قصيدة البردة.. دُرَّةُ المديح النبوي

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

   الحمد لله الذي أَلْهَمَ الطير عذبَ الألحان، تسبيحاً بحمده في جو السماء وعلى الأفنان، والصلاة والسلام على من تسابق في مدحه صَفْوَةُ أهلِ البيان، وتفانى في حبه بفضل الله ومَنِّه خِيرَةُ بني الإنسان، وأضاء نوره الهادي ظلمات القلوب والأكوان.

   أما بعد..

   فَقَدْ عَنَّ لي وأنا منهمك في إعداد شرح مُخْتَصَر لقصيدة البردة أن أجعل من مقدمتها حلقة في هذه السلسلة لاِنسجام دُرَّةِ الإمام البوصيري مع نسيج وسياق هذه الحلقات، ولتزامن الفكرة مع إطلالة هذه الأيام الغرَّاء -من عامِنا المباركِ هذا (2006)- التي الْتَأَمَتْ فيها ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم بِشَهْرَيْهَا ربيعٍ الأولِ حسب التقويم القمري وأبريلَ حسب التقويم الشمسي، وأَوْتَرَ الشَّهْرَيْنِ فصلُ الربيع وألقى عليهما بل استمدَّ من زِينَةِ ربيعٍ الأولِ لزِينَتِه ليتفق الزمانُ والمكانُ والحالُ مَعاً على الاِحتفاء بِرحمة العالمين صلى الله عليه وسلم.

   فلا غرابة أن يكون ربيع هذا العام استثنائيا، بل نرجوه بداية قاعدة لِمَا يلي من أيام الله يُنْصَرُ فيها نَبِيُّهُ وعَبْدُهُ ويُعَزُّ جُنْدُه ويُهزم الشيطانُ وحِزْبُه.

   فَلْنَحْتَفِ بذكرى هذا المولد النوراني العظيم، ولنحتف بواحد مِمَّن أنعم عليهم رب العالمين بنعمة مدح رحمة العالمين…

الإمام البوصيري   هو محمد بن سعيد بن حَمَّاد بن محسن بن عبد الله بن حياني الحبوني الصنهاجي أبو عبد الله شرف الدين الدَّلاصيُّ المولد، المغربي الأصل، البُوصِيريُّ المنشأ. وقد قال مشيراً إلى أصله المغربي معتزّاً به:فَقُلْ لَنَا مَنْ ذَا الأَدِيبُ الَّذِي *** زَادَ بِهِ حُـبِّي وَوَسْـوَاسِي

إِنْ كَانَ مِثْلِي مَغْرِبِـيّاً فَمَا *** فِي صُحْـبَةِ النَّاسِ مِنْ بَاسِ

وَإِنْ يُكَذِّبْ نِسْبَتِي جِئْـتُـهُ *** بِجُـبَّتِي الصُّـوفِ وَدَفَّاسِي   وُلِدَ يوم الثلاثاء فاتحَ شوَّال سنة 608 للهجرة؛ حفظ القرآن الكريم ودرس العلوم الدينية وبعضاً من علوم اللغة والأدب والتاريخ.

   أقبل على التصوف فتتلمذ، إلى جانب صديقه وزميله ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه، على الشيخ أبي العباس الْمُرْسي تلميذِ الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين. وقد قال مادحاً شيخه أبا العباس:فَاصْحَبْ أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ آخِذاً *** يَدَ عَارِفٍ بِهَوَى النُّفُوسِ مُنَجِّدِ

فَإِذَا سَقَطْتَ عَلَى الْخَبِيرِ بِدَائِهَا *** فَاصْـبِرْ لِمُـرِّ دَوَائِهِ وَتَجَـلَّدِ

وَإذَا بَلَغْتَ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مِنْ *** عِلْمَيْهِ فَانْقَعْ غُلَّةَ القَلْبِ الصَّدِي   وإلى جانب ما تقدم كان الإمام البوصيري خطَّاطاً يُجيد فن الخط ويزاول مهنةَ كتابة الألواح التي تُكْتَب شواهدَ على القبور.

   توفي الإمام البوصيري سنة 696 للهجرة عن ثمانية وثمانين عاما.

قصيدة البردة   تُعْرَف هذه القصيدة بعدة أسماء منها: “الكواكبُ الدُّرِّيَّة في مدحِ خيرِ البريَّة”، ومنها: “أمُّ القرى في مدح خير الورى” ولكنها اشتهرت بالْكُنْيَة التي كنَّاها بها صاحبها: “البردة”. وفي إطلاقه لهذه الكنية على البردة روايات وتأويلات منها أن البردةَ/القصيدةَ تضم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم كما ضمَّت البردةُ/الْكِسَاءُ شخصَه الشريف صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال في قصيدة أخرى:حَاكَ مِنْ صَنْعَةِ الْقَرِيضْ بُرُوداً *** لَكَ لَمْ تحْكِ وَشْـيَهَا صَنْـعَاءُ   وقد اختلف الناس في سبب تسمية البردة من قديم على روايات كثيرة بين مُنْكِرٍ ومكذِّب وبين مُبَالِغٍ ومُصدِّق. وأرى أن نتجاوز الإنكارَ والتكذيب والمبالغة والتصديق ونَنْفُذَ إلى لُبِّ ما رمى إليه البوصيري مِنْ وراء تحفته البديعة.

   لقد سار ذكر البردة في كل الآفاق حتى غَدَتْ أشهر قصيدة في تاريخ الأدب العربي والأدب الإسلامي على الإطلاق؛ إذْ حفظها الخاص والعامّ وتغنَّت بها الشعوب الإسلامية كلٌّ بأنغامها الخاصة، وتُرجِمَت إلى كثير من اللغات. وقد عارض البردةَ (نسج على منوالها) كثيرون منهم محمود سامي البارودي [2] بِمِيـمِيَّـتِه التي مطلعها:يَـا رَائِـدَ البَرْقِ يَمِّـمِ دَارَةَ الْعَـلَمِ *** وَاحْـدُ الغَمَـامَ إِلَى حَيٍّ بِذِي سَـلَمِ   غير أن أشهر من عارض البردةَ في هذا العصر أحمد شوقي بقصيدة “نهج البردة” التي مطلعها:رِيــمٌ عَلَى الْقَـاعِ بَيْنَ الْبَانِ وَالعَلَمِ *** أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الأَشْهُرِ الْحُـرُمِ   وقد شهد شوقي في مِيمِيّـَتِه بِرِيَادَةِ الإمام البوصيري وإمامتِه في المديح النبوي. شهادةٌ وَقَّعَهَا شوقي بأدَب جَمٍّ: الْمَادِحُونَ وَأَرْبَابُ الْهَـوَى تَــبَعٌ *** لِصَــاحِبِ البُرْدَةِ الفَيْحَاءِ ذِي الْقَدَمِ

مَدِيـحُهُ فِيكَ حُبٌّ خَالِصٌ وَهَـوىً *** وَصَــادِقُ الْحُبِّ يُمْلِي صَادِقَ الْكَلَمِ

اللهُ يَشْـهَـدُ أَنِّي لاَ أُعَــارِضُـهُ *** مَنْ ذَا يُعَارِضُ صَوْبَ الْعَارِضِ الْعَرِمِ

وَإِنَّمَـا أَنَا بَعْـضُ الْغَابِطيـنَ وَمَنْ *** يَغْبِــط وَلِيـَّكَ لاَ يُـذْمَمْ وَلاَ يُـلَمِ   وشوقي وإن كان شاعراً مطبوعاً وبَلَغَ ما بَلَغَ من شَأْوٍ في “نهج البردة” إلاَّ أنه لا يرقى بها إلى مَراقِي البوصيري في بردته؛ وشتَّان شتَّان ما بين البردة ونهجها.. شتَّان شتَّان ما بين الأصل والصورة!!!

   في قصيدة البردة بَسَطَ الإمام البوصيري بِما فتح له المولى تعالى من ألوان البيان وبِما لا يُشَقُّ له فيه غُبار مما لا ترقى الصنعة المكتسبة إلى ذُرَاه.

   إن قصيدة البردة ليست جُهْداً فكريا وبَيَانِيّاً وخياليّاً وفنِّيّاً بَذَله شاعرٌ بغرض التكسب منه لحظوظ نفسه ودنياه، إذاً لما تفاعلت بها ولها أفئدة الناس، ولما ظلَّت روحها متوهِّجَةً مشبوبةً على مدى الأزمان؛ بل هي كما قال هو: قُلْ لِلْمُحَاوِلِ شَـأْواً فِي مَدَائِحِهِ *** هِيَ الْمَوَاهِبُ لَمْ أَشْدُدْ لَهَا زِيَمِ

وَلاَ تَقُلْ لِي بِمَاذَا نِلْتُ جَـيِّدَهَا *** فَمَا يُقـالُ لِفَـضْلِ اللهِ ذَا بِكَمِ

لَوْلاَ الْعِنَايَةُ كَانَ الأَمْرُ فِيهِ عَلَى *** حَدِّ السَّوَاءِ فَذُو نُطْقٍ كَذِي بُكُمِ   إنه فضل الله أن يَرْفَعَ ذِكْرَ من يحب ببركة حب من يحبه صلى الله عليه وسلم.

   إنها الصدقة الجارية التي تجري بالفضل والخير والْمِنَن من خزائن الغيب إلى رصيد العبد عند ربه إلى آخر الزمان.

   ما سرُّ هذا الذِّكْر المرفوع للإمام البوصيري ولِبُردته الشريفة بشرف خير ممدوح صلى الله عليه وسلم؟

   هل “البردة” تُحْفَةٌ بيانية فنية لمن أراد الغوص في بحار لغة القرآن والتجَمُّل بصدفاتها وكنوزها؟

   هل هي مادَّة تربوية توجيهية في النفس يَأْتَمُّ بها السالكون؟

   أم هي تَأْرِيخٌ وتوثيق لحياة وفضائل ومعجزات وجهاد وسيرة خير الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟

   ربما كانت مادةً غنائيةً “تنشيطية” للمحبين تنطق عما تفيض به أفئدتهم من حب وشوق ولوعة وهيام بالقدوة الأسنى صلى الله عليه وسلم.

   أو لعلَّها مناجاةٌ رقيقة بَثَّهَا قلبٌ رقيقٌ وفؤادٌ وَلِهٌ وروحٌ مُتْعَبَةٌ خائفةٌ راجيةٌ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَة.

   أهي درس بليغ في حُسن التأدُّب مع حبيب الله صلى الله عليه وسلم؟

   أَمْ هي مثال حيّ للمحبِّ الصادق الْمُتَّبِع المقتدي؟

   هل هي واحدة من هذه؟ أم هي بعضٌ من هذه؟ أم إنها كلُّ هذه وغيرُ هذه؟

   لقد سار البوصيري في بردته على منهج مُلْهَمٍ جَلِيٍّ واضح وخطَّةٍ دقيقة مرسومة، متطرقاً إلى عدة موضوعات متأمِّلاً النموذج النبوي الكامل مقتبساً من أنواره من كل زواياه.

   ففي البردة عظيمُ مشاعرِ الحب والشوق إلى النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم مما عَدَّدَ الشاعرُ أدلَّةَ صدقها من عين دامعة وقلب مضطرم وجسم أَنْحَلَه الضَّنى.

   ويظن بعضٌ أن البردة مِنْ نوع الشِّعر الذي يجعل من الغزل والتشبيب والخمريات لغةً رامزةً إلى مفردات معاني الحب الإلهي والحب النبوي وما يتصل بهما من معاني السلوك إلى الله تعالى، رامزةً بليلى وأخواتها وبالْكَرْمِ ورحِيقِه مِمَّا يُدَوِّخُ القارئ والسامع في متاهات مفرغة ويشوِّش على جهاز الاِستقبال، والْمُبَرِّرُ ينطبق عليه قول الشاعر المهجري رشيد أيوب: كُلٌّ يُغَنِّي عَلَى لَيْلاَهُ مِنْ شَغَفٍ *** يَطْوِي السِّنِينَ بِأَحْـلاَمٍ وَآمَالِ   تَمَعَّنْ في مطلع قصيدة البردة؛ لقد تعوَّد الشعراء الاِفتتاح بذكر الحبيب والأطلال… وهكذا فعل الإمام البوصيري، لكنه قصد حببياً واحداً ودياراً واحدة. حبيبٌ دَلَّ عليه بديارٍ رَمَزَ إليها بِمَعَالِمَ كلُّها تدلُّ على الحبيب المعلوم صلى الله عليه وسلم: “ذُو سَلَم”، “كَاظِمَة”، “إِضَم” “الْبَان”، “الْعَلَم”.أَمِنْ تَـذَكُّرِ جِِيـرَانٍ بِذِي سَـلَمِ *** مَزَجْتَ دَمْـعـاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

أَمْ هَـبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تلقاء كَاظِمَةٍ *** وَأَوْمَضَ الْبَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ

فَمَا لِعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُــفَا هَمَتَا *** وَمَــا لِقَلْبِـكَ إِنْ قُلْتَ اسْتَـفِقْ يَهِمِ

لَوْلاَ الْهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعاً عَلَى طَلَلٍ *** وَلاَ أَرِقْتَ لِذِكْرِ الْبَـانِ وَالْعَـــلَمِ   …

   تَمَعَّنْ في قوله:

   “أَمِنْ تَذَكُّرِ جِِيرَانٍ”، لقد أَتْبَعَها مباشرة بقوله: “بِذِي سَلَمِ”؛ ما استفاض فيما تعوَّد الشعراء الاِستفاضةَ فيه، وما أرْخى زِمامَ خيالِ القارئِ لِيَتِيه في دروب ليْلَى ونُعْمَى وسُعاد!!!

   فَمَا لِعَيْنَيْكَ إِنْ قُلْتَ اكْفُفَا هَمَتَا…

   كُلَّما كَفْكَفَ دمعه هَمى أكثر فأكثر…

   ولا يستفيق قلبه من الهيام إلاَّ لِيَغْرَق فيه.

   هذا هو الحب.. الحب الحقيقي..

   هذا هو التعلُّق الصادق..

   وفي البردة توجيهات تربوية حول النفس الأمارة بالسوء؛ وما كان انتفع الإمام البوصري بصحبة شيخه أبي العباس المرسي ورفيقه ابن عطاء الله السكندري صاحب الْحِكَم إن لم يَكُنْ بَسَطَ للقارئ قواعد في التعامل مع النفس:وَالنَّفْسُ كَالطِّفْلِ إِنْ تُهْمِلْهُ شَبَّ عَلَى *** حُبِّ الرَّضَـاعِ وَإِنْ تَفْطِـمْهُ يَنْفَطِمِ   وفي البردة ذكر لفضائله وشمائله صلى الله عليه وسلم:فَاقَ النَّبِـيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُـلُقٍ *** وَلَمْ يُدَانُـوهُ فِي عِلْمٍ وَلاَ فِي كَرَمٍ   وفيها توثيق لمولده ومعجزاته صلى الله عليه وسلم ومنها معجزة آيات القرآن الخالدة التي:

إِنْ تَـتْلُهَا خِيفَةً مِنْ حَـرِّ نَارِ لَظىً *** أَطْفَـأْتَ نَارَ لَظىً مِنْ وِرْدِهَا الشَّبِمِ   وفيها توثيق لإسرائه ومعراجه صلى الله عليه وسلم:سَرَيْـتَ مِنْ حَرَمٍ لَـيْلاً إِلَى حَرَمٍ *** كَمَا سَرَى الْبَدْرُ فِي دَاجٍ مِنَ الظُّلَمِ

وَبِتَّ تَـرْقَى إِلَى أَنْ نِلْتَ مَنْــزِلَةً *** مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُرَمِ   وفيها ذكر لجهاده صلى الله عليه وسلم وجهاد أصحابه الذين التفُّوا حوله وانجذبوا إليه صلى الله وسلم انجذاب المعدن إلى المغناطيس في جماعة مؤمنة تَخْفُقُ نبضات قلوبها على وتيرة نبضات قلبه المتعلِّق بالله الطاهر بذكر الله العامر بحب الله الفيَّاض بمدد الله.

   ويظن بعض الناس أن البردة رمز للشعر الصوفي الذي يكرِّس الاِنْزِواء والهروبَ من المجتمع والعزلةَ عنه والفردانيةَ فيه ويُخَدِّر العقولَ والنفوسَ بروح شعار: “دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر”.

   هذا البعضُ من الناس جمع الشِّعرَ الصوفي كلَّه في سلة واحدة ووضعه تحت عنوان واحد فحكم عليه بحكم نافذ واحد.

   أنصِتْ إلى الإمام البوصيري وهو يصف بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ويشبِّه الصحابة المجاهدين بالبحر متلاطِم الأمواج وبالجبال وبالسَّـيِّد المتلهِّف إلى لقاء العدو الظالم: رَاعَتْ قُـلُوبَ الْعِدَا أَنْبَاءُ بِعْثَـتِهِ *** كَنَبْـأَةٍ أَجْـفَلَتْ غُفْلاً مِنَ الْغَـنَمِ

يَجُـرُّ بَحْـرَ خَمِيسٍ فَوْقَ سَابِحَةٍ *** يَرْمِي بِمَوجٍ مِنَ الأَبْطَالِ مُلْـتَطِمِ

مِنْ كُلِّ مُـنْـتَدِبٍ للهِ مُحْـتَسِـبٍ *** يَسْطُو بِمُسْتَـأْصِلٍ لِلْكُفرِ مُصْطَلِمِ

هُمُ الْجِبَالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مُصَــادِِمَهُم *** ماذا لَـقِي منهم فِي كُلِّ مُصطَدَمِ

طَارَتْ قُلُوبُ الْعِِدَا مِِنْ بَأسِهِمْ فَـرَقَاً *** فَمَا تُـفَـرِّقُ بَيْنَ الْبَهْمِ وَالـبُهَمِ   تَأَمَّلْ في بيته هذا:كَأَنَّمَا الدِّينُ ضَيْفٌ حَلَّ ساحَـتَهُمْ *** بِكُلِّ قَرْمٍ إِلَى لَحْمِ الْعِـدَا قَـرِمِ   الْقَرْمُ هو السيِّد الكريم، والْقَرِمُ هو الشديد الشهوة إلى الطعام.

   هل هذا شِعْرٌ صوفي؟ أقصد: هل تَعَوَّدَ شعراء التصوف التعبير بهذا الخطاب قوي اللهجة؟!!!

   أظن أن هؤلاء “الحداثيين” لو قرأوا هذا البيتَ لاتَّهَموا صاحبنا البوصيري بالتطرُّف والإرهاب بل بالإمامة فيهما!!!

   أما ختام القصيدة فَتَوَسُّلٌ به صلى الله عليه وسلم ومناجاةٌ رقيقةٌ ودعاء:يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ *** سِوَاكَ عِنْدَ حُلُولِ الْحَادِثِ العَمِمِ

وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللهِ جَاهُكَ بِي *** إِذَا الْكَريــمُ تَجَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ   هذه هي البردة: مِنْ أجمل ما أُهدي إلى أُمَّةِ سيدِنا محمدٍ عليه الصلاة والسلام من أَبْدَعِ ما نطق به شاعر بعد عصر الرسالة على مدى قرون وقرون:

   – تَشَوُّقٌ للنبي الحبيب ولديار النبي الحبيب عليه أزكى صلاة وسلام..

   – وتذكيرٌ للعبد بربه وبما يلزم من تشمير استعداداً للقائه تعالى..

   – وتحبيبُ نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الناس..

   – وتفعيلٌ لاِنتساب العبد إلى خير أمة أُخرجت للناس..

   – وتوبةٌ والتجاءٌ وتسليمٌ وضراعةٌ للباري عز وجل: يَا نَفْسُ لاَ تَقْـنَطِي مِنْ زَلَّةٍ عَظُمَتْ *** إِنَّ الْكَــبَائِرَ فِي الغُفْرَانِ كَاللَّـمَمِ

لَعَلَّ رَحْمَـةَ رَبِّي حِيـنَ يَقْسِمُـهَا *** تَأْتِي عَلَى حَسَبِ الْعِصْيَانِ فِي الْقِسَمِ

يَا رَبِّ وَاجْعَلْ رَجَائِي غَيْرَ مُنْعَكِسٍ *** لَدَيْكَ وَاجْعَلْ حِسَابِي غَيْرَ مُـنْخَرِمِ

وَالْطُفْ بِعَـبْدِكَ فِي الدَّارَيْنِ إِنَّ لَهُ *** صَبْراً مَـتَى تَدْعُهُ الأَهْوَالُ ينْـهَزِمِ   رحم الله الإمام البوصيري وجزاه الله عن الإسلام ونبي الإسلام وأهل الإسلام خير ما جزى به مادحاً لنبي الله منافحاً عن دين الله..

   آمين آمين آمين…

   والحمد لله رب العالمين…

في الحلقة التالية إن شاء الله   تقف فرقنا الغنائية اليوم أمام مفترق للطرق شديد الأهمية. شِدَّةٌ فَرَضَتْهَا طبيعة التحولات الذاتية والموضوعية التي تَضِجُّ بها الساحة وتَعُجّ. ومن هذه التحولات سعيُ الفرقِ الحثيثُ لتوظيف الآلات الموسيقية في إصداراتها وأنشطتها.

   نعم.. الآلات الموسيقية ميزةٌ أخرى تزيد الممارسةَ الفنيةَ قوةً والفِرقَ الغنائيةَ إشعاعاً وتأثيراً.. لَوْلاَ…