لكي يكون لجند الله تصور واحد للخط العام، واجتهاد واحد لما يطرأ، وشورى لها حد تنتهي إليه قبل أن تصبح جدلا، لا بد أن ينبري للاجتهاد جماعة من المؤمنين. إن مشاكل العصر، وتشعب مهماتنا، ومخلفات النقل، واختلاف الإرادة والعقل، لا ينهض لها مجتهد واحد ولا أفراد مجتهدون. لا بد من اجتهاد جماعي. لا بد من مجلس للاجتهاد. ويبقى للأمير الكلمة الأخيرة فيما شجر من خلاف بين المجتهدين، ليرجح حيث عجزوا عن توحيد النظرة. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل الاجتهاد للحاكم. والأمير هو الحاكم الأول، وإنما يجتهد من دونه بتكليفه، ونيابة عنه، وسدا لواجهة هذا الفرض الكفائي فرض الاجتهاد- الذي لا يقدر عليه الأفراد مع جسامة المهمات، وغموض المسالك، وثقل التحملات. روى الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

   مقدمة سنن الإمام الدارمي تصور لنا أن الاجتهاد عند السلف الصالح كان فطريا. فلما تجدد في الأمة فجور تجددت لها أحكام كما قال الإمام عمر بن عبد العزيز. وأثل لنا سلفنا الصالح من علماء الأمة أصولا في الاجتهاد، فبنوا على الكتاب والسنة والإجماع، واختلفوا في القياس والمصالح المرسلة وعلية الأحكام.

   لا يصلح للاجتهاد الجماعي من يرون أن كل شيء في الشريعة تعبدي غير معلول. لأننا بطرد القياس نبقى عاجزين عن مواجهة الحاضر والمستقبل، فبذلك نكفر بشرع الله الصالح إلى يوم الدين. الجماعة المجتهدة إذن هي التي تتفق على الأصول الاجتهادية وتعلم أن للشريعة مقاصد، وإن التحرك نحو هذه المقاصد والوصول إليها تعبدي وعلي في نفس الوقت. نجتهد لإحلال شرع الله محل الشرائع الوضعية لأن الله أمر. فتلك عبادة. ونقيس فيما ليس فيه نص ولا إجماع لضرورة إدخال ما جد من تصرفات الناس، ومعاملاتهم، وعلاقاتهم، تحت حكم الله فتلك علية المصالح المرسلة، ثم نضع في حسابنا ضرورة التدرج في إحلال الحق محل الباطل لأن الله قال: “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه” (الأنعام، 119). نعوذ بالله أن نكون ممن ينتقصون من شرع الله حرفا بدعوى التخفيف على المسلمين! لا، الشريعة في صرامتها وكمالها. لكن التطبيق، والأمة ترجع إن شاء الله للإسلام من مكان بعيد، لا يمكن أن يكون إلا تدرجا.

   ما كلف الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطبق كل الشريعة دفعة واحدة وهو المؤيد المعصوم. إنما نزلت الشريعة تباعا، فانتقل الناس من جاهلية لإسلام. كذلك الرجعة من فتنة لإسلام. لا بد فيها من تدرج. تدرج للضرورة لا إنكارا أن هذا حرام وهذا مكروه، وهذا مندوب.

   سألت أخا ذات يوم: ما تفعل بهذه الأبناك الربوية وهذا الفساد في الأمة لو أصبحت غدا صاحب الأمر؟.

   قال الأخ الصالح: أقف كل شيء وأدعو الله أن يفتح! قلت: إذن لا تدوم دولتك أكثر من ثلاثة أيام!، ثم إنك تكفر بالله عز وجل الذي جعل من نواميس الكون التدرج لا الطفرة، وأوجب عليك اتخاذ الأسباب الأرضية في جهادك، لا طلب الكرامة والمعجزة فيما يخرق نواميسه.

   بعد هذا ومعه لا بد من اجتهاد جماعي.

   روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وعند ابن ماجه قوله صلى الله عليه وسلم: إن أمتي لن تجتمع على ضلالة. فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم صححه السيوطي. وفي الحديث مبدأ الأخذ برأي غالبية المجتمعين.

   فذكر جماعة في الحديثين فمتى اجتمعت عصبة من العلماء على اجتهاد كان أقرب أن يكون اجتهادهم شرع الله. بسلطانين اثنين: أولهما سلطان أنهم حكام اجتهدوا، وبسلطان كون اجتهادهم جماعيا.

   نعم الأمثل أن يجتمع أفذاذ علماء الأمة كلها من كل الأقطار لهذا الاجتهاد. لكن الاضطهاد، والاحتواء، والتخويف، وتسرب علماء السوء إلى المحافل المختلطة يعوق دون ذلك. فما كان اجتهادا رسميا في الفروع اجتمع عليه علماء المسلمين، ورضيه الحكام لأنه لا يصدم مشروعهم التسلطي، قبلناه. ثم يستقل كل قطر باجتهاده الخاص حتى يأذن الله بكسر السدود وتوحيد الأمة.

   الاجتهاد الجماعي عند سلفنا الصالح نجد أمثلة له عند الإمام الدارمي في سننه.

   روي عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله، فإن وجد ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة قضى بها فإن أعياه أن خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء. فيقول أبو بكر : الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا. فإن أعياه ان يجد فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم. فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضاه.

   الإمام الصديق رضي الله عنه لا يأنف أن يسأل. أمانة وقوة. فالخائن لا يتورع عن الزعم الظني، والضعيف، لجهله وطلبه حفظ حرمته ولو بالباطل، لا يعترف بالصواب إن جاء من غيره. ثم يسأل الإمام الصديق رؤوس الناس وخيارهم. لا يوسد الأمر إلى غير أهله. فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضاه. قياس وإجماع.

   وروى الإمام الدارمي عن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر اجتمعوا لها وأجمعوا. فالحق فيما رأوا! فالحق فيما رأوا!.

   وروي عن حميد قال: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو جمعت الناس على شيء! فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا. قال: ثم كتب إلى الآفاق، أو إلى الأمصار، ليقضي كل قوم بما اجتمع عليه فقهاءهم.

   ترك الخليفة الراشد أمر الاجتهاد لكل مصر، ولم ير في الخلاف بأس. كذلك نحن في أقطار التجزئة ما دمنا في مراحل الزحف قبل الوحدة.