عباس رجل مسن طاعن في السن، أقعده المرض لسنوات حتى أصبح لا يغادر بيته المتواضع إلا نادرا. كاد يفقد أمله في الامتثال للشفاء لكثرة ما تردد على المصحات والمستشفيات العمومية. بلغ من النحافة ما يجعل الناظر إليه يتقزز من بروز عظامه وانحسار خدوده، قفصه الصدري كأنه هيكل عظمي كُسِي غِشاءً نحيفا لا يكاد يذكر، أما وجهه فكان أشحب بحيث يعتقد من يراه أنه جثة تمشي الهوينى.

   خسر الشيخ الهرم كل ما يملك في محاولة التخلص من دائه، خسر كل ما ورثه عن أبيه التاجر، خسر نصيب الزوجة في إرثها من أمها. لم يبق له إذا إلا راتبه الدوري الذي لا يكاد يفي باحتياجات الأسرة المتزايدة. كان بإمكانه أن يعافى ولكنه لا يملك المبلغ الذي طلب منه لإجراء عملية استئصال معوي. قبل بالأمر الواقع على مضض، في انتظار قدوم فرج إن شاء المولى!

   صحا في الصباح الباكر على دقات خفيفة على الباب. نهض ثم فتح فلم يجد أحدا. لكنه رمق رسالة بيضاء اللون تحت رجليه النحيفتين… رجعت به الذاكرة سنوات إلى الوراء، أيام كان كهلا قوي البنية وقد ازدان فراشه بأول مولود ذكر بعد الخمس بنات… عقد عليه الآمال العريضة في مساعدته عندما يتبدل السواد شيبا والقوة ضعفا واليسر عسرا. تذهب البنات إلى بيوت أزواجهن فلا يملكن من أمر الإعانة شيئا! أما الصبي فإنه يكبر ويصبح رجلا يكسب قوتا يستطيع أن يعيل به نفسه وأبويه اللذين سهرا على تربيته وضحيا بالغالي والنفيس من أجل تنشئته! ولم لا وقد أفنيت زهرة شبابي لكي يتابع دراسته ويحصل على الشهادة العليا!

   ومع زفرة حارقة تذكر الأب الدوامة التي عاشها ابنه بحثا عن العمل مدة شهور طوال دون طائل. فكان أن قرر الابن “الحريك”. لم يكن الأب ليوافقه على ما اعتزمه لكن ما باليد حيلة! فعلها رغما عني! ويا ليته ما فعل! ألم يعش تجربة الغربة والتسكع والاختباء كل ليلة في مخبإ غير الذي التجأ إليه من قبل هربا من الشرطة؟ بل ألم يضطر زمنا غير يسير إلى افتراش الأرض والتحاف السماء في أيام قر وبرد بحثا عن الأمان؟ ألم يعمل بأبخس الأجور ويقتت بالفتات حفاظا على مكوثه بالضيعة؟…

   توقف ذهن الرجل عن الاشتغال لحظة.

   توقف شريط الذكريات كأنه بتر أو أصابه تشويش أو عطب. نزلت من مقلتيه عبرات ملتهبة تنبئ بمرارة ما يختلج من مشاعر في صدره… استفاق بعد فترة لا يدري مدتها على كلمات لزوجته. لم يدر ما قالت لكنه بادرها:

   – راه جات واحد البرا من مصطفى!

   – خير وسلامة. آش فيها؟

   – غادي نشوف.

   بلهفة متوجسة وارتعاشة عازمة فتح الغلاف. أخذ في شبه تمتمة يقرأ الرسالة وزوجته اللصيقة به تستحثه أن يشرح لها. غير أنه كان مستغرقا في القراءة. بدأت أسارير وجهه تنشرح وتتفتح، وشرع ثغره يبتسم منبئا بأخبار سارة. غاب لحظة عن الوجود… استفاق في شبه انتفاضة على صيحة زوجته وهي تربت على كتفه الأيمن. وفي نظرة حالمة خاطب زوجه:

   – فرحي، الفرج قريب!

   – الله يفرحك!

   – ولدك دار الوراق وترسم، كا يسلم عليك، وقال غايسيفط شي بركة د الفلوس، وغا يسيفط لي باش نصيّب لوراق حيت امكن لي ندير العملية تما.

   صحت البنات على زغرودة مطولة وهن مذهولات. همست إحداهن بوجود عريس في الأفق، وأومأت الأخرى إلى زيارة قريب عزيز… فخرجن يستقصين الخبر وهن يفركن عيونهن لإزالة أثر النعاس البادي عليها.

   بادرتهن الأم بأسرع من البرق قائلة:

   – فرحو آلبنات، راه خوكوم خدم وصايب لوراق وغايدير العملية لباكم!

   وفي شبه فرقعة اللعب النارية توالت الزغاريد أنواعا وأشكالا، سمعت دقات على الباب شبيهة بالضرب على الدف. فتحت الصغيرة الباب، فإذا بالجارة أم أيمن مقبلة وعلامات البهجة على محياها.حكت لها البنات ما استجد من أخبار خالد فزادت فرحتها لما تعلمه من بؤس هذه العائلة.

   مرت الأيام سراعا والشيخ يتهيأ للسفر. وبعد لَأْيٍ وتعب استطاع إعداد كل أوراقه الإدارية والطبية. لم يكن مطمئنا لهذا السفر، لكن زوجه لم تترك له فرصة للرفض بإلحاحها المتكرر. لحسن حظه أن أحد معارفه القدامى سيرافقه لحصوله على عقد عمل اشتراه ب50.000 درهم.

   قبيل ساعة الصفر استفاق الشيخ في شبه انتفاضة وتناول الفطور، ثم اتجه إلى غرفة البنات ناظرا وكأنه يتأمل في فراغ. اغرورقت عيناه لكنه حبس الدمع في عينيه وقال لزوجته في شبه أمر:

   – خلتك على خير!

   – دخلتك علينا ما اتعوضش بالدنيا، الله معاك!

   هنا انفجر عباس باكيا في حشرجة. رجع خطوات إلى الوراء، عانق أم خالد ثم انسكب نازلا الدرج. أوقف الطاكسي فصعد طالبا محطة القطار.

   وجد رفيقه أحمد بانتظاره. صعدا القطار الذي أقلع بعد دقائق متجها صوب طنجة حيث أقلا باخرة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية ومنها قطارا إلى بحر المانش، حيث ركبا الميترو. وبعد يوم وليلة وصلا إلى لندن. ترك أحمد الشيخ بعد أن دله على طاكسي وعرف السائق مقصد الشيخ. ولحسن حظ هذا الأخير أن السائق كان من أصل مشرقي. بلغت السيارة منزل الابن فنزل عباس وهو جذلان، أبى السائق إلا أن يحمل الحقيبة وألا يغادر صاحبه إلا وقد سلمه إلى ابنه كما وعد. دقا الجرس مرات عديدة دون إجابة.

   فجأة سمع صوت عجلات عدة سيارات وهي تقلع بسرعة ثم تقف فجأة. وما هي إلا ثوان حتى وجدا نفسيهما محاطين بدزينة من الرجال الملثمين، حاملين ألبسة واقية من الرصاص ومدججين بالسلاح. تعالت أصواتهم فرقعات متتالية. طرحا أرضا وفتشا رأسا على عقب وعقبا على رأس مرات متكررة، يصحب ذلك كله عنف لفظي ناهيك عن الوكز المتكرر بفوهات الأسلحة الآلية. مر المشهد في بضع دقائق وكأنها ساعات، كما سمعت طلقات نارية في اتجاهات متعددة.

   وضعت عصابة على عيني كل منهما وحملا إلى سيارة. أحسا بوخز إبرة. ثم ما لبثا أن فقدا الوعي.

   أفاق سائق “الطاكسي” على سطل من الماء المثلج أهرق عليه وهو عريان كما ولدته أمه، ثم سيق بكلب فأخذ يتحرش به. بدأ الاستنطاق. كانت روايته مطابقة للاختبارات التي خضع لها وهو نائم، ولمحاضر رجال الأمن بالمحطة، وإدارة شركة النقل بسيارة الأجرة، حيث يعمل. فما كان إذا إلا أن أطلق سراحه بعد لأي وتأجيل. قيل له ألا يعود إلى حمل أي شخص ملتح أو ذي سحنة شرقية دون أن يعلم الأجهزة المختصة، قيل له كذلك إنه كان يقل أحد الإرهابيين الذين دبروا عملية 11 أيلول، والذين كانوا بصدد التهييء لعملية مماثلة بلندن. لم يرد على الاتهامات. لكن حدسه كان يخبره بأنهم كاذبون.

   كان على علم بحادثة 11 شتنبر التي أودت بآلاف القتلى بنيويورك وواشنطن كما كان على علم بالممارسات اللاقانونية بحق المسلمين بأمريكا وبريطانيا، وبمشاريع القوانين المخلة بالحقوق.

   أول ما فكر به حماد بعد انقشاع الغمة عن قلبه وبدنه أن يتوجه صوب جمعية حقوقية إنجليزية ثم إلى اتحاد المهاجرين العرب بلندن ليطلعهما على الوقائع محاولا بذلك أن يبرئ ذمته من أي تقصير تجاه الشيخ.

   وبعد صعود ونزول وذهاب وإياب استطاع حماد أن يجد الشيخ بإحدى المستشفيات وقد ظهر عليه أثر التعذيب والتنكيل. زادت تقاسيم وجهه وكأنه كبر بعشر سنوات أخرى، كما غارت عيناه والتصقت وجنتاه. علامات الإجهاد والرعب بادية على محياه الذي كسي ألوانا زرقاء وخضراء.

   أما خالد فقد خرج من معتقله السري سالما بعد أن قضى به زهاء الأسبوع. اشتبه في أنه على علاقة بأشخاص من جمعية خيرية إسلامية لهم اتصالات بتنظيم “القاعدة”. لكن ثبت فيما بعد بما لا يدع مجالا للشك بطلان هذه التهمة، وأن “المكالمة الهاتفية من مجهول” التي حذرت من أعضاء الجمعية كانت مغرضة ولا أساس لها من الصحة. أما عن علاقة خالد بالجمعية المذكورة، فكانت مقصورة على المساعدة التي ستقدمها هذه الأخيرة لأبيه قصد إجراء العملية.

   علم حماد بإطلاق سراح خالد، فاتجه إلى بيته ليخبره بمكان وجود أبيه. بدت الريبة في عيني خالد إذ كانت تجربته قاسية في المعتقل السري، والمحنة مؤلمة، وكانت التوصية التي أمر بالتزامها هي اعتزال جميع مكونات المجتمع السياسي والمدني تحت أي ظرف من الظروف، وأنه في حال ثبوت اتصاله بجهة ما -وهو أمر تسهل معرفته- فستتم تصفيته جسديا، وليبحث العالم بأسره عن الفاعل! حادثة سير، انفجار أنبوب غاز بالمنزل، ما أكثر الأسباب والموت واحد And WITHOUT WITNESS !…

   كانت الكأس التي تجرع مرارتها حتى الشبع كافية لتثنيه عن أي احتجاج أو محاولة التظلم حيث إن القاضي هو الخصم والحكم، كل ذلك تحت مظلة وحماية دولية وأممية.

   لكن إصرار حماد كان بالقدر الذي جعل ابن الشيخ يطلب الموافقة من الجهات المعنية لزيارة أبيه. وجاءت الموافقة ومعها التحذير من مغبة كذا وكذا… عرجا على المستشفى واتجها صوب الطابق الخامس الغرفة رقم 507 ولم يجدا أحدا. استفسرا عن الأمر فأخبرا بأن المريض 507 انطفأت شمعته وأن على وصيه أن يدلي بأوراق إثبات لتسلم التقرير الطبي والجثة مع أداء مبلغ 3000 وحدة أوروبية أو ما يعادلها. زلت بخالد القدم محوقلا ومسترجعا، فأسنده رفيقه…

   في الغد نشرت بعض الصحف قصاصة أنباء مصدرها وكالة رويتر مفادها: “توفي بالأمس رجل يناهز السبعين من عمره حط الرحال بلندن ليجري عملية مستعصية في إحدى المستشفيات المتخصصة بالعاصمة، فداهمته عصابة إرهابية سحنة أفرادها عرب مسلمون، فجردته من ماله وأودته طريحا بإحدى الشوارع المهجورة. ولقد تكفلت الدولة بمصاريف تطبيبه، ولكن لسوء الطالع عاجلته المنية ساعات قليلة بعد دخوله المصحة. وتخصص حكومة صاحبة الجلالة مبلغا قدره مليون جنية استرليني لمن أدلى بأية معلومة تعين على القبض على الجناة”.