توظيف الآلات الموسيقية

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

مقدمـة   تقف فرقنا الغنائية اليوم وُسْطَ مفترق للطرق شديد الأهمية. شِدَّةٌ فَرَضَتْهَا طبيعة التحولات الذاتية والموضوعية التي تَضِجُّ بها الساحة وتَعُجّ. ومن هذه التحولات سعيُ الفرقِ الحثيثُ لتوظيف الآلات الموسيقية في إصداراتها وأنشطتها.

   نعم.. الآلات الموسيقية ميزةٌ أخرى يُطْلَبُ إليها أن تزيد الممارسةَ الفنيةَ قوةً والفِرقَ الغنائيةَ إشعاعاً وتأثيراً.. لَوْلاَ.. لَوْلاَ بعض التخوفات:

   أولها- التخوف من أن يتم توظيف الآلات الموسيقية عشوائياً بأسلوب: (“الأناشيد” + الآلات الموسيقية) دون مراعاة المعالجة الفنية الضرورية التي يفرضها هذا التوظيف.

   ثانيها- التخوف من أن تُضطر الفرق الغنائية إلى الاستعانة بعازفين وموزعين موسيقيين من مشارب مختلفة عن مشاربها يوجهون أشرعتها إلى حيث لا تشتهي، دون أن تكون هي قادرة على التحكم في أدوات المعالجة الفنية بما يتفق مع رؤيتها هي وروحها هي وأهدافها هي.

   ثالثها- التخوف من أن تدخل الفرق الغنائية في هذه المرحلة الجديدة وهي لا تزال تعاني من مشكلات “الممارسة الإنشادية” وأعراضها الجانبية.

   رابعاً- التخوف من الأعراض الجانبية لغياب التجربة الموسيقية الحقيقية لدى الفرق الغنائية.

تَخوُّفات ليس حَلاًّ لَهَا سَدُّ الذرائع ووقف روح المبادرة في ذاتِ نفوسِنا، بل مواجَهَتُهَا بواقعيَّةٍ تَحْنُو على العمل الفني وأهلِه، وشَجاعةٍ تستبق المشكلات وتَحْصُرُهَا قبل انفلاتها، وتوجيهٍ يضع معالم الممارسة الفنية على الطريق الصحيح.

تذكير   وقبل مناقشة أساليب توظيف الآلات الموسيقية، لا بد من بعضِ تذكير:

   أ- التمييز بين “الموسيقا” وبين “الآلات الموسيقية”:

   الموسيقا علم وفن ولغة أركانها الصوت والنَّغم والميزان؛ وعلى هذا الأساس فالعزفُ على الآلات الموسيقية والغناءُ والأذانُ والتغنِّي بالقرآن الكريم… كلها تدخل، فنِّـيّاً وعلميّاً، تحت مُسَمَّى “الموسيقا”. أما “الآلات الموسيقية” فهي أدواتٌ نَفْخِيَّةٌ أو وَتَرِيَّةٌ أو نَقْرِيَّةٌ تُصدر بالعزف عليها أنغاماً وأصواتاً ونبراتٍ.

   ب- العقلية الموسيقية:

   العقلية الموسيقية رؤية فكرية واعية توجه العملية الإبداعية وتواكبها فيكون لها بذلك معنى مقصود.

   ولا تعني العقلية الموسيقية توظيف الآلات الموسيقية بالضرورة، بل تعني القدرةَ على بناء المادة الفنية المسموعة بناءً متينَ التركيبِ موسيقيّاً، جَمِيلَ العرض أداءً وتنفيذاً، سديدَ الدّلالة مضموناً، سواءٌ في ذلك حضورُ الآلات الموسيقية وغيابُها.

   فالشيخ مصطفى إسماعيل، بناءً على ما سبق، يُجَوِّدُ القرآن الكريم بعقليةٍ موسيقيةٍ فَذَّة بصوته المفرد، إذ يوظف موهبتَه الصوتيةَ وقدراتِهِ التعبيريةَ ومؤهلاتِه وخبرتَه وتَمَكُّنَهُ من المقامات الموسيقية في حسن التغني بكلام الله جل وعلا تعبيراً وتحبيراً.

   وفي الساحة فِرَقٌ وظَّفت الآلات الموسيقية في بعض إصداراتها ولكن بـ “عقلية إنشادية” هي أَشْبَهُ بإضافة عنصر غَذَائِيٍّ جديد إلى عناصر “الطَّبْخَة” دون إعادة نظر في مقادير عناصرها الأصلية.

   ج- التوزيع الموسيقي:

   التوزيع الموسيقي معالجة فنية جمالية وتعبيرية للمادة الغنائية هدفها إيصال مضمونها في أجمل حُلَّة وأكثرها تعبيراً، مع الحرص على حسن توزيع الأدوار فيما بين أدوات التنفيذ (الأداء الفردي/ الأداء الجماعي/ الآلات الموسيقية، إن كانت/ هندسة الصوت…) دونما إخلالٍ بالمضمون وبالهدف وبالروح.

أربعة اختيارات في التعامل مع التوظيف الموسيقي الآلي   أناقش فيما يلي أربعة اختيارات في التعامل مع توظيف الآلات الموسيقية:

   الاِختيار الأول- عدم توظيف الآلات الموسيقية البتَّة:

   ولهذا الاِختيار خلفيَّات عِدَّة:

   1- خَلْفِيَّةٌ شرعيةٌ ترى حِرْمَةَ توظيف الآلات الموسيقية. وأصحاب هذا الاختيار لا لَوْمَ عليهم ما داموا مقتنعين بِحُجَجهم في الموضوع، وما دام من حقهم عليَّ أن أحترم اختيارهم لأنفسهم وأن أتأدب في الاِختلاف معهم.

   وأظن أن كثيراً من أصحاب هذه الخلفية لن يطول بهم الزمن على اتجاههم. أستند في هذا إلى أن اصطدامَهم المتكررَ بالواقع المرير وانسحابَ البساط من تحت أقدامهم كفيل باستمالتهم إلى إعادة النظر في الأسلوب الْمُتَّـبَع وفي الاِختيار. أقصد بأصحاب هذا الأسلوب وهذا الاِختيار -أساساً- الفرق الخليجية والشامية.

   2- خلفيةٌ تتبنى هذا الأسلوب لأنها تَقْنَعُ بما يحققه لها في التواصل مع جمهور رضي أسلوبَها وارتبطت في آذانه به ولا تريد أن تَخْسَرَ تعاطفه معها؛ والفنان السوري أبو الجود نموذج لهذه الخلفية. على أن موقف رائد “الأنشودة الإسلامية” من الموسيقا يسير في اتجاه الاِعتدال والواقعية رغم ما يبديه من اقتناع باختياره في كثير من نقاشاتنا في الموضوع. ولي عودة لتجربته لاحقاً بإذن الله تعالى…

   3- خلفية تُغَيِّبُ الآلات الموسيقية لا بسبب موقف شرعي ولا تَحَرُّجاً من جمهورها ولكن لأنها تتبنى أسلوباً فنيا يعتمد على محاولة توظيف الصوت البشري صوتاً وآلةً في الآن ذاته.

وكيفما كان الدافع وراء هذا الاختيار فإن النتيجة واحدة؛ وبناءً عليه لا بد أن يتعامل أصحابه مع الصوت البشري بأسلوب يستنفذ كل العناصر الجمالية والتعبيرية فيه لمحاولة سدّ الثغرات التي يُخَلِّفُهَا تَغْيِيب الآلات الموسيقية.

   ويظن البعض أن التعامل مع الصوت البشري أسهل في غياب الآلات الموسيقية، وهذا غير صحيح؛ ذلك أنه يُطْلَبُ إلى الموزع الغنائي أو المشرف الفني أن يكون على إلمام جيد بأنواع الأصوات ومساحةِ كلٍّ منها، وبتقنيات الغناء الجماعي، وأن يكون له خيال موسيقي واسع وأن يحسن العزف على إحدى الآلات الموسيقية. ولهذا لا تجد الأشرطة التي يشرف عليها من لا خبرة له بآلة موسيقية وبأنواع الأصوات “نجاحاً فَـنِّيّاً” يُذْكر.

   وقد درجت الكثير من الفرق الخليجية على إقصاء الآلة الموسيقية، غير أنها تبدو كمن استنفذ كل قُوَاهُ فأضحت تُكَرِّرُ نفسها في كل ما تأتي. فالخلفيات الصوتية التناغمية هِيَ هِيَ في جُلِّ إنتاجاتها، وتوزيع الأدوار بين الأداء الفردي والأداء الجماعي هو هو، وتقنيات الهندسة الصوتية هي هي. وأستثني هنا بعض التجارب الموفَّقة تُعَضِّدُها أصوات وأفكار لحنية جيدة.

   الاِختيار الثاني- مصاحبة آلية للغناء خفيفة:

   وأظن أن الدافع وراء هذا الاِختيار حكمةٌ في مداراة الآذان النافرة من الآلات الموسيقية، ويعتمد على نقرات “الباص” من الأرغ وبعض “الأجوبة” والخلفيات الخفيفة منه. وتكاد كل فرقنا الغنائية تعتمد هذا الاختيار.

   الاِختيار الثالث- توظيف آلة الأُرغ في مصاحبة الغناء:

   يلجأ بعضنا إلى عازفين على الأرغ للإشراف على التنفيذ الموسيقي لإصداراتهم الفنية؛ وقد اعتاد هؤلاء الممارسةَ الفنيةَ في الملاهي الليلية والفنادق وما شابه، وتشبَّعَتْ آذانهم برصيد فني من “الغربي” بألوانه و”الشعبي” بأنواعه و”الشبابي” و”الراي”… مما يُصَعِّبُ عليهم التجاوب مع “روحيَّة” المواد الفنية التي تؤديها فرقنا الغنائية. والنتيجة الحتمية أن تهيمن روح “المعالجة الفنية” لهؤلاء الموسيقيين على روح المضمون فتطمسها طمساً.

   ويدفع إلى هذا الاِختيار قلة التَّكْلُفَة وسرعة التنفيذ وبهرجة آلة الأرغ الساحرة الأقربِ إلى “اللُّعبة” (jouet) منها إلى الآلة الموسيقية.

   الاِختيار الرابع- توظيف الآلات الموسيقية المختلفة:

   قال “المنشد الإسلامي” أبو راتب، وهو من الصَّفِّ الثاني من رواد “الإنشاد الإسلامي”، في حوار مع قناة “اقرأ” في برنامج أُذيع أواخرَ العام المنصرم (2005) حين سُئِلَ عن موقفه من توظيف الآلات الموسيقية ما معناه:

   “لِيَكُنْ منطلقَنا في توظيف الآلات الموسيقية الاستغناءُ عنها الْبَتَّة إلا عند الضرورة القصوى حيث يكون قَدْرُ الجرعة منها أقل ما يمكن أن يكون”.

   وأستميح الفنان الرقيق أبو راتب عذراً إن قلتُ إن هذا الْمُنْطَلَقَ إنْ بَنَـيْـنَا عليه مَنْطِقَنَا واختيارنا واسترسلنا فيه فَسَنُسَائِلُ أنفسنا يوماً إنْ كان من الضروري أن نتغنَّى بما أُمِرْنَا أن نتغنى به من كلام الله جل وعلا!!!

   إن لم نوظف الآلات الموسيقية إلا عند الضرورة القصوى، فَلِمَ نَتَغَنَّى بالأشعار الموزونة الْمُقَفَّاةِ أصلاً؟!

   ولِمَ لا نقتصر على المنثور من الكلام دون الموزونِ الْمُقَفَّى إلا عند الضرورة القصوى؟!

   وما ضرورة التغني والترنُّم بأصواتنا أصلاً؟! ألا يمكن أن نُلقِيَ كلامنا إلى المستمعين إلقاءً في غير تَغَنٍّ إلا عند الضرورة القصوى وبجرعة قليلة ما أمكن؟!

   رأيان اثنان.. هل يجمعهما جامع؟

   – رأي أَوَّلُ يقول: لا نستعمل المعازف إلا في الموطن المناسب للضرورة القصوى. وهو تَخَوُّفٌ يبدو أنه ليس حرصاً على نصاعة المضمون من أن تَمَسَّه “لَوْثَةُ المعازف” تشوب صفاءَ صفحته، بقدر ما هو حرصٌ على عدم مخالفة ما يعتبره أهلُ هذا الرأي نصوصاً شرعيةً تُحَرِّمُها.

   – ورأي ثَانٍ يقول: نستعمل المعازف دون قيود إلاَّ في الموطن غير المناسب الذي تُشَوِّشُ فيه على المضمونِ والرسالةِ والبلاغِ. وهو رأي يتَّكِئُ على الرأي الفقهي الْمُجَوِّزِ لاستعمال المعازف بِضَمَانةِ خُطوطٍ حُمْرٍ يَخُطُّها حول أصالة المضمون وسداد رسالته وبلاغِ كلمته لا تتخطَّاها المعازف أو الأشكال الفنية أو أساليب المعالجات الفنية.

   الرأي الأول ينظر إلى المعازف نظرته إلى الميتة: حرامٌ أَكْلُهَا إلاَّ للضرورة المبيحة للمحظور.

   والرأي الثاني يعتبر المعازف زِينَةً وجمالاً هِبَةً من البديع الجميل لهذا المخلوق، تماماً كما وهبه المالَ والبنينَ زينةَ الحياة الدنيا، وَخلق لَه الأَنْعَامَ له فِيهَا جَمَالٌ حِينَ يُرِيحُ وَحِينَ يَسْرَحُ، وسخَّر له الخيلَ والبغالَ والحميرَ يركبُها وزينةً، وزين له السماء بزينة الكواكب آية لقوم يتفكرون…

“الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”.. أما إن انحرف بِهِما السبيل فـ: “إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ”.

   والأصوات الموسيقية خَلْقٌ جميل من خلق الله.. أما إن انحرفت بها الغاية فهي أَنْكَرُ في القلب وأضَرُّ عليه من صوت الحمير على الأذن.. و: “إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ”.

   على أن النجاح في توظيف الآلات رَهينٌ بحسن التعامل مع المعادلة الرابطة بين جاذبية الآلة الموسيقية وجمالياتها وبين روحِيَّة المضمون وقدسيته.

خـلاصـة   صحيح أن الآلة الموسيقية مُجرَّدُ أداة لا هُوَيَّةَ لها، ولكنها تَتَجَنَّسُ بروح العازف الذي تترنَّح بين يديه وتتراقص. ولهذا السبب ينبغي أن تظل روحُنا مهيمنةً على إبداعنا الفني تُشرف عليه وتوجِّهُهُ إلى أهدافه السامية. ولا نستطيع توجيه إبداعنا الفني وِجهَتَه المرجوةَ إن لَمْ نُحَصِّلْ حدّاً أدنى من العلم والخبرة وحسن التدبير.

   اكتفاؤُنا بعلمِ وخبرةِ وتدبيرِ غيرِنا لنا فيما يتصل من قُرْبٍ بقدسية رسالتنا ونَظُنُّه “مسائلَ تقنية” يمكن أن يُسَرِّبَ إلى إبداعاتنا روحاً ليست من روحنا.

   نَعَمْ لتوظيفٍ حَسَنٍ للآلة الموسيقية، على ألاَّ نَـنْأى بِنَفْخِ النَّايٍ عن جادَّة السبيل المستقيم، وألاَّ يَكْمُنَ لَنَا زَلَلٌ بين أَوْتَارِ الكمانٍ فَنَزِلَّ فَنَضِلَّ لا قدَّر الله، وألاَّ يَحِقَّ علينا بِنَغَمِ القانونِ قانونُ: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى” فنكونَ -والعياذُ باللهِ- من الخاسرين.. نعوذ بالله مِنْ عَمَى البصر والبصيرة.

في الحلقة الثامنة إن شاء الله

الفرق الغنائية للمؤمنات   إن تحدثت هذه السلسلة عما تلاقي فرقنا الغنائية من مشكلات فلا بأس من التذكير بأن للفرق الغنائية للمؤمنات نصيباً وافراً منها بحكم طبيعة الأرضية التي تتحرك عليها. والْمُطَّلِع على النشاط الفني لفرق الأخوات المؤمنات يدرك مدى ما تلاقِينه من عَنَت ومشقة في أداء رسالتهن العظيمة.