في البدء رهانان!!

هشام العثامني الحسني / خريــــج دار الحديث الحسنـــية – [email protected]

   بسم الله الرحمن الرحيم.

   أحمد الله سبحانه وتعالى، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله، وأستخير الله عز وجل فيما انبعث عليه عزمي من بسط هذه النظرات العابرة، وأسأله سبحانه وتعالى الإعانة على ما أتوخاه من الإبانة، وأستهديه سبحانه وتعالى ما فيه الخير والصلاح.

   “رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا”.بِكَ اسْتَعَنْتُ إِلهِي عَاجِزاً فَأَعِـنْ *** أَبْغـِي رِضَاكَ فَـأَسْعِفْنِي بِأَطْيَبِهِ

فَإِنْ تُعِنْ ثَعْلَباً يَسْطُو عَلَى أَسَـدٍ *** أَوْ تَخْـذِلِ اللَّيْثَ لاَ يَـقْوَى لِثَعْلَبِهِ

وَإِنَّنِي عَالِمٌ ضَعْفِي ولاَ عَمَــلٌ *** عِـنْدِي يُفِيـدُ ولاَ عِلْمَ أُصُولٍ بِهِ

وَرَأْسُ مَالِي جَاهُ المُصْطَفَى فَبِهِ *** أَدْعُـوكَ رَبِّي أَيِّدْنِـي لَـهُ وَبِـهِ   وبعد:

   فإن الأمة الإسلامية اليوم تمر بمرحلة حاسمة في مسيرتها التاريخية لرفء الانكسار التاريخي، الذي انحدر بالأمة من أعالي التاريخ إلى أسافله، بانقضاض عروة الحكم الإسلامي، وتدليه من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض فجبري، وما نجم عن ذلك من ضمور وغياب معاني الشورى والعدل والإحسان.

   وإن واقع التآمر العالمي، والتكالب الصليبي الصهيوني، والبأس البيني، والتناحر الداخلي، ما هو إلا مخاض ولادة جديدة لهذه الأمة الخاتمة، وما هو إلا صفعات قدر تهيئ هذه الأمة لأن تلتقي بالموعود القرآني، بالتمكين والاستخلاف في الأرض، وبالموعود النبوي، خلافة راشدة ثانية على منهاج النبوة، يرضى عنها ساكن الأرض والسماء.

   قال تعالى: “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون”.

   وروى الإمام أحمد وغيره (4 /- 273) من حديث سيدنا حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها،ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها،ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت”.

   وإن انبعاث الأمة وقومتها لم يعد نجوى مجالس، أو زفرات يأس في طويات صدر المستضعفين المنضمة على كمد العزائم المثبطة والهمم المكلومة، بل أضحى حديث التقارير العالمية، وترهصات الدراسات المستقبلية، وتوجسات القوى الاستكبارية.

   وقد توافق على ذلك شهادة الواقع وهي الحاكم الذي لا يعزل ولا يبدل، وبشائر الغيب وهي الشاهد المزكى المعدل.

   وكان من جملة تلكم البشائر، ما تفضل الله به سبحانه وتعالى، وهو الوهاب، على المؤمنين داخل جماعة العدل والإحسان من ترادف المشاهدات والمكاشفات، وتواتر الرؤى والمنامات، المؤذنة بنصر من الله قريب، وفتح منه على المؤمنين داخل هذا القطر الحبيب. مما أشاعه الإخوة داخل مجالسهم الخاصة والعامة، وفي موقعيهم الإلكترونيين تسلية للمستضعفين وشحذا للهمم ومغازلة للعزائم واستنهاضا للإرادات ومذكرة لمن يهمه الأمر.

   وقد تلقى المؤمنون ومعهم الشعب المغربي بحمد الله تعالى هذه البشائر والمبشرات بقلوب مطمئنة إلى وعد الله ورسوله، وألسنة لاهجة بحمد الله وشكره على ترداف أنواله وتتالي أفضاله، وأفئدة راكنة إلى قدر الله وقضائه، موقنة بأن الفضل بيد الله يختص به سبحانه من يشاء من عباده، وأن الأمر لله، وما حركاتنا وسكناتنا وجهادنا وإعدادنا ورمينا إلا تجل لذلك الفضل الإلهي “وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى”.

   وقد أثارت تلك الرؤى والمبشرات حفيظة المستكبرين في هذه الأرض، المتحكمين في البلاد والعباد، فأوحوا إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين، وليبثوا في صفوفهم زوابع الشك والإبلاس، وينشروا فيهم حديث التعويق والتثبيط.

   وهكذا طالعتنا الصحف والمجلات بسيل عارم من المقالات الهادرة والبيانات الساخرة، التي تتخذ من رؤى المؤمنين ومشاهداتهم مضحكة يتندرون بها ويتهكمون.

   ولست أعجب من أولئك اللائكيين الذين طبع على قلوبهم، فليس للغيب وحديث الغيب وبشائر الغيب مكان في حداثتهم.

   ولكن إن تعجب فعجب أن يتنكر لهذا الأمر ويتهكم به أناس ينتسبون إلى هذا الدين وإلى الدعوة والعلم !!.

   في هذا الإطار أصدر بعضهم قرصا مدمجا اختاروا له عنوانا ((جماعة العدل والإحسان من الخلافة إلى الخرافة))، أكثروا فيه من الصراخ والضجيج، وبالغوا فيه في الصياح والنئيح، ونادوا بالويل والثبور، وفاهوا بعظائم الأمور، وزعموا زورا وبهتانا، أن بشائر الغيب حديث خرافة وأحلام يقظة ووسوسة شيطان ودجل سياسة !!.

   وتجاوزوا ذلك إلى هتك الحرمات، وإطلاق اللسان في الأعراض،وإساءة الأدب والمهاترة والمقاذعة. وقديما قيل: اللجاج مسفهة للأحلام.

   ولا غرو أن يكون هذا هو حال الأدعياء،المنتسبين إلى العلم والعلماء، ونحن في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وادعى الانتساب فيه إلى العلم والعلماء كل غر وفدم جاهل، ونزا فيه الرويبضات على المنابر، والعلماء المعنيون بالأمر بين السجن والصمت والمقابر، واستأسد فيه كل تافه، لا يرقب في مؤمن إلا ولا ذمة، مبتورا عن تاريخ أمته، مصهورا في حميا فتنته، شامخا بأنفه وإسته، فكل من لا يقول بقوله ويدين بعقيدته فليس من الناجين، ولو كان وليا أو عالما صالحا، إذ لا عبرة عند مثل هؤلاء بولاية أحد ما لم يكن من لائحة الأتباع والأشياع.

   فالولي والصالح والعالم في قاموس الأحداث: إما صوفي مبتدع ضال، أو خرافي ملبس دجال.

   والأحداث السفهاء هم المعنيون بالنجاة في الحياتين، وأهل السعادة في الدارين، إذ هم الفرقة الناجية، وأهل السنة والجماعة، وحالهم الذي هم عليه الآن، هو الحال الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه !!. فسبحان من قسم العقول !!. سبحانه !.

   وشريط ((الخرافة)) شريط كان الأولى لي والأحرى بي أن أتغافل عنه، فأكل به الحوادث، وأتركه رهن الطوارق، وألقي أزمته إلى أيدي المقادير، وأترك مسائله بمضيعة.

   فدون الحديث عنه تشغلني الشواغل، وتخلجني الخوالج، وتعرض لي من دونه مشاغل ومشاده.

   ثم هو شريط لم يتضمن علما يناقش، أو دلائل تعارض، أو حججا تقارع، وإنما حشوه “تهريج” يقابل بالإعراض، و”لغو” يقابل بمرور الكرام، و”تسفيه” يقابل بالغض، و”تنكيت” يقابل بالتبكيت.

   غير أن الشريط لما تضمن انتهاكا لعرض الحبيب المرشد فضيلة الأستاذ سيدي عبد السلام ياسين  حفظه الله تعالى وأمتع به  ونيلا منه بالتهكم القاذع والسباب النابي، رأيت أن التغافل عنه لا يسعني، وإن كنت أعلم أن الحبيب المرشد  حفظه الله  طود لا تقلقه العواصف، وبحر حلم لا تكدره الدلاء، ولا يروع حلمه رائع، ولا يتسفه رأيه متسفه، وأنه حفظه الله قد تلقى تهكمهم بطول أناته، واحتمل جنايتهم بسعة صدره، وبسط على إساءتهم جناح عفوه.

   على أن من تولى كبر إعداد الشريط ما فتئ في حواراته ومقالاته يرعد ويرغي، متحديا المؤمنين أن يردوا على شريطه، فهو يدعي أنه عالم من علماء الأمة، القائمين على ثغور الملة وحمى الشريعة، من الخلف العدول، الذين ينفون عن هذا الدين تحريف الجاهلين وتأويل الغالين وانتحال المبطلين !!، ويحسب أن ما جاء به في الشريط ” علم ينبغي أن يرد عليه بالعلم ” !!.

   هيهات هيهات، سهوت فرقدت !! ونمت فحلمت !! فخيرا رأيت !! وخيرا يكون !!.

   وقد حفزني على بسط هذه النظرات العابرة خمسة مقاصد:

   أولا: التماس رضا الله عز وجل بالذب عن أوليائه والذود عن أصفيائه.

   ثانيا: التماس رضا الحبيب المرشد ” الشيخ الرباني والغوث الصمداني ” [انظر كتاب الخرافة ص: 63]، وأن يجعلني الله منه في عين الرضا.

   ثالثا: النصيحة للإخوة وتثبيت الأقدام فلا تزل قدم بعد ثبوتها، والسعي إلى إدخال السرور على المؤمنين.

   رابعا: النصيحة لعموم المسلمين، ببيان الحق وكشف تلبيسات الخصوم والمخالفين.

   خامسا: النصيحة للمخالف والخصوم.

   والخير أردت وما توفيقي إلا بالله، فما يكن من صواب في كلامي فمن الله فضلا منه ونعمة، وما كان فيه من خطإ فمن نفسي ومن الشيطان. والله المستعان.

في البدء

رهانان !!   سأحاول إن شاء الله تعالى أن أبسط في هذه النظرات جملة من القضايا التي أثارها الشريط ومعدوه وصيحوا بها، وهكذا سأتحدث بإذن الله تعالى عن العلماء ومسؤولية التغيير، وعن ياسين عالما، وعن الرؤى ووظائفها ومقاصدها، وعن الرؤى وصناعة الحياة، وعن الرؤى وعقائد السلفيين !!، وعن تكلم الموتى، وعن التبديع والنبز بالكفر، وعن الاستغاثة بياسين،وعن سوء توظيف القواعد العلمية، وعن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، إلى غير ذلك مما أحسب أنه سيكون بإذن الله مرهما لعللهم المعضلة، وإن كان من يد ناشئة لما يبلغ الثامنة والعشرين من العمر بعد.

   ولكن قبل بسط هذه النظرات، أحب أن أقدم لذلك برهانين أجعلهما معيارا لصدق هؤلاء الأدعياء في دعواهم أن ما جاءوا به علم، وأن ما بعثهم على إعداد الشريط إنما هو الحرص على عقائد المسلمين والذب عن هذا الدين،وأن ليس لهم إرب في التشهير بالقوم أو الشماتة بهم !!. وأن ليس وراء الأكمة ما وراءها !!، فإن هم أجابوني على هذين الرهانين استرسلت معهم في بسط هذه النظرات، وإن هم انخنسوا كفاني ذلك دليلا على صدق مقاصدهم، وحاجزا دون الاسترسال معهم في جدل عقيم. وعياذا بالله أن لا يكون حظي من العلم إلا علم أجادل به السفهاء، فأقتطع بذلك مقعدا من النار!! أسأل الله العفو والعافية.

الرهان الأول: ((الشيخ العلامة!!)) بوخبزة.. والكذب على المخالف:

   ذكر من قدموه بأنه شيخ علامة أعني “بوخبزة” في سياق حديثه عن رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة: أن هذه الدعوى ادعاها المتأخرون من الصوفية والدجاجلة، وأن هذه الدعوى لم يدعها أحد من أهل العصور الفاضلة، وإنما بعض مشاهير الصوفية من أمثال السري السقطي والجنيد وذي النون، وإنهم اعتذروا عنهم بأن ذلك تخيلات صدرت منهم في أحوال خاصة، وأن الخليفة ببغداد استدعى ذا النون فلم يجد عنده شيئا مما يستنكر فأرجعه إلى بغداد.

   ثم قال  أي بوخبزة  أن الذهبي قال : والشأن في صحة ذلك عنه وعن أمثاله.

   ثم قال  أي بوخبزة -: “وهذه كلمة ذهبية من رجل نقادة معروف”.

   قلت: وعلى كلامه مماسك:

   أولا: ادعاؤه بأن الإمام الجنيد وشيخه السري السقطي رحمهما الله ادعيا رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة دعوى تحتاج إلى إثبات ودليل، فهل بسط لنا الشيخ أين ادعيا ذلك، أو أحالنا على مصدره في هذا النقل، لا سيما وأن أصحاب الشريط في ديباجة شريطهم قد وعدوا أنهم سيوثقون أقوالهم، ولا يتكلمون إلا بدليل.

   ثانيا: ادعاؤه بأنهم اعتذروا عنهم بأن ذلك صدر منهم في أحوال خاصة وأنهم عدوا أقوالهم أوهاما وتخيلات، لا أدري الإحالة على من ؟، ومن هؤلاء المعتذرون؟، وأين قالوا هذا الكلام ؟.

   فهي كذلك دعوى تحتاج إلى إثبات.

   ثالثا: ادعاؤه بأن الإمام ذا النون المصري رحمه الله ادعى رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة من جنس الادعاء الأول، وادعاؤه أن الإمام الذهبي نقل عنه ذلك في ((سير أعلام النبلاء)) كذب على ذي النون وعلى الذهبي كما سيأتي.

   رابعا: ادعاؤه بأن الذهبي رحمه الله تعالى قال في سير أعلام النبلاء في ترجمة ذي النون المصري بأن الخليفة لما امتحنه لم يجد عنده ما يستنكر فرده إلى بلده وأكرمه، قال الذهبي بعد هذه المسألة في ترجمته: “والشأن في صحة ذلك عنه وعن أمثاله”.

   قلت: وهذا الكلام كله هو كذب على الإمام الذهبي، فلا يوجد هذا الكلام البتة في سير أعلام النبلاء للذهبي في ترجمة ذي النون المصري.

   وها أنذا أنقل كلام الإمام الذهبي رحمه الله في السير في ترجمة ذي النون المصري.

   قال رحمه الله: “ذو النون المصري الزاهد شيخ الديار المصرية ثوبان بن إبراهيم وقيل فيض بن أحمد وقيل فيض بن إبراهيم النوبي الإخميمي يكنى أبا الفيض ويقال أبا الفياض ولد في أواخر أيام المنصور.

   وروى عن مالك والليث وابن لهيعة وفضيل بن عياض وسلم الخواص وسفيان بن عيينة وطائفة وعنه احمد بن صبيح الفيومي وربيعة بن محمد الطائي ورضوان ابن محيميد وحسن بن مصعب والجنيد بن محمد الزاهد ومقدام بن داود الرعيني وآخرون وقل ما روى من الحديث ولا كان يتقنه. قيل إنه من موالي قريش وكان أبوه نوبيا. وقال الدارقطني :روى عن مالك أحاديث فيها نظر وكان واعظا. وقال ابن يونس :كان عالما فصيحا حكيما توفي في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومئتين. وقال السلمي :حملوه على البريد من مصر إلى المتوكل ليعظه في سنة 244 وكان إذا ذكر بين يدي المتوكل أهل الورع بكى. وقال يوسف بن أحمد البغدادي: كان أهل ناحيته يسمونه الزنديق فلما مات أظلت الطير جنازته فاحترموا بعد قبره.عن أيوب مؤدب ذي النون قال: جاء أصحاب المطالب ذا النون فخرج معهم إلى فقط وهو شاب فحفروا قبرا فوجدوا لوحا فيه اسم الله الأعظم فأخذه ذو النون وسلم إليهم ما وجدوا. قال يوسف بن الحسين الرازي حضرت ذا النون فقيل له يا أبا الفيض ما كان سبب توبتك قال :نمت في الصحراء ففتحت عيني فإذا قنبرة عمياء سقطت من وكر فانشقت الأرض فخرج منها “سكرجتان” ذهب وفضة في إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء فأكلت وشربت فقلت حسبي فتبت ولزمت الباب إلى أن قبلني قال السلمي في محن الصوفية :ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال ومقامات الأولياء فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم وهجره علماء مصر وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف وهجروه حتى رموه بالزندقة فقال أخوه إنهم يقولون إنك زنديق فقال * ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة * ووضعي كفي تحت خدي وتذكاري * قال: وقال محمد بن الفرخي :كنت مع ذي النون في زورق فمر بنا زورق آخر فقيل لذي النون إن هؤلاء يمرون إلى السلطان يشهدون عليك بالكفر فقال اللهم إن كانوا كاذبين فغرقهم فانقلب الزورق وغرقوا فقلت له فما بال الملاح قال لم يحملهم وهو يعلم قصدهم ولأن يقفوا بين يدي الله غرقى خير لهم من أن يقفوا شهود زور ثم انتفض وتغير وقال وعزتك لا أدعو على أحد بعدها.ثم دعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرضي أمره وطلبه المتوكل فلما سمع كلامه ولع به وأحبه، وكان يقول إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذي النون.

   وقال علي بن حاتم سمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق وقال يوسف بن الحسين: سمعت ذا النون يقول: مهما تصور في وهمك فالله بخلاف ذلك، وسمعته يقول: الاستغفار جامع لمعان: أولهما الندم على ما مضى، الثاني العزم على الترك، والثالث أداء ما ضيعت من فرض لله، الرابع رد المظالم في الأموال والأعراض والمصالحة عليها، الخامس إذابة كل لحم ودم نبت على الحرام، السادس إذاقة ألم الطاعة كما وجدت حلاوة المعصية. وعن عمرو بن السرح قلت لذي النون: كيف خلصت من المتوكل وقد أمر بقتلك؟، قال: لما أوصلني الغلام قلت في نفسي يا من ليس في البحار قطرات ولا في ديلج الرياح ديلجات ولا في الأرض خبيئات ولا في القلوب خطرات إلا وهي عليك دليلات ولك شاهدات وبربوبيتك معترفات وفي قدرتك متحيرات فبالقدرة التي تجير بها من في الأرضين والسماوات إلا صليت على محمد وعلى آل محمد وأخذت قلبه عني فقام المتوكل يخطو حتى اعتنقني ثم قال أتعبناك يا أبا الفيض. وقال يوسف بن الحسين حضرت مع ذي النون مجلس المتوكل وكان مولعا به يفضله على الزهاد فقال صف لي أولياء الله قال يا أمير المؤمنين هم قوم ألبسهم الله النور الساطع من محبته وجللهم بالبهاء من إرادة كرامته ووضع على مفارقهم تيجان مسرته فذكر كلاما طويلا وقد استوفى ابن عساكر أحوال ذي النون في تاريخه وأبو نعيم في الحلية.

   ومن كلامه: العارف لا يلتزم حالة واحدة بل يلتزم أمر ربه في الحالات كلها أرخ عبيد الله بن سعيد بن عفير وفاته كما مر في سنة خمس وأربعين ومئتين وأما حيان بن أحمد السهمي فقال مات بالجيزة وعدي به إلى مصر في مركب خوفا من زحمة الناس على الجسر لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين ومئتين وقال آخر مات سنة ثمان وأربعين والأول أصح وكان من أبناء التسعين ” انتهى من السير ((ج11، ص: 532 فما بعد)).

   فهذه ترجمة العارف بالله ذي النون المصري رحمه الله، وليس فيها حرف مما ادعاه بوخبزة، وهو الشيخ العلامة !!.

   نعم قد قال الإمام الذهبي رحمه الله نحو هذا الكلام ” الشأن في صحة ذلك عنه ” وقوله ” وعن أمثاله ” زادها بوخبزة من كيسه، ولكن ليس في ترجمة ذي النون وإنما في ترجمة أبي يزيد البسطامي رحمه الله.

   قد يقال: فيكون الرجل معذورا وغاية الأمر أنه اختلط عليه رجل برجل.

   فأقول: كلا، فإن سياق الرجل  أي بو خبزة- لا يشير البتة إلى أي اختلاط،فليس في ترجمة أبي يزيد أنه استدعاه الخليفة، وإنما من استدعي هو ذو النون، والاستدعاء ليس له علاقة برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة. على أن تلك الكلمة التي قالها الإمام الذهبي نفسها قالها في سياق غير مرتبط برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقظة، فتأمل !!.

   وإليك نص كلامه رحمه الله تعالى:” وله كلام نافع منه قال: ما وجدت شيئا أشد علي من العلم ومتابعته ولولا اختلاف العلماء لبقيت حائرا. وعنه قال :هذا فرحي بك وأنا أخافك فكيف فرحي بك إذا أمنتك ليس العجب من حبي لك وأنا عبد فقير إنما العجب من حبك لي وأنت ملك قدير وعنه وقيل له: إنك تمر في الهواء فقال: وأي أعجوبة في هذا وهذا طير يأكل الميتة يمر في الهواء.

   وعنه ما دام العبد يظن أن في الناس من هو شر منه فهو متكبر. الجنة لا خطر لها عند المحب لأنه مشغول بمحبته وقال :ما ذكروا مولاهم إلا بالغفلة ولا خدموه إلا بالفترة. وسمعوه يوما وهو يقول :اللهم لا تقطعني بك عنك. العارف فوق ما نقول والعالم دون ما نقول، وقيل له: علمنا الاسم الأعظم قال : ليس له حد إنما هو فراغ قلبك لوحدانيته فإذا كنت كذلك فارفع له أي اسم شئت من أسمائه اليه. وقال: لله خلق كثير يمشون على الماء لا قيمة لهم عند الله ولو نظرتم إلى من أعطي من الكرامات حتى يطير فلا تغتروا به حتى تروا كيف هو عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشرع.

   وله هكذا نكت مليحة وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها، الشأن في ثبوتها عنه أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو فيطوي ولا يحتج بها إذ ظاهرها الحاد مثل: سبحاني، وما في الجبة إلا الله، ما النار لأستندن إليها غدا وأقول اجعلني فداء لأهلها وإلا بلعتها، ما الجنة لعبة صبيان ومراد أهل الدنيا، ما المحدثون إن خاطبهم رجل عن رجل فقد خاطبنا القلب عن الرب، وقال في اليهود ما هؤلاء هبهم لي أي شيء هؤلاء حتى تعذبهم “انتهى.

   فيكون بوخبزة قد كذب على الجنيد وشيخه السري السقطي وعلى الإمام ذي النون المصري وعلى الإمام الذهبي.

   فهل يكون الذاب عن الدين، النافي عنه تحريف الجاهلين وتأويل الغالين وانتحال المبطلين كذابا!!.

   فعلى أصحاب الشريط أن يجيبوني الآن عن حكم هذا التصرف في الدين وهم حماته !!، وهل هو تصرف لا يستوجب التعزيز البليغ في الشريعة؟، وعلى الشيخ بوخبزة أن يعلن توبته علنا في شريط كما كذب علنا في شريط !!.

   وما أحوجك هنا إلى دعوتك ” غفر الله له وهداه إلى الصراط القويم”.

   نسأل الله أن يغفر لنا جميعا ويهدينا إلى سواء السبيل. آمين.

   وأنتظر الرد والجواب.

   على أن لي عودة إلى ما يتعلق بالكذب عند أصحاب الشريط في نظرة قادمة بإذن الله تعالى!!.