يمر العالم الإسلامي اليوم بمرحلة عصيبة، سواء كان ذلك سياسيا أم اجتماعيا، أم اقتصاديا أم إعلاميا.. وبما أن الإعلام الإسلامي، وأمام تلك التحديات التي تواجهه، لم يستطع بعد إثبات وجوده، بل ولنقلها بكل صراحة، لم يتحقق بعد وجود إعلام إسلامي أصيل، له رسالة واضحة وهدف منشود.

   إننا عندما نتحدث عن إعلام إسلامي، فلابد أن نستحضر معنى الرسالة الإعلامية الإسلامية التي تتغيى أولا التعريف بمبادئ ديننا الحنيف، ولابد أيضا أن تكون لنا استراتيجية واضحة المعالم، نحدد من خلالها ما نتوخاه من إعلامنا على المدى المتوسط والبعيد.

   إن الدعوة الراشدة في الوقت الراهن يجب أن تتوفر حتما على إعلام واع بكل مسؤولياته، إعلام يحمل على عاتقه التعريف أولا بمبادئ الإسلام، التي لا يمكن أن تكون صحيحة إلا باتباع سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم “تركت فيكم ما إن اتبعتموه لن تظلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي”، إعلام يكون نافذة على المجتمع المفروض أن يكون إسلاميا، إعلام يقوم بدور تصحيح صورة الإسلام لدى الغرب الذي بات يكيل للإسلام وللمسلمين الحقد والكراهية…

   وقبل هذا وذاك، وحتى تتحقق مبادئ الوحدة، فلابد لإعلامنا الإسلامي أن يسعى إلى التقريب بين الشعوب الإسلامية “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” صدق الله العظيم، لأن في ذلك مساهمة جلية في دعم اتجاهات الوحدة الإسلامية أولا، ومساندة لكل المشروعات الهادفة التي يكون من شأنها توحيد الصف الإسلامي.

   إن الحديث عن تأصيل رسالة الإعلام الإسلامي، هذه الرسالة النبيلة، باتت ولاشك، من أولويات العاملين في مجال الدعوة المرتبطين والمهتمين بالإعلام، ولاشك أيضا أن هناك تحديات جمة وجب العمل على تخطيها كي تكون لتلك الرسالة أهدافا وجب تحديدها والعمل من أجل تحقيقها على مراحل: منها ما هو آني (التربية على مبادئ الإسلام؛ التكوين في المجال الإعلامي؛ تصحيح صورة الإسلام والتعريف به لدى الغرب؛ نشر قيم التسامح؛ بناء وعي إسلامي لدى المجتمعات الإسلامية)، ومنها ما هو على المدى المتوسط: (العمل على إعداد طاقات بشرية إعلامية مؤمنة برسالتها الإسلامية تكون مزدوجة التكوين؛ إيجاد استثمارات اقتصادية من شأنها دعم المنابر الإعلامية الإسلامية بمختلف أصنافها حتى تضمن لها الاستقلالية؛ إعداد برامج هادفة بعيدة عن التعصب والغلو، مؤمنة بحق الاختلاف، تقوم بنشر ثقافة وحضارة الإسلام بمختلف اللغات…). أما على المدى البعيد، فيكون الهدف الأسمى هو تحقيق وحدة إسلامية يساهم فيها الإعلام الإسلامي بالحظ الأوفر، وذلك بإيجاد قنوات وفضاءات إعلامية مواكبة للتطورات العلمية والرقمية، تتحدث بلغة تعبر عن أمة واحدة “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون” صدق الله العظيم.

   لاشك إذا أنه على إعلامنا الإسلامي تحديات وجب التخطيط لتجاوزها  وإن كنا متأخرين جدا في ذلك- وهو، أي الإعلام الإسلامي، يحتاج في ذلك حتما إلى وسائل لتحقيق تلك الأهداف السامية، وسائل لا تقل شأنا عما يتوفر عليه الغرب الآن، وما سيتوفر عليه مستقبلا. ولعل أكبر تحدٍّ هو تشخيص واقعنا الإعلامي والإقرار بدونيته، والعمل على تظافر الجهود من الناحيتين، السياسية والاقتصادية، لأجل تخطي العقبات وتحقيق الآمال.

   * دور العلماء والدعاة:

   هل يمكن الحديث عن إعلام إسلامي دون التطرق لدور العلماء والدعاة في هذا المجال؟

   سؤال يتكرر كثيرا، والأصل في الأمر هو إلزامية وجود مكان رئيسي للعلماء في رحاب وسائل الإعلام، لا بل ومن الضروري أن تكون هناك علاقة وطيدة بين علمائنا والشباب الإعلامي المسلم المتخصص حتى ينهل من علمهم وفضلهم. بل والأكيد أكثر، هو أن يكون للإعلاميين الإسلاميين تكوين شرعي (ما يجب أن يعلم من الدين بالضرورة) حتى تكون رؤيتهم لعملهم الإعلامي واضحة.

   لا يمكن لأحد أن يتنكر لدور العلماء والدعاة في نشر قيم ومبادئ الإسلام السمحة. وبحكم التطور الحاصل، فكريا وثقافيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإعلاميا، وجب على وسائل الإعلام الإسلامية أن تنهل من تطور وتغير الأحكام الشرعية المواكبة لكل ذلك؛ والأمر يتطلب بالضرورة مواكبة علمائنا لهذا التطور.

   إن العلماء المواكبين المجتهدين المجددين، بتربيتهم وإرشادهم، لمن شأنهم أن ينبهوا الأمة ويوجهوها نحو طريق الفلاح، ولا يمكن أن يحصل ذلك بالطبع إلا إذا توفرت الإرادات الذاتية لعلمائنا من أجل التطور والتعرف على مختلف علوم العصر الحديثة، سياسة واجتماعا وإدارة واقتصادا وإعلاما… وكل فئة من العلماء وجب تخصصها في مجال من هذه المجالات حتى تُركَّز الجهود المبذولة، وحتى يواكب الإفتاء التطور الذي يفرضه العصر.

   ومن ثمة، فإن الدور الذي يمكن أن يقوم به العلماء في تطوير عمل الإعلام الإسلامي دور حيوي للغاية. إن الاجتهاد لا يعني تغيير أصول الدين، وإنما المقصود به أن يرتكز أساسا على العلوم الحديثة، تلك التي تدخل في إطار فروض الكفايات … وإن تعذر وجود علماء من هذه الشاكلة، فالأجدر الاستعانة بعلماء الأمة المتخصصين في باقي مجالات العلم الحديث.

   لأجل النهوض بإعلامنا الإسلامي، ولأجل مواكبة عصر الفضائيات الرقمية وتكنولوجيا الإعلام، وجب أن يكون من بين أولى أولوياتنا تكوين الأطر الإسلامية الكفأة للمضي قدما بإعلام إسلامي متطور، ثم إيجاد آليات العمل الصحيحة والمساعِدة على خلق فضاء إعلامي مسلم ملتزم ومنفتح على كل المستجدات … وحتى تتحقق الوحدة المنشودة، لابد من فسح المجال أيضا لكل الطاقات كي تساهم في صناعة القرار.