نور الدين الملاخ

المدير المسؤول لمجلة التواصل -نشرة جمعوية-

[email protected]

   العمل الجمعوي في المغرب ظاهرة مجتمعية تعرف خلطا مقصودا للأوراق من طرف أصحاب المصالح السياسية، والأغراض الانتخابية، وكذلك من طرف من يمتعض من وجود طرف غير مرغوب فيه. في ظل هذه الوضعية لا نكاد نميز- في الحركة الجمعوية- بين الهدف والوسيلة. فالمعيار المحدد للمشروع الجمعوي درجة الولاء “لعقلية ممخزنة” تغذيها المصلحة الفردية والأنانية المستعلية.

   أكثر من 40000 جمعية في المغرب اليوم: 80% منها تأسست في التسعينيات مع الاستهلاك المفرط لمفاهيم المجتمع المدني دون مراعاة شروط تحقيقه: الذاتية والموضوعية.

   إن الحديث عن وجود مجتمع مدني بالمغرب من عدمه ليس حديثا جديدا، ولكن التساؤل في جميع الأحوال لا زال مشروعا، رغم محاولات من يمتلك “السلطة” إحكام الحصار على من يمتلك “الجرأة” على هذا النوع من الخطاب، ورغم التيار الجارف لكم دوابي يتجاهل قواعد الممارسة الجمعوية التي تبنى على العمل التطوعي ونكران الذات. كم هائل من الهياكل الجمعوية، لكن نوع نادر من المشاريع الهادفة لفئات مجتمعية تنتظر المبادرات الفعلية لتنمية حقيقية لإنسان يعيش الفقر والجهل والحرمان. أغلب هذه المؤسسات ترفع اليوم شعار”التنمية البشرية” لسببين رئيسيين:

   – الحصول على الشرعية بإظهار ولاء، وذلك برفع الشعارات الرسمية للدولة.

   – العمل الجمعوي التنموي بوابة كبيرة تستتقطب المؤسسات المانحة للدعم المالي والمعنوي.

   كثيرة هي الجمعيات التربوية والثقافية التي غيرت لون مشاريعها التربوية والثقافية إلى مشاريع تنموية، دون امتلاك آليات بناء المشروع التنموي: من الفكرة إلى التنزيل على أرض الواقع.

   نسيج جمعوي في المغرب فسيفساء متعددة الألوان لكنها لا تنتج جسما سويا، لغياب هندسة جمعوية تربط الشكل بالمضمون.

   جسم جمعوي في المغرب يتحرك دون بوصلة موجهة، لغياب استراتيجية واضحة المعالم، توزع الأدوار وفق القدرات والملكات، وتمنح الفرص بشكل متكافئ لكل من رغب في الانخراط في الحياة الجمعوية.

   فالوضع السليم أن يكون العمل الجمعوي تعبيرا عن ديناميكية مجتمعية مفترضة باعتباره أداة لتوسيع مجال الفعل بعيدا عن دائرة العمل السياسي، وإن كان العملان في آخر المطاف، ليفضيان إلى نفس النتائج.

   إلا أن واقع الحياة الجمعوية في المغرب يعرف تناقضات كثيرة في الممارسة وخروقات عديددة للقوانين المنظمة. تصدر أحكام جزاف وفق معايير مزاجية لا تستند إلى فصل أو بند من قانون ينظم عمل الجمعيات، بل تستند لتعليمات تصنف تلك الجمعية تابعة لمؤسسة سياسية، وهذه الجمعية تابعة لتنظيم حركة إسلامية معينة… يرصد الدعم وتفتح الأبواب ويفرش البساط الأحمر للأولى بينما تغلق الفضاءات العمومية وتحاصر الثانية بل يسحب منها الترخيص عند التجديد ضدا على القوانين والحقوق.

   الجمعيات “التابعة لجماعة العدل والإحسان” (حسب تعبير الدوائر المخزنية) تعرف تضييقا من نوع خاص أصبح أمرا جليا للداني والقاصي. حصار على مرأى ومسمع الخاص والعام، لا يتورع ممثل السلطة على إخفائه. إنه مس واضح بالحريات العامة وبروح الميثاق الوطني لجمعيات المجتمع المدني، ومس بالحق في التعبير والاختيار.

   إنها محنة العمل الجمعوي المستقل بالمغرب ضدا على القانون والحياة الجمعوية المنشودة. نثير هذا الموضوع اليوم لأنه أصبح قضية رأي عام ليجيب من يهمه الأمر على الأسئلة التالية:

   – أما آن الأوان أن ينتهي زمن عقليات التصنيف الضيق للجمعيات وفق منظور العهد القديم؟

   – بأي فهم و بأية إرادة نرغب في إشراك النسيج الجمعوي في بناء مغرب الغد؟

   – لماذا التعامل بذهنية الانتقاء تارة والإقصاء مرات عديدة ضدا عن القانون والأعراف المجتمعية؟

أسئلة لابد من طرحها اليوم للإجابة عليها غدا..