تقول الأم فاطنة في رسالتها لإحدى الجرائد الأسبوعية: “أريد أن أحيطكم علما بأن ابني عبد الحق توري المزداد سنة 1983، والذي كان يعمل بائعا للخضر ومرشحا لاجتياز مباراة الباكالوريا… والذي ليست له سوابق عدلية أو انتماء حزبي أو صلة بأية صلة من الجماعات… قد اختطف من المنزل الموجود بحي المسيرة بالدار البيضاء، وذلك يوم 11 مارس حوالي الساعة الرابعة والنصف عصرا على يد ستة أفراد قالوا إنهم من الأمن وكانوا يرتدون ملابس عادية في سيارة بيضاء على شكل “رونوترافيك” لا تحمل أي إشارة للأمن…”(1).

   ويقول المواطن الشاب عثمان الإدريسي: “طلب مني رجال الدرك أن أنزع ملابسي وأن أبقى بملابسي الداخلية فقط حيث شرعوا بعدها في غطس رأسي في دلو من الماء لمدة عشرين دقيقة. بعد ذلك جاء عندي دركي آخر وطلب مني أن أنزع ملابسي وأتمدد على الأرض، وبدأوا يصبون الماء فوق جسدي. وبقيت على هذا الوضع مدة طويلة بعد ذلك أخذ أحد رجال الدرك عصا وأخذ يمررها في مناطق حساسة من جسدي (…) فوق دبري وكان يقول لي إنني إن لم أعترف فسوف أفقد رجولتي بهذا المركز…”.(2)

   لم يتم الاستماع إلى هذه الشهادات في إحدى الجلسات التي نظمتها هيأة الإنصاف والمصالحة. هذه الهيأة التي قيل عنها وعن أعمالها الكثير، حيث رأى فيها بعض الناس طيا نهائيا لصفحة الماضي، واعتبرها بعض آخر ثورة غير مسبوقة، ونموذجا ينبغي أن يحتذى في العالم العربي..

   لم يتم الاستماع إلى تلك الشهادات من قِبل بنزكري  الذي بالمناسبة نرجو له الشفاء- ورفاقه، ببساطة لأن وقائعها حدثت بعد حل الهيأة، وبعد صدور تقريرها، وبعد اطلاع الملك والحكومة والأجهزة الأمنية على توصياتها، التي منها:

   – التجريم الدستوري للاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والإبادة والجرائم الأخرى ضد الإنسانية، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو العقوبة القاسية…

   – تحقيق الحكامة الأمنية التي تتطلب تأهيل وتوضيح ونشر الإطار القانوني والنصوص التنظيمية المتعلقة باتخاذ القرار الأمني وطرق التدخل…

   حدثت وقائع هذه الشهادات، وغيرها من وقائع الاختطاف والتعذيب، في شهر مارس الماضي. ففي بداية هذا الشهر اختطف مواطن تونسي، وفي 10 مارس اختطف عبد الفتاح الحيداوي، وفي 11 مارس اختطف عبد الحق التوري، وفي 17 مارس اختطف محمد هرموش، وبين 15 و20 مارس اختطف كل من لحسن المهاضر، وعادل غرار، وسعيد فارز… الجديد في هذه الاختطافات أن “زوار الليل” أصبحوا يفضلون واضحة النهار، ربما لزرع الخوف والهلع في صفوف المواطنين، وما يدرينا لعل الخوف من أهم آليات “المبادرة الوطنية للتنمية”، التي طبل لها هي الأخرى المخزن كثيرا…

   وفي نفس الشهر أي مارس 2006 تعرض المواطن عثمان الإدريسي لتعذيب بشع في مخافر رجال الدرك، الأمر الذي قاده لتوريط نفسه ووالده وصديقه في جريمة قتل لا علاقة لهم بها، إذ لم يجد من وسيلة للفرار من التعذيب إلا بـ”الاعتراف” بجريمة وضع تفاصيلها وأسبابها من نسج خياله هربا من “الطيارة” وغيرها من أصناف التعذيب.. وقبل عثمان الإدريسي بأيام، وفي حادث الطائرة المعلوم، عُذب شكيب السفياني، التقني بشركة الخطوط الملكية المغربية، حتى فكر في الانتحار! واختُطف زميله حميد الشافعي من منزله ليعيش فصولا من الإهانة والتعذيب بـ”كوميسارية المعاريف”…

   تحدثت بعض الجرائد والمجلات مشكورة بإسهاب عن هذه الانتهاكات الخطيرة. ولعل مما يبين بالملموس مستوى “الحكامة الأمنية” في بلدنا الحبيب هذا مثالان اثنان، الأول يرتبط بحالة عثمان الإدريسي، حيث كان يجري تحقيقان في نفس القضية دون أدنى تنسيق، تحقيق من قبل رجال الدرك، والذي قاد إلى اتهام عثمان الإدريسي، بعد تلك الفصول من التعذيب، وتحقيق آخر من قبل عناصر الأمن التابعة لولاية أمن الدار البيضاء، والذي قاد إلى معرفة القاتل الحقيقي!

   والمثال الثاني يتعلق بالثلاثة الذين اختطفوا بين 15 و20 مارس … فبعد عشرين يوما من الاختطاف ومثلما قام مجهولون باختطاف لحسن وسعيد وعادل بدون سند قانوني، فإن مكالمة مجهولة هي التي أخبرت بوجودهم بسجن سلا! فلا الوكيل العام للملك اتصل لطمأنة العائلات، ولا الإدارة العامة للأمن الوطني، ولا إدارة السجن!!..

   هل بعد كل هذا من مصداقية لشعارات “الإنصاف والمصالحة” و”الحكامة الأمنية” و”المفهوم الجديد للسلطة” و”طي صفحة الماضي”… أليست الأساليب السابقة تكرر نفسها، وأحيانا مزيدة ومنقحة؟

   ركز التقرير النهائي لهيأة الإنصاف والمصالحة على البعد الدستوري والقانوني لصيانة حقوق الناس وحماية حرياتهم. ولنا أن نتساءل ألم تتم هذه الانتهاكات في ظل دستور تنص ديباجته على الالتزام بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا؟ ألم تتم هذه الانتهاكات بعد مصادقة البرلمان على قانون تجريم التعذيب رقم (43.04) وبعد مصادقة المغرب على اتفاقية مناهضة التعذيب؟

   لا يختلف اثنان حول أهمية القانون، إذ لا قرار ولا استقرار للمجتمع إلا بقانون يوزع الاختصاصات ويحدد الصلاحيات وينظم العلاقات، ودونه الفوضى والاضطراب وضياع مصالح الناس، فرادى وجماعات. لكن لا معنى للقانون، ولا فائدة منه في غياب إرادة سياسية تحميه.

   تحميه عند اقتراحه فيكون فعلا نابعا من اختيار المجتمع، وتحميه عند صياغته فيكون واضحا دقيقا لا ثغرات فيه، لا كما هو الحال في بعض القوانين ومنها قانون تجريم التعذيب الذي لم ينص بوضوح على كيفية إثبات التعذيب، وتحميه بعد المصادقة عليه بأن تجعله واقعا ملموسا وليس مجرد حبر على ورق.

   لكن أين هي هذه الإرادة السياسية التي تحمي القانون؟ أين هي هذه الإرادة السياسية التي تريدنا أن نكون فعلا متساوين أمام القانون؟ لا أحد فوق القانون، ولا شطط باسم القانون، ولا تعطيل للقانون، ولا تطاول أو تحايل على القانون، إذا كان هذا ما نريد، فوالله إنه لن يتحقق بالأماني المعسولة، ولن يتحقق بالدفاع المستميت عن القانون من داخل “لعبة سياسية” شرط شروطها “المخزن فوق القانون”، ولن يتحقق بالإرادات المنفردة، لأن القانون شأن جماعي لذلك فلا إرادة تحميه إلا الإرادة الجماعية.

الهوامش:

(1) جريدة الأيام العدد 227  17/23 أبريل 2006.

(2) مجلة الصحيفة، العدد 30  14/20 أبريل 2006.