ثنائية الشورى/ديمقراطية من الثنائيات التي أسالت الكثير من المداد دفاعا عن هذه في وجه تلك، رفضا أو تنـزيها لإحداهما أو محاولة للتوفيق بينهما أو التلفيق. الكلمتان ليستا مجرد لفظتين وكفى، إنما تعبر كل واحدة منهما عن منظومة كاملة من الأفكار، عن مشروع مجتمعي متكامل؛ تعبران ولا تختزلان، فاللفظتان لهما علاقة بنظام الحكم كما يراه أصحاب المشروع الإسلامي (الشورى) وكما يراه أصحاب المشروع اللاييكي (الديمقراطية).

   كملاحظة أولية، طبقت الشورى في صدر الإسلام ثم اغتيلت ليبقى حكم السيف العاض. والديمقراطية وجدت لها مجالا للتطبيق في منبتها، فلما انتقلت إلى بلداننا استعصت وتمنعت أو في أحسن الأحوال تلونت بألوان الطيف فلم يعرف لها قبيل من دبـير. فالشورى والديمقراطية كلتاهما مطلوبتان ممتنعتان عندنا، هذه نقطة مشتركة.

   عندما ننظر إلى اللفظتين معزولتين عن سياقهما التاريخي وبيئتهما فإننا يمكن أن نجد لهما نقط التقاء عديدة، لكننا قبل أن نقوم بهذا العمل لزم أن نعرف ما يفرقهما حتى نكون على علم بما هي الشورى وما هي الديمقراطية.

1/ الشورى   سنكون سطحيين إذا اعتمدنا التعاريف اللفظية وقلنا إن الديمقراطية هي حكم الشعب وفي القرآن نجد قوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم” ثم نجد قوله تعالى “إن الحكم إلا لله”. حكم الله الذي مارسه رجال الدين الكنسي والملوك المتحالفين معهم باسم الحق الإلهي سمي ثيوقراطية، والشورى التي مارسها المسلمون في العهد الأول مكنت عامة الناس وعامة الصحابة من إبداء رأيهم حتى في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتعلق الأمر بالرأي والحرب والمكيدة، وعندما يتعلق الأمر بشيء يصنعه الحاكم لجماعته وليس أمرا من عند الله وحيا منزلا.هذا هو مربط الفرس، الشورى تشاور بين المسلمين في أمور دنياهم وأهمها الحكم بينهم من جهة الأشخاص واختيارهم وكيفية ذلك الاختيار وآليات ممارسته، وهذا ما مارسه الخلفاء الراشدون باجتهاد واقتدار؛ لكن تلك الممارسة ظلت مؤطرة بالقوانين والتشريعات الفقهية المستمدة من الوحي كتابا وسنة، ومن الاجتهاد إجماعا وقياسا.لم يكن الأمر مجرد حرية تعطى للشعب كي يختار حكامه وإمداد هذا الشعب بالآليات التي تمكنه من مراقبة هؤلاء الحكام، بل الأمر أعمق من ذلك، أمر له علاقة بالبيئة التربوية، النفسية والاجتماعية التي تمارس فيها الأمة هذا الحق.

   إن الشورى اليوم لها توهج وإشراق، وهي تتلمس أنجع السبل للنزول على أرض الواقع، وكلما سقط الاستبداد في بلد إسلامي على يد أبناء الصحوة كلما زاد التوهج. “ولعل الأدب الإسلامي السياسي الحديث، هو الذي روج الكلمة وأضفى عليها قيمتها ومضامينها ذات الشأن بعد أن كانت كتب الفقه القديمة لا تعنى بها كثيرا ولا تقيم لها هذه القيمة الجليلة، لأن الممارسة السياسية الشورية لم تكن واسعة ولا ذات خطر في التاريخ الإسلامي.” (1)

   يفصل ذ. عبد السلام ياسين السياق الذي وردت فيه آية “وأمرهم شورى بينهم” من خلال سورة الشورى:

   1- يقين في كون الدنيا مجرد متاع قليل.

   2- يقين في كون الآخرة خير وأبقى للإنسان.

   3- التوكل على الله تعالى.

   4- الكف عن الآثام والفواحش.

   5- الابتعاد عن الغضب للنفس.

   6 الاستجابة لله تعالى استجابة كاملة.

   7- إقامة الصلاة.

   8- أعمال المشاركة والبناء.

   9 الزكاة والإنفاق فيما رزقنا الله.

   10- الانتصار على البغي. (كتاب الشورى والديمقراطية)

   إنها خصال تؤسس لشخصية بمواصفات خاصة لا ينفصل فيها الإيمان بالغيب والزهادة في الدنيا والتوكل على الله عن المشاركة في بناء الأمة والضرب على يد الظالمين.

   بناء “الأمة” أو بناء “جماعة المسلمين” التي تضطلع بمهمة بناء الدولة الإسلامية لا تتنافى مع إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وسائر بنود السياق، بل إنها هي التي تشد من أزر الأمة وتوثق رابطة الولاية بين أفرادها من خلال اللقاء اليومي في أماكن الصلاة والتكافل بين غني الأمة وفقيرها.

   “جماعة المسلمين” هي قاعدة الشورى (ينطق بفضائلها وبواعثها وواجباتها وحقوقها وقوتها القرآن وتنطق السنة ويعبر عن طلب إحيائها وسيادتها الضمير المسلم المكبوت والصوت الإسلامي الذي لا يراوغ. باعثها الأعلى وقوتها التحرر من كل عبودية لغير الله العزيز الحكيم، ومواقعها من الحياة الخاصة والعامة تربط الحياة الخاصة والعامة بروابط الولاية لله والرسول والولاية للمومنين بين المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات. هذه الولاية الواصلة بالمحبة والبذل والتكافل والتآزر هي الآصرة الوثقى، لا يتنافى باعثها الأعلى مع رعاية المصالح الخاصة والعامة.) (2)

   الشورى مشروع مجتمعي ضخم، تتوغل عناصره إلى أعماق الإنسان لتجعل مشاركته في الشأن العام عبادة وليس مجرد واجب وطني يقوم به أو حق ينتزعه انتزاعا.

2/ الديمقراطية   الديمقراطية ليست نظام حكم كما يعتقد العامة، وإنما هي آلية للتداول السلمي على السلطة بين فرقاء سياسيين لهم مشاريع أنظمة للحكم، يعملون على تطبيق برامجهم عندما توصلهم صناديق الاقتراع إلى سدة الحكم.

   توصل إليها العقل البشري (الأوربي خصوصا) بعد قرون من الصراع والاقتتال والثورات، هي من هذه الناحية تلتقي مع الشورى في الانتصار على البغي. لكن الديمقراطية ليست آلية اكتشفها الناس صدفة وتصالحوا على جعلها فيصلا بينهم؛ إن الصراع المتحدث عنه كان على مراحل:

   – مرحلة أولى أقصت الدين من الساحة العامة وجعلت من الشأن العام “حقا طبيعيا” تمنحه الأغلبية لحاكم مطلق السلطة. (بذرة اللاييكية)

   – مرحلة ثانية قيدت سلطة الحاكم المطلقة وجعلت الناس يتخلون عن بعض حقوقهم وليس كلها.

   – مرحلة ثالثة نزعت السلطة من الحاكم عموما وجعلتها في يد الشعب الذي يختار من يحكمه ويراقبه ويحصي عليه أنفاسه، ويقيله إن أخطأ، ويحاكمه ويسجنه إن اختلس المال العام أو استغل النفوذ لأغراض شخصية. هذه المرحلة أسست لعقد اجتماعي (contrat social) بين الحاكم والمحكوم يمثل فيها نواب الشعب حجر الزاوية، بالإضافة إلى الإعلام الحر والحي (السلطة الرابعة( والقضاء المستقل والنزيه. الحاكم أنفاسه مراقبة، والمعارضة تتربص به الدوائر لتنقض على الحكم في أول فرصة.

   قد تكون هذه صورة جميلة للديمقراطية على اعتبار أن التداول على السلطة أصبح سلميا، لكن للديمقراطية نقائصها أيضا، وهي على أية حال أهون الشرور كما كان يقول ونستون تشرشل.

   إن الموقف من الدين له ما يبرره لدى الغرب -موطن الديمقراطية- إذ كان هو مبرر الاستبداد الملكي الحاكم بالحق الإلهي الذي جعل من الملوك أشخاصا مقدسين وكلامهم مقدس، فلما انتصرت الثورة الفرنسية، رفعت شعار (اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس).

   ولم يكن الموقف من الدين مقصورا على المستوى السياسي، بل انعكس على الفكر الفلسفي حتى تم تصنيف الدين إلى جانب الخرافة والأساطير ضمن طفولة البشرية التي نضجت عندما ألهت العقل وهو أحد معنيي العقلانية (rationalisme).

   الديمقراطية تطورت من ذلك الشكل الساذج الذي مارسه الإغريق إلى أشكال اليوم التي أنتجت أنظمة مستقرة. وأثناء تطورها حسمت في مجموعة من القضايا المرتبطة بالإنسان والمجتمع؛ نجد على رأس هذه القضايا، اللاييكية والعقلانية. لم يعد المجتمع يسأل عن دينه لأن الدين شأن خاص يسمح للأشخاص بممارسته ما لم يهدد أركان النظام اللاييكي وإلا فهي المضايقة كما حدث للفتيات المسلمات في أم الديمقراطية فرنسا، اللواتي أصررن على لباسهن المحتشم. وقد وصل الأمر إلى حد سن قانون من قبل أعلى هيئة في البلاد تمنع “وضع الرموز الدينية” في المدارس الحكومية.

   ولقد مكن التطور العلمي الإنسان من أن يثق ثقة لا حدود لها في العقل، بحيث تصور أنه يستطيع أن يفسر كل شيء اعتمادا على عقله وكشوفه العلمية، وأن يقهر الطبيعة بعقله، فأله هذا العقل وأعلن عن”موت الإله”الذي كان يعزى إليه القدرة والعلم المطلقين ويلجأ إليه الجاهل الضعيف!

لا يتصور الغربي ديـمقراطية بمعزل عن اللاييكية والعقلانية.

   “المجتمع المدني” هو قاعدة الديمقراطية وثمرة النضال المرير، وهو مؤسسات تمكن المواطن من التكتل حتى تكون فاعليته أكبر وتأثيره أقوى. (المجتمع المدني تكتلات وتعاون على المصالح) (لا يسأل عن مبادئه الخلقية ولا عن عقيدته ودينه ولا عن المروءة الفاضلة، يسأل فقط ويجيب عن مصالح الفئات التي يتكون منها، وعن المطالب السياسية والاجتماعية والنفعية التي تشد صفوفه، وتسلح نضاله، وتنظم هياكله.) (3)

   المجتمع المدني هو واحد من مفردات القاموس الديمقراطي المشبع باللاييكية، مفردات يفصلها ذ.عبد السلام ياسين في كتاب(كتاب الشورى والديمقراطية)ضمن المساق الديمقراطي:

   1- الدولة القومية.

   2- العقد الاجتماعي.

   3- المجتمع المدني.

   4- حقوق المواطنة.

   5- سيادة الشعب.

   6- الدستور وفصل السلط.

   7- دولة القانون.

   8- الحريات العامة.

   9- حقوق الإنسان.

   عندما ينقل المترجم المشبع بالثقافة الغربية هذه المفردات إلى العربية فإنه يعمل على أن يزين البضاعة، ولا ضير أن يلبّس على الناس مادام الهدف هو إقناع القارئ أن ذلك المشروع هو الجنة على الأرض العطشى للحرية والعدل والكرامة بدل جحيم الاستبداد المستكبر المترف. يلبس المترجم على القارئ حين لا يوضح له الحقيقة، حقيقة أن هذه الجنة نشأت وترعرعت ثمارها بعد أن فرغ أهلها من الدين، كل دين. خيانة عظمى، كما يسميها الأستاذ عبد السلام ياسين.

3/ بين الشورى والديمقراطية   يقول ذ. ياسين: (ما حيلتي إن كان بعضهم يقرأ بعض ما أكتب فيقول إني عدو للديمقراطية ساخر بالديمقراطيين.ما حيلتي إلا أن أكرر وأقلب أوجه الكلام علﱠ الناس يفهمون أن عدائي للكفر لا للديمقراطية، للخيانة العظمى التي يرتكبها تجار الأوهام السياسية من المثقفين حين يسكتون عن اللازمة الزمنية اللاييكية للنظام الديمقراطي.) (4)

   والشورى التي وئدت منذ زمن مبكر لم تتح لها الفرصة لتطور آلياتها في تنظيم الدولة. لكن الروح التي تعبر عنها آيات الشورى ما تزال من القوة بمكان وتطرق أبواب التاريخ اليوم أكثر من أي وقت مضى. تلك الآليات التي اشتغلت بها الشورى في زمن الخلافة الراشدة كانت اجتهاد عقل حكيم في قلب مرحوم استفاد من وسائل عصره، وهي اليوم على ما كانت عليه في حاجة إلى اجتهاد يستفيد من تقنيات وعلوم العصر.

   تلبيس آخر عندما ينشر المناوئون للمشروع الإسلامي أن المناداة بالشورى واستحضار الرموز والمفاهيم الأصيلة هي عودة إلى عصر الجمل والخيام. ويقفون في حيرة معلنة وتناقض فاضح أمام تمكن الإسلاميين من وسائل العصر في ميادين التواصل والدعوة والتنظيم، فيقنعون في النهاية بالقول إنهم يستثمرون منتجات الحداثة لهدمها كقولهم بركوب الموجة الديمقراطية للقضاء عليها.

   (هذه روح الشورى وسياقها الإيماني الواصل العباد آخرة ودنيا، توكلا ورفقا، صلاة وشورى. أما الشكل والمساحة والإجراء والتنظيم فأيما وجه كان الأجدى كان الأولى. والوجه الأولى إنما نتعلمه ونجتهد فيه اجتهادا ما دام كتاب الله عز وجل ترك لنا المجال مفتوحا، وما دامت السنة النبوية الراشدية درجت البساطة المعاشية التي اكتنفتها. والمجتهد يخطئ ويصيب، ولا بد لنا من بداية، ثم نعدل ونقوم ونسدد ونراجع. في أفقنا القريب تتراءى لنا الأشكال الديمقراطية وكأنها تنظيم لا بأس به.) (5). لست أرى وضوحا أكثر من هذا الكلام فيما يخص الموقف من الديمقراطية. يبقى على الآخرين أن يحددوا موقفهم من الشورى ومن الشريعة ومن الدين ككل. هل هو نفس موقف الغربيين وتلامذتهم الأُول، عندما كان الدين غريبا وهدفا للاستئصال؟ أم أن المواقف قد نضجت والرؤى قد اتضحت والمصلحة العليا للأمة أصبح ينظر إليها بمنظار آخر ولو من باب الحفاظ على الهوية والتكتل في وجه أعاصير العولمة القادمة، التي توشك أن تعصف بنا. ولو من باب تخليق الحياة العامة التي فسدت ورائحتها أزكمت الأنوف، ولو من باب احترام مقدسات الأمة ورمز وحدتها ووجودها. هذا إذا لم يكن التمسك بالإسلام من باب الإيمان والاعتزاز به والتقرب إلى الخالق وابتغاء ما عنده، وهو الأولى، وهو ما يجعل من في موقع المسئولية أحرص الناس على تجنب الظلم، وأزهد الناس فيما لا يدوم.

   إذا طرحت الديمقراطية لازمتها عن وعي وعانقت روح الشورى عن علم واقتناع بأن اللاييكية لا تصلح لمجتمعاتنا، أمكن أن يكون اللقاء، ولنسم نظامنا بعد ذلك ما نشاء، ديمقراطية إسلامية أو شورقراطية& أو أي اسم ما دام الجوهر الذي قامت عليه أمتنا حاضــرا.

الهوامش:

(1) الشورى والديموقراطية. سلسلة الحوار13 تأليف د. حسن الترابي. ص14.

(2) ذ.عبد السلام ياسين، كتاب حوار مع الفضلاء الديمقراطيين. ص 84.

(3) نفس المرجع ص 82-83.

(4) ذ. عبد السلام ياسين، الشورى والديمقراطية. منشورات الأفق ص37.

(5) حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص66 67.