بمناسبة ذكرى المولد النبوي، عرفت مدينة بروكسيل إقامة حفل ثقافي فني تحت شعار “هل يعرف الغرب رسول الإسلام”، بمشاركة الأساتذة: محمد العبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، وأحمد الرحماني، وفرانسوا كلارينفال، ويونس العلوي، بالإضافة إلى مجموعة “الندا”.

   في البداية تناول الكلمة الأستاذ فرانسوا كلارينفال “Pr. François Clarinval”، وهو رجل تعليم بلجيكي مسلم، حيث تحدث عن تاريخ العلاقة بين المسلمين وغيرهم التي ابتدأت بحرب كلامية منذ بعثة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، الذي نعت بالرسول الكاذب أو الرسول غير الحقيقي (faux prophète)، واعتبر المسلمون كفارا ومشركين…

   ومع بداية القرن 12م، أي بداية الحروب الصليبية، عرف هذا الوضع نوعا من التغيير، حيث أن مجموعة من النصارى وباحتكاكهم بالمسلمين في الشرق الأوسط، بدؤوا يتعرفون على الإسلام في حقيقته ونقلوا ذلك لأوربا، والنصوص الشاهدة على ذلك كثيرة.

   ومع مطلع القرن 16م، شرع الأوربيون في تدريس اللغة العربية والإسلام في بعض الجامعات في فرنسا وإنجلترا، وذلك بمبادرة من بعض الملوك ورجال الدولة لا رجال الدين، وهي مبادرة يحركها الخوف من الدولة العثمانية التي كانت في أوج قوتها آنذاك.

   وقد حدث في هذه الفترة أن أسرت الدولة العثمانية “شارل الثاني” ملك السويد لمدة من الزمن، حظي فيها بمجموعة من الحقوق وأحسنوا معاملته، مما دفع العديد من المثقفين آنذاك إلى إعادة النظر في حكمهم على الإسلام، ففولتر “Voltaire” مثلا، يقول في كتابه “Essai sur les mSurs”:

“Ce fut très certainement un très grand homme qui forma de grands hommes& il joua le plus grand rôle qu”on puisse jouer sur la terre au yeux du commun des hommes”.

   وبدأ علماء أوربا خاصة البروتستان بالرجوع للنصوص الإسلامية الأصلية، ودرسوا اللغة العربية من أجل ذلك، وظهرت أول ترجمة للقرآن الكريم في القرن 17م. وبدأوا يقرون أن الرسول الكريم شخصية مهمة في تاريخ الإنسانية.

   ولقد عرف القرن 19م ظهور التيار الرومانتيكي الذي اشتهر بإعجابه بالمشرق. وقام مجموعة من الكتاب برحلات كبيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا. يقول الكاتب Alphonse de LAMARTINE في كتابه الذي صدر عام 1865 بعنوان “Les grands hommes de l”orient”:

“Fondateur de 20 empires terrestres et d”un empire spirituel, voilà Mohamed! A toutes les échelles où l”on mesure la grandeur humaine, quel homme fut plus grand?”.

   ولقد أعجب الكثير من الكتاب بشخصه صلى الله عليه وسلم، حتى أن هناك من قال أن فكتور هيكو مات على الإسلام.

   ومع كل هذه التطورات في الفكر الأوربي، هناك جهل كبير بحقيقة الرسول صلى الله عليه وسلم، والكاريكاتورات أكبر دليل على ذلك، ومن هنا تأتي مهمة المسلمين في التعريف بسيدنا محمد في أولى الأولويات الآن أكثر من أي وقت مضى، نظرا للحضور الإسلامي القوي على الأراضي الأوربية.

   ثم تناول الكلمة الأستاذ الدكتور يونس العلوي، المحاضر في الجامعة الإسلامية بمدينة روتردام بهولندا متحدثا عن علاقته صلى الله عليه وسلم باليهود والنصارى والمشركين ممن رفضوا الدخول في الإسلام، وهي علاقة تميزت بالعفو والسماحة ومقابلة السيئة بالحسنة.

   وذكر الأستاذ بالعديد من الشواهد على ذلك، كقصة اليهودي الذي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن عرفه أن عفى عنه، كما عفى عن اليهودية التي حاولت تسميمه.

   ولعل أعظم الأمثلة في هذا السياق، قوله صلى الله عليه وسلم لمشركي مكة بعد فتحها: “اذهبوا أنتم الطلقاء”.

   إن هذه المعاملة الراقية يجب أن تنير سلوك المسلمين كما أضاءت سلوك الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بالإنفاق على أهل الذمة من بيت مال المسلمين عند شيخوختهم، لأنهم أعطوا الجزية طيلة فترة شبابهم. وسعى صلاح الدين الأيوبي رحمه الله إلى حقن الدماء ما أمكنه إبان الحروب الصليبية، لدرجة أنه أرسل دواءا لـ”رتشارد” قلب الأسد ملك إنكلترا وأحد قادة جيوش النصارى كان سببا في شفائه.

   ثم تناول الكلمة الأستاذ أحمد الرحماني مدير مؤسسة Alter للنشر والتوزيع بباريس، ليؤكد على أننا نحتاج لمنهجية بناءة لمقاربة قضية العلاقة بين المسلمين وغيرهم، خصوصا وأننا نعيش في وقت ينتقد فيه الكل حال الأمة ولا أحد يطرح على نفسه سؤال: ما ذا يجب أن أفعل؟

نقل إلينا أصحاب السِّير جميع تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم، والخلاصة المؤكدة هي أنه رحمة للعالمين، فلا يمكن لأمة بهذا التاريخ أن تكون منغلقة على نفسها، وأن تقصي كل من لا يومن بدينها، بل هي أمة حوار وتواصل.

   ولقد أتحفت مجموعة الندا الحضور بمجموعة من الأمداح النبوية العطرة، تخللتها كلمة الأستاذ محمد العبادي، الذي أشاد بالحضور الذي اجتمع محبة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، مذكرا أن كل ما خلق الله تعالى من كائنات تشتاق للحبيب المصطفى، ومبينا لأهمية الاجتماع لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدارس سنته وسيرته وشمائله.

   وأشار إلى أن منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم يكاد يكون غائبا عن حياتنا. فهذه مناسبة لتقديم الاعتذار له على التقصير، بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم استعاد الإنسان حريته وكرامته وإنسانيته، ليتحرر من عبادة البشر ويعبد الله تعالى وحده، وليخرج من جور الأديان إلى عدل الإسلام.

   رسول الله نور يسري في الوجود، وقرآن يمشي على الأرض، ونحن محتاجون لهذا النور ليضيء حياتنا، في أوربا مستشرقون يدَرِّسون القرآن والحديث والسيرة … لكنهم لم يؤتوا نور النصوص، فهم ينثرونها نثر الدقل.

   كان جيل الصحابة والتابعين يحتفلون برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت وحين، فإن أردنا أن نكون مثلهم فلن يتأتى ذلك بقراءة الكتب بل بصحبة من صحب … من صحب رسول الله.