هشام العثامني الحسني

خريــــج دار الحديث الحسنـــية

[email protected]

الرهان الثاني: الأمانة العلمية عند (( العالم الدكتور!! )) العلمي

الشاهد الأول:

   قال الدكتور أبو جميل !! العلمي في كتابه المنشور في موقعه الإلكتروني ((جماعة العدل والإحسان من الخلافة إلى الخرافة)) – الذي هو أصل الشريط  ص 17: “والاستدلال بزلات العلماء ونوادرهم من الأدلة الباردة التي طالما جلب بها ياسين على خصومه في كتابه الإحسان، الذي بناه على الاستدلال بشواذ العلماء، وتابع في ذلك صاحب طبقات الشافعية، حتى زعم أن الشافعي ت 204هـ أرسل إلى الإمام أحمد ت241هـ أيام كان في محنة خلق القرآن يطلب منه أن يرسل إليه ثوبه الذي امتحن فيه ليتبرك به، ليثبت جواز التبرك بآثار الصالحين، مع أنها قصة مكذوبة قطعا،لأن الشافعي مات – أقول رحمه الله  سنة 204هـ قبل أن يشهد وقوع محنة القول بخلق القرآن عام 218، ولكنه الهوى يعم ويصم !!” اهـ.

   قلت:

   هذا الكلام مشبك بالكذب والافتراء، فضلا عن الهذيان البارد الذي ليس هذا موضع كشفه.

   والقصة التي ذكرها الحبيب المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين  حفظه الله تعالى  عن العلامة التاج السبكي رحمه الله تعالى ليس فيها البتة أن الإمام الشافعي أرسل إلى الإمام أحمد رحمهما الله تعالى في أيام محنة خلق القرآن أن يرسل إليه بثوبه ليتبرك به، وها أنذا أنقل القصة بتمامها من كتاب طبقات الشافعية للتاج السبكي رحمه الله.

   علما أن القصة قد رواها أيضا العلامة ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/312) والبيهقي ونقلها عنه ابن كثير في البداية والنهاية (10/331).

   قال العلامة التاج السبكي رحمه الله تعالى في ((طبقات الشافعية)) 2/35-37:

   أخبرنا الحافظ أبو العباس بن المظفر بقراءتي عليه أخبرنا عبد الواسع بن عبد الكافي الأبهري إجازة أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبى جعفر بن على القرظي سماعا أخبرنا القاسم بن الحافظ أبى القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن علي بن عساكر أخبرنا عبد الجبار بن محمد بن أحمد الخواري إجازة وحدثنا عنه به أبى سماعا.

   قال ابن المظفر وأخبرنا يوسف بن محمد المصري إجازة أخبرنا إبراهيم بن بركات الخشوعي سماعا أخبرنا الحافظ أبو القاسم إجازة أخبرنا عبد الجبار الخواري حدثنا الإمام أبو سعيد القشيري إملاء حدثنا الحاكم أبو جعفر محمد بن محمد الصفار أخبرنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن عبد لله الرازي قال:سمعت أبا جعفر محمد الملطي يقول: قال الربيع بن سليمان: إن الشافعي رضي الله عنه خرج إلى مصر فقال لي: يا ربيع خذ كتابي هذا فامض به وسلمه إلى أبى عبد الله وائتني بالجواب.

   قال الربيع: فدخلت بغداد ومعي الكتاب فصادفت أحمد ابن حنبل في صلاة الصبح، فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب، وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر، فقال لي أحمد: نظرت فيه، فقلت:لا فكسر الختم وقرأ وتغرغرت عيناه، فقلت له: أيش فيه أبا عبد الله، فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام وقل له إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت له البشارة يا أبا عبد الله، فخلع أحمد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه، فأخذت الجواب، وخرجت إلى مصر، وسلمته إلى الشافعي رضى الله عنه، فقال: أيش الذي أعطاك؟، فقلت: قميصه، فقال الشافعي: ليس نفجعك به، ولكن بله وادفع إلي الماء لأتبرك به “.

   أترك للأستاذ النظر في إسناد القصة وأدعوه للحديث عن هذا الإسناد تصحيحا أو تضعيفا إن كان يجيد ذلك، لألفت نظر القارئ الكريم إلى أن هذه القصة كما هو ظاهر لم تحدث أيام محنة القول بخلق القرآن كما ادعى الدكتور القائم على ثغور الملة وحمى الشريعة!!، وأن القصة ليس فيها أن الإمام الشافعي أرسل إلى الإمام أحمد ليطلب قميصه ليتبرك به، وإنما أرسل إليه برؤيا رأى فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه لأن يكتب إلى الإمام أحمد ليعلمه أنه سيمتحن ويدعى إلى خلق القرآن، ولست أدري هل يميز الأستاذ بين المستقبل والماضي.

   لأقول بعد هذا: إن أصدق من يحكم على العلمي هو العلمي نفسه !!، وإن أصدق وصف في العلمي هو وصف العلمي نفسه !!، فيحق لنا في هذا الموطن أن نعكس عليه ما هذى به في حق بعض إخواننا الفضلاء:” وبهذا يتبين كذب “العلمي” على علماء الأمة واستغلاله جهل البسطاء من الناس لترويج باطل أصحابه، ولا ضير فمنهج هؤلاء وديدنهم الكذب والمراوغة في سبيل نشر أهوائهم، فأين ما يدعونه من الزهد والورع ؟!! ” (كتابه الخرافة ص: 16).

   فهل بالكذب ستحاربون الخرافة، ولكنه الهوى يعم ويصم !!. ما أصدقك !!.

   وأما تعريضه بالتبرك بالصالحين فليس الموطن موطن حديث عن هذا الأمر، ولكني أحببت أن لا أخلي هذا المقام دون أن أنقل لك كلمة من جملة “أدلتنا الباردة !! ” للإمام الذهبي رحمه الله، وهي كما قال رفيقك أو شيخك بوخبزة: “كلمة ذهبية من رجل نقادة معروف”:

   قال رحمه الله تعالى في ((سير أعلام النبلاء)) 11/212 في ترجمة الإمام ” أحمد بن حنبل” رحمه الله تعالى:” ومن آدابه: قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيضعها على فيه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به، ورأيته أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغسلها في حب الماء ثم شرب فيها، ورأيته يشرب من ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.

   قلت  أي الذهبي-: أين المتنطع المنكر على أحمد؟!، وقد ثبت أن عبد الله سأل أباه عمن يلمس رمانة منبر النبي صلى الله عليه وآله سلم ويمس الحجرة النبوية فقال:لا أرى بذلك بأسا.

   أعاذنا الله وإياكم من رأي الخوارج ومن البدع “.

   فاعلم مقامك وتصنيفك عند الإمام الذهبي رحمه الله !!.

   ثم إليك نصا آخر عنه، لعله يحد من غلوائك، ويزجر عنك أحناء طيرك !!.

   قال رحمه الله في السير 4/ 42-43 في ترجمة التابعي الجليل الإمام القدوة ” عبيدة السليماني ” رحمه الله تعالى:” قال محمد: وقلت لعبيدة إن عندنا من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا من قبل أنس بن مالك، فقال: لأن يكون عندي منه شعرة أحب إلي من كل صفراء وبيضاء على ظهر الأرض.

   قلت: هذا القول من عبيدة هو معيار كمال الحب، وهو أن يؤثر شعرة نبوية على كل ذهب وفضة بأيدي الناس، ومثل هذا يقوله هذا الإمام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخمسين سنة فما الذي نقوله نحن في وقتنا ؟!!. لو وجدنا بعض شعره بإسناد ثابت أو شسع نعل كان له أو قلامة ظفر أو شقفة من إناء شرب فيه فلو بذل الغني معظم أمواله في تحصيل شيء من ذلك عنده أكنت تعده مبذرا أو سفيها ؟، كلا !! فابذل ما لك في زورة مسجده الذي بنى فيه بيده،والسلام عليه عند حجرته في بلده،والتذ بالنظر إلى أحده وأحبه،فقد كان نبيك صلى الله عليه وآله وسلم يحبه،وتملأ بالحلول في روضته ومقعده،فلن تكون مؤمنا حتى يكون هذا السيد أحب إليك من نفسك وولدك وأموالك والناس كلهم، وقبل حجرا مكرما نزل من الجنة،وضع فمك لاثما مكانا قبله سيد البشر بيقين،فهنأك الله بما أعطاك فما فوق ذلك مفخر. ولو ظفرنا بالمحجن الذي أشار به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحجر ثم قبل محجنه لحق لنا أن نزدحم على ذلك المحجن بالتقبيل والتبجيل، ونحن ندري بالضرورة أن تقبيل الحجر أرفع وأفضل من تقبيل محجنه ونعله.

   وقد كان ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ يده فقبلها، ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنقول نحن إذ فاتنا ذلك حجر معظم بمنزل يمين الله في الأرض مسته شفتا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لاثما له. فإذا فاتك الحج وتلقيت الوفد فالتزم الحاج وقبل فمه وقل فم مس بالتقبيل حجرا قبله خليلي صلى الله عليه وآله وسلم ” انتهى.

   رحم الله الإمام الذهبي فقد قد كان محبا ذائقا !!.

الشاهد الثاني:

   ينعى الأستاذ على الإخوة في الجماعة جهلهم بالسنة وبأصول الحديث وعلومه.

   فيقول تعقيبا على ما قاله أحد الإخوة المشرفين على الموقع “في الحديث الذي أخرجه الإمام السيوطي في الجامع الصغير: “من أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة”.

   قال: “فهؤلاء يريدون إحياء السنة بحديث منكر لا يعرفون له مخرجا، وذلك مبلغهم من العلم لأنهم ليسوا من السنة في ورد ولا صدر، وهو دليل على جهل أتباع ياسين بأصول الحديث وعلوم السنة التي يتمسحون بها لذر الرماد في العيون، وهم لا يميزون بين الإخراج والتخريج، ولا بين كتب السنة المعتمدة وكتب التخريج…” ص:34.

   قلت: هذه حملة ظالمة على المؤمنين داخل الجماعة، إذ تحميل الجميع خطأ فرد واحد منهم ليس من فعل أهل الإنصاف، كما أنها حملة ظالمة على الأخ صاحب الكلام، إذ كل ما في الأمر أنه أخطأ في التعبير فكان ماذا؟. وأما الحديث فليس بمنكر كما سيأتي، على أنه مع التسليم بكون الحديث منكرا فيكون الأخ أخطأ في الاستدلال به فينبه على خطئه، وكم من عالم وجدت في تصانيفه الأحاديث المنكرة الواهية، أو استدل بأحاديث موضوعة تالفة، وكتب العقائد السلفية خير مثال على ذلك !!.

على أن المتعالم نفسه قد وقع في ما نعاه على غيره، أي الجهل بأصول الحديث وعلوم السنة، وأضاف إليه الكذب والقحة !!.

   والغريب أن يقع منه الكذب في الحديث نفسه الذي أنكر على الأخ إيراده.

   بيان ذلك: أنه قال في هامش كتابه تعليقا على هذا الحديث: “حديث منكر أخرجه الترمذي في السنن 2602 كتاب العلم، من طريق كثير بن عبد الله المزني الكذاب، لا يساوي حديثه حفنة من رماد، قال الشافعي: أحد أركان الكذب، وقال ابن معين: ليس بشيء، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 9/168، حديث رقم 9439 وهو من رواية خالد بن أنس عن أنس، قال الذهبي: لا يعرف، وحديثه منكر جدا، وهو “من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة”، رواه بقية عن عاصم بن سعد وهو مجهول عنه، وقال ابن حجر: وهذا الرجل ذكره في الضعفاء، وقال رجاء عن إسحاق بن راهويه عن بقية عن عاصم بن سعد عن خالد بن أنس عن أنس رضي الله عنه رفعه، من أحيا سنتي الحديث بطوله. لا يتابع عليه ولا يعرف إلا بهذا الحديث، والراوي عنه عاصم بن سعد مجهول بالنقل أيضا، وفي الباب أحاديث بأسانيد لينة “لسان الميزان لابن حجر 2/373 ” انتهى كلام العلمي.

   وعليه مماسك:

   الأول: قوله “إن الترمذي أخرج الحديث من طريق كثير بن عبد الله المزني الكذاب” هو كذب على الإمام الترمذي رحمه الله !!.

   وإليكم كلام الإمام الترمذي رحمه الله.

   قال رحمه الله في كتابه ((السنن)) [جزء 5 – صفحة 46]، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، حديث رقم 2678:

   حدثنا مسلم بن حاتم الأنصاري البصري حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: قال أنس بن مالك: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي وليس في قلبك غش لأحد فافعل، ثم قال لي: يا بني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة” وفي الحديث قصة طويلة.

   قال أبو عيسى: هذا حسن غريب من هذا الوجه.

   ومحمد بن عبد الله الأنصاري ثقة، وأبوه ثقة، وعلي بن زيد صدوق إلا أنه ربما يرفع الشيء الذي يوقفه غيره. قال: وسمعت محمد بن بشار يقول: قال أبو الوليد: قال شعبة: حدثنا علي بن زيد وكان رفاعا، ولا نعرف لسعيد بن المسيب عن أنس رواية إلا هذا الحديث بطوله.

   وقد روى عباد بن ميسرة المنقري هذا الحديث عن علي بن زيد عن أنس ولم يذكر فيه عن سعيد بن المسيب.

   قال أبو عيسى: وذاكرت به محمد بن إسماعيل فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب عن أنس هذا الحديث ولا غيره. ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين مات سنة خمس وتسعين” انتهى كلام الترمذي رحمه الله.

   فأين هو كثير بن عبد الله المزني الكذاب في سند الحديث يا عالما بالسنة ناعيا على غيرك الجهل بها وتمسحهم بها !!.

   فأي الفريقين أحق بالأمن؟ رجل بدل أن يقول رواه الترمذي أو أورده السيوطي في الجامع الصغير قال: “أخرجه السيوطي في الجامع الصغير”؟، أم رجل كذب على الترمذي وافترى عليه سندا ليس عنده، مع أن سننه من أشهر السنن وأكثرها انتشارا؟.

   ألا ترى معي يا أستاذ أن رميك الأخ بالكذب هو من باب رمتني بدائها وانسلت !!.

   ولكن إذا لم تستح فاصنع ما شئت!!، والعاقل هو الذي يربأ بنفسه عن مواطن الذل، ويتجافى بها عن مطارح الهوان، ويصونها عن معرة الامتهان، وينزع بها عن خطط الابتذال !!.

   ثانيا: قوله في عبد الله بن كثير المزني إنه كذاب، لا يساوي حديثه حفنة من رماد، ثم نقل كلمة الشافعي وابن معين رحمهم الله تعالى.

   كلامه هذا مسلسل بالأخطاء العلمية الدالة على عدم معرفة الرجل بأصول علم الحديث، وخاصة علم الجرح والتعديل.

   فقوله في عبد الله بن كثير المزني إنه كذاب، كفانا مؤنة الرد عليه الحافظ ابن حجر في كتابه ((التقريب)) [ص: 460] وهو من المختصرات في تراجم الرجال، حيث قال رحمه الله: “ضعيف، أفرط من نسبه إلى الكذب”.

   وقوله: “لا يساوي حديثه حفنة من رماد” من إلقاء الكلم على عواهنه، ومن المجازفات التي يبدو أن الدكتور لا يتقن إلا لغتها.

   وحيث إن المقام ليس مقام بسط فلنكتف هنا بإيراد قول الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله في ((جامع العلوم والحكم)) [ص:266]: “كثير هذا يصحح حديثه الترمذي، ويقول البخاري في بعض حديثه: هو أصح حديث في الباب، وحسن حديثه إبراهيم بن المنذر الحزامي، وقال: هو خير من مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسنه ابن أبي عاصم، وترك حديثه آخرون، منهم الإمام أحمد وغيره، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف قوتها”.

   وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: “ضعيف عند الأكثر،لكن البخاري ومن تبعه كالترمذي وابن خزيمة يقوون أمره”.

   وأرشد الأستاذ إلى أن يرجع إلى كتاب العالم الدكتور نور الدين عتر- حفظه الله  ((الموازنة بين سنن الترمذي والصحيحين)) ليعلم الفرق بين التعالم وبين التحقق بالعلم، وليدرس بعضا من مبادئ أصول الحديث قبل أن يتطاول على غيره ويرميهم بالجهل بأصول الحديث.

   ثم إن الحديث الذي يرويه كذاب لا يساوي حديثه حفنة من رماد يسمى باصطلاح المحدثين “موضوعا” لا “منكرا”، نعم قد يرد عند بعض المتقدمين إطلاق المنكر على الموضوع، ولكن ذلك قبل أن يستقر الاصطلاح. والذهبي رحمه الله حكم على الحديث بكونه منكرا جدا من حيثية معينة، وهي الإسناد المسلسل بالمجاهيل، ولم يحكم على ذات الحديث، ولهذا قال حديثه  أي الراوي المجهول منكر جدا. والله أعلم.

   ثالثا: قوله “أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط 9/168، حديث رقم 9439 وهو من رواية خالد بن أنس عن أنس”:

   ليس كذلك، بل أخرجه من رواية معبد بن خالد وهو ابن أنس عن جده أنس !!.

   وهاك سنده ومتنه من عند الطبراني في الأوسط من الصفحة نفسها التي أحال إليها الأستاذ!!

   قال رحمه الله: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي حدثني أبو جعفر النفيلي حدثني عاصم بن سعيد عن معبد بن خالد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة”.

   قال الطبراني: “لم يرو هذا الحديث عن معبد بن خالد إلا عاصم بن سعيد تفرد به النفيلي”.

   ثم إن قوله ذلك يفيد أن الطبراني لم يخرجه إلا من هذا الطريق، وليس كذلك !!، بل أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط من طريقين، من الطريق السابقة، ومن الطريق التي أخرجه بها الإمام الترمذي رحمه الله، أي من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس بن مالك مرفوعا به. [المعجم الأوسط 6/123،ح: 5991].

   وكذا أخرجه بهذا الإسناد الثاني في معجمه الصغير 2/100.

   رابعا: قوله في الحديث منكر اعتمادا على قول الذهبي رحمه الله في ميزان الاعتدال في ترجمة خالد بن أنس: حديثه منكر جدا دليل على جهل الرجل بمناهج العلماء في تآليفهم.

   ذلك أن إيراد حديث في ((ميزان الاعتدال)) أو غيره من كتب الجرح لا يعني تضعيف الحديث مطلقا، فكم من حديث في الصحيحين ذكره الذهبي رحمه الله في الميزان، أتى به لمناسبات متعددة، تعلم من مطالعة الميزان. كأن يضعفه من حيثية سند خاص لا أن أصل الحديث ضعيف.

   وقد رتب أحاديثه الشيخ المحدث سيدي عبد العزيز بن الصديق الغماري رحمه الله في كتاب حافل سماه ((الجامع المصنف مما في الميزان من حديث الراوي المضعف))، ونبه على ذلك.

   والذهبي رحمه الله ذكر هذا الحديث في ترجمة خالد بن أنس، وقال: لا يعرف، وحديثه منكر جدا، وهو “من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة”، رواه بقية عن عاصم بن سعد وهو مجهول عنه.

   فيكون حكمه على الحديث بكونه منكرا جدا، أي بالنظر إلى هذا السند الخاص، المسلسل بالمجاهيل، لا حكما منه على ذات الحديث نفسه. وله في ذلك نظائر تعلم بأدنى مطالعة لكتابه.. والله تعالى أعلم.

   خامسا: الحديث رواه كما سبق الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في سننه وقال: “حسن غريب”.

   فلماذا غض الطرف عن حكم العلامة الترمذي رحمه الله ولم ينقل حكمه ؟، ثم بعد ذلك يعقب على حكم الترمذي رحمه الله بما شاء هو إقرارا أو اعتراضا  طبعا إن كان أهلا للاعتراض!!-.

   فهذا الصنيع ليس من الأمانة العلمية في شيء؟، وهل على الأخ من حرج إذا قلد الإمام الترمذي رحمه الله واعتمد حكمه على ذلك الحديث.

   فالحديث رواه الإمام الترمذي من طريق رجاله وثقوا إلا أنهم تكلموا في علي بن زيد بن جدعان، وقد ذكره الحافظ الذهبي رحمه الله في جزئه ((من تكلم فيه وهو موثق))، وقال: صويلح الحديث، قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقواه غيرهما” اهـ وهو يقتضي أنه حسن الحديث عنده.

   فيكون هذا السند بمفرده حسنا لذاته عند من يحسن حديث علي بن زيد.

   وأما قول الترمذي رحمه الله إنه ذاكر البخاري رحمه الله تعالى بهذا الحديث فلم يعرفه، ولم يعرف لسعيد بن المسيب حديثا عن أنس فهذا منه رحمه الله التزاما بمذهبه في اشتراط ثبوت اللقاء، وأما على مذهب من يكتفي بالمعاصرة وهو الذي استقر عليه الاصطلاح يكون السند سالما من الانقطاع، ولهذا عقب الترمذي رحمه الله بقوله: “ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين، ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين مات سنة خمس وتسعين” للدلالة على أن سعيدا عاصر أنسا فيمكن سماعه منه، والله أعلم.

   ثم للحديث طريق آخر، فيه رواة مجهولون، ولكن إذا انضم هذا الطريق إلى الطريق الأول اعتضدا واكتسبا صفة الحسن، ولهذا حسن الحديث الترمذي رحمه الله.

   وهذا ما يوحي إليه صنيع العقيلي، حيث قال في ضعفائه بعد أن أورد الحديث من رواية عياض بن سعيد المازني قال حدثني معبد [في المطبوعة: سعيد] بن خالد بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك مرفوعا به: “وقد روي هذا بإسناد أصلح من هذا من غير وجه”(3/349).