففندق حياة ريجنسي مثلا تمت خوصصته ب18 مليار درهم في الوقت الذي كانت تساوي قيمته الحقيقية 27 مليار درهم أي بفارق 9 مليار درهم، ومعمل ايكوز تم تفويته بدرهم رمزي في الوقت الذي كان قد كلف ميزانية الدولة40 مليار درهم علاوة على أنه عند تفويته كان به مخزون يقدر ب 9 مليار سنتيم، وتمت خوصصة لاسامير بتفويتها لشركة سعودية ب300 مليون دولار فقط في الوقت الذي قدرت قيمتها ب2 مليار دولار، أما صفقة فيفاندي، التي بشروا بها كثيرا، فإنها لم تحترم أبسط الشروط القانونية وفي مقدمتها شرط التنافسية الذي كان غائبا، حيث تم تفويت 35% من رأسمال الشركة بمبلغ 2.3مليار دولار فقط، في حين أن دراسات وزارة الخوصصة قدرت المبلغ المستحق آنذاك من 4 إلى 5مليار دولار، وقدرته بعض الشركات الدولية بحوالي 10 مليار دولار وهو ما صرح به مدير الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات آنذاك. هذا في الوقت الذي يتم فيه تحويل “الدوزيم” من قناة خاصة إلى قناة عمومية بمجرد إفلاسها ويتم ضخ أموال ضخمة من المال العام لإنقاذها من الإفلاس، وإذا علمنا من كانوا يساهمون في رأسمال “الدوزيم” علمنا لماذا كل هذا.إنها المصالح الشخصية والمحسوبية والرشاوي. إنها أموال الشعب يتم التلاعب بها دون خجل أو وجل.

   والحل في نظري هو ما قلته سابقا. وأضيف على من يمارسوا السياسة من داخل اللعبة السياسية أن يتقوا الله في هذا الشعب، فقد أصبحنا نشهد نخبا من مختلف التوجهات تتخلى عن مبادئها بكل بساطة تحت مبررات واهية من قبل الواقعية أو غيرها، وأصبح بعض الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا يتبنون قضايا المغاربة ولا يدافعون عنهم وإنما يدافعون عن النظام السياسي،أو بالأحرى يدافعون عن مصالحهم التي تكون مضمونة بقدر تزلفهم للمخزن.أسألك مثلا من من البرلمانيين بمختلف فرقهم يمكن أن يقوم بما قام به مؤخرا«جاك لاسال» العضو في الجمعية الوطنية الفرنسية، حيث قام بإضراب عن الطعام احتجاجا على إغلاق مصنع ياباني في دائرته الانتخابية،واعتصم بمقر البرلمان إلى أن تدخل «نيكولا ساركوزي» وتم الحصول على قرار من المصنع الياباني يقضي بالعدول عن الإغلاق وبالتالي عدم تسريح عمال فرنسيين؟ من من البرلمانيين قام بمثل هذا؟ في الوقت الذي يعرف فيه المغرب تسريحات بالجملة للعمال.