ما زالت تداعيات فوز “حماس” في الانتخابات التشريعية الفلسطينية وتشكيلها للحكومة تلقي بظلالها على العديد من المجالات وعلى كثير من الأطراف والمكونات. فقد أفرز هذا الفوز رؤى وآراء ومواقف بين مؤيد ومعارض وحاقد ومتحامل وحذر ومتجاهل ومستغرب، بين من اعتبروه مفاجأة وزلزالا، وآخرون اعتبروه نتيجة طبيعية لمسار طبيعي لحركة تنمو وتتطور وتتوسع بثبات.

   اختار الشعب الفلسطيني “حماس” بإرادة حرة ومن خلال انتخابات نزيهة تعبيرا عن وفائه لتضحياتها وتمسكه ببرنامجها ورضاه عن إنجازاتها.

   اختارها الشعب الفلسطيني استنجادا بها لمواصلة خيار المقاومة للاحتلال المتغطرس ولإيقاف نزيف الفساد الداخلي المتزايد يوما بعد آخر.

   اختارها الشعب الفلسطيني تحديا لكل التحذيرات والمضايقات والضغوطات والاشتراطات والمساومات.

   اختارها الشعب الفلسطيني رغم حملات التضليل والتشويه من قبل قوى من الداخل والخارج.

   ووسيلة الاختيار كانت انتخابات شفافة احترمت فيها كل معايير النزاهة بحيث لم يطعن في نتائجها أحد من الداخل أو الخارج. فكانت بمثابة واحة خضراء في صحراء قاحلة، هي الانتخابات في باقي الدول العربية التي تشهد كل أنواع التلاعب والتزوير والتحكم في نتائجها.

   لذلك كانت النتيجة الطبيعية أن تلقى هذه الحكومة كل التأييد والقبول من قبل كل من يتمسك بالشرعية والديمقراطية، والتعاون من قبل كل من يحرص على مصلحة فلسطين وصالح الشعب الفلسطيني.

   لكن المتتبع لمسار الأحداث بعد ظهور النتائج يلحظ عكس ذلك تماما.

   الكيان الصهيوني كشر عن أنيابه واستنفر كل طاقته وصب جام غضبه على هذه الانتخابات وأجوائها والفائز فيها متوعدا متابعتهم وعدم استثنائهم من عملياته العدوانية.

   الولايات المتحدة الأمريكية حدت حدوها متوعدة الحكومة بالمقاطعة ووقف المساعدات والإمدادات، ناسية مشروعها لتسويق الديمقراطية للمنطقة ودعواتها المتكررة بأولوية الإصلاح و… ولم تقف عند هذا الحد، بل ضغطت على غيرها لتتبع خطوتها هاته سواء الدول أو المنظمات.

   الأنظمة العربية بدت مترددة تجاه هذا المستجد، وطغا على أغلبها مواقف الاضطراب والترقب لما ستسفر عنه الأيام المقبلة، ولما يمكن أن تفتحه لها القوى العظمى من هامش.

هل كان فوز “حماس” مفاجئا؟   الحقيقة أن فوز “حماس” لم يكن مفاجئا من حيث المبدأ، وإن كان حجم الفوز مفاجأة لمن لا يتتبعون المستجدات ولا يدركون أن هناك تغيرا في المواقع طرأ في الساحة الفلسطينية.

   وقد حاول البعض التنقيص من هذا الفوز والتقليل من شأن الفائز واعتبار تصويت الشعب الفلسطيني على “حماس” تصويت عقابي لفتح وقادتها الغارقين في الامتيازات والصراعات، والفاشلين في خيار التسوية الذي قادوه منذ اتفاق أوسلو.

   لقد جاء فوز “حماس” ثمرة لتطور طبيعي للحركة منذ نشأتها، وساهمت فيه عدة عوامل:

   1- “حماس” قدمت منذ تأسيسها تضحيات كبيرة تمثلت في شهداء من الصف الأول من قادتها.

   2- “حماس” ظلت وفية لحقوق الشعب الفلسطيني: الإفراج عن الأسرى، وحق العودة، وجلاء القوات الغاصبة،..

   3- “حماس” قدمت مشروعا ناجحا في المقاومة قوض وجود الكيان الصهيوني في غزة.

   4- “حماس” قدمت برنامجا اجتماعيا في المستوى خفف معاناة الشعب الفلسطيني، وكان عملها في هذا المجال أكثر نجاعة من السلطة الفلسطينية.

   5- “حماس” قدمت برنامجا متوازنا بين المجال السياسي والاجتماعي والمقاومة.

   6- “حماس” لم تتورط في صراع داخلي، واعتبرت الدم الفلسطيني خطا أحمر رغم ما تعرضت له من مضايقات واعتقالات.

   7- قيادة “حماس” قدمت للشعب الفلسطيني طيلة مدة وجودها نماذج في النزاهة والقدوة وعدم الاستعلاء على الشعب الفلسطيني.

لماذا كل هذا الخوف والرفض؟   لاشك أن ما حصل في فلسطين حدث نوعي سيحدث تحولا تاريخيا وسياسيا في المنطقة يستلزم تغييرا في خطط ووسائل العمل وموازين القوى والأولويات، سيما إن أضيفت إليه أحداث أخرى من قبيل دور حزب الله وممانعة سوريا وإيران للضغوطات الدولية عليهما.

   حدث نوعي تتداخل فيه عوامل عديدة سيحدث تغييرا في ميزان القوى كما هو الآن، وستكون له آثار تتفاوت نتائجها من طرف لآخر حسب الموقع والموقف من هذه الحركة الممانعة التي تتقوى يوما بعد آخر.

   حدث نوعي يجعل العديد من أصحاب المصالح يتخوفون من تبعاته على مصالحهم في المنطقة.

   حدث نوعي في منطقة يراد لها أن تبقى بؤرة توتر يستخدمها هذا الطرف أو ذاك خدمة لمطامعه.

   لذلك فليس هناك من حل إلا حشد كل الجهود واستخدام كل الوسائل لوأد هذا المولود وإفشال هذه التجربة والضغط على كل مدعم لها أو مساند من قريب أو بعيد. وإن لم يتحقق ذلك فلا بأس من ترويض التجربة وتطويعها وتدجينها وإفراغها من مضمونها وفصلها عن هويتها.

تعددت الأطراف والحصار واحد   لاشك أن الشعب الفلسطيني كان يعي جيدا تبعات اختياره، وتصويته على “حماس” بهذه الكثافة والنسبة العالية دليل على استعداده لتحمل ما يترتب عن ذلك، وهو في ذلك منسجم مع هويته وتاريخه ورصيده.

   شعب ظل متمسكا بخيار المقاومة رافضا الاستسلام والانهزام رغم حملات التجويع والتركيع والإبعاد والأسر والتقتيل.

   وبعض الأنظمة العربية طبع سلوكها التردد والخوف من الأمريكان، فمنها من بارك فوز “حماس” على احتشام، ومنها من تجاهل هذا الأمر، ومنها من تفادى الالتقاء بوزرائها، ومنها من افتعل الأباطيل لتحقيق ذلك، ومنها من تعذر بأعذار واهية.

   بل إن العديد منها لم يف بالتزاماته المالية تجاه الشعب الفلسطيني وكأن القضية لا تعنيه، أو كأنها شأن فلسطيني داخلي نفض يده منه وتحلل من كل التزام تجاهه.

   والولايات المتحدة الأمريكية استنفرت كل قواها وصار شغلها الشاغل إسقاط الحكومة الفلسطينية والتضييق عليها وكيل التهم ضدها، ومعاداة من تعاطف معها فأحرى من دعمها.

   بل إنها تسير في اتجاه خلق جبهة مساندة لخيارها هذا. متنكرة لشعاراتها ووعودها بالإصلاح ونشر الديمقراطية في المنطقة. والكيان الصهيوني يستغل الفرصة لإعلان خطته في الانسحاب من جانب واحد والاستمرار في مسلسله الإجرامي وتعنته.

   وعلى المستوى الداخلي تتزايد محاولة بعض الأطراف إفشال مشروع الحكومة الجديدة وتأليب الرأي العام ضدها واستغلال الفرصة للتضييق عليها.

حماس: ثبات وصمود   رغم الضغوط والحصار لم تخرج “حماس” عن صوابها، ولم تحد عن مبادئها، ولم تتنكر لثوابت الشعب الفلسطيني، ولم تساوم على حقوقه. ويلحظ المتتبع لتصريحات وتحركات قادتها حكمة في البلاغ ويقين في النجاح.

   لقد أثبتت “حماس” وهي تقود المقاومة نجاحها، كما نجحت في التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني، ونجحت في المزاوجة بين خيار المقاومة والعمل السياسي، ونجحت في الثبات على مبادئها.

   وأثبتت “حماس” أنها حركة منظمة موحدة وقوية، وذات قدرة على إعداد الكفاءات والأفكار، ولم تتأثر قوتها بحملات الاغتيالات والاعتقالات والنفي.

   فكيف لا تنجح في إدارة السلطة كذلك؟

   الأكيد أن فوز “حماس” يؤرخ لنقلة نوعية في التعاطي مع القضية الفلسطينية داخل المنتظم الدولي، ويقطع مع مسار الانحدار والاستسلام والمبادرات التنازلية. وستنجح في مبتغاها إن تحقق لها حد أدنى من الدعم بمختلف أشكاله ومستوياته. والمسألة تحتاج لصبر ووقت فقط.

ماذا يخبئ المستقبل؟   قد يتوقف الدعم، وقد يطول الصبر دون فائدة، وقد لا تفي الأطراف المانحة بوعودها، وآنذاك سيتحدث الجميع عن فشل “حماس” وحكومة “حماس”.

   والحقيقة أن “حماس” لم تفشل لأنها قامت بكل ما يمكن القيام به، ولكن الذي فشل هو من وقف يتفرج عليها ويصنع المكائد ضدها ويضع العراقيل في طريقها ويمتنع عن تقديم المساعدة لها.

   أما “حماس” فقد أضافت نصرا آخر إلى سجلها لأنها حققت الآتي:

   1- فضحت العديد من الأنظمة العربية وعمقت الهوة بينها وبين شعوبها.

   2- كشفت حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية وبينت فشل سياستها في المنطقة.

   3- بينت أنها حركة منسجمة مع ذاتها ووفية لمبادئها، ولم تضعف أمام إغراءات السلطة ولم تخضع لإكراهاتها.

   4- هذا سيزيد من رصيدها أمام شعبها والشعوب العربية والإسلامية.

   5- كشفت ازدواجية المعايير المعتمدة من قبل المنتظم الدولي المتجاهل لحقوق الشعب الفلسطيني وللقرارات الدولية التي في صالحه.

   ويكفيها في كل الأحوال هذا نصرا. والعيب كله على هذا الزمن العربي، وهذا السقف السياسي الذي لم يستوعب حركة جريئة تريد إحداث تغيير جذري تنقل من خلاله الموقف العربي من الذل والهوان والاستسلام إلى المبادرة والعزة.

وختاما   من شأن دعم الحكومة الفلسطينية ونجاحها إخراج دول المنطقة من قبضة القوى المهيمنة، ومن شأنه تغيير ميزان القوى، ومن شأنه إعزاز العرب والمسلمين.

   تحقيق هذا الأمر ليس مستحيلا، ولا صعبا، يكفي فقط بعض الدعم. بعض الدعم.