وأما النماذج الثلاثة السلبية:

فالأول: السعودية ودول الخليج عموما

   إن النظام السياسي في السعودية وما تحيط بها من إمارات النفط والمال، يشكل الصورة السلبية لنظام يتوفر على كل مقومات القوة المعنوية والمادية، ولا يكون عنصر تحرر في المنطقة، لأكبر دليل على سلبيته. بل أكثر من ذلك، فقد شكل أداة من أدوات استغلال خيرات المنطقة وتصريف مشاريع أمريكية، لكنه لم يبن علاقاته على قواعد القوة الاستراتيجية من خلال تحوله إلى نظام أمة عوض نظام عائلة، بل رهن مصيره بحجم المال الذي يتوفر بين يديه فركز على نظام المعونات، وهو ما جعله دوما نظاما ضعيفا ومترهّلا.

   ولذلك، فدول الخليج بين خيارين:

   1-الحفاظ على النمط السائد الآن، وهو ما سيجعل هذه الدول أمام مرحلة ستأخذ في البداية بعدا أمنيا، إذ ستجند الاستخبارات الصهيونية الصليبية جنودها للقيام بعمليات ذات بعد أمني، ليتحول في مرحلة ثانية إلى حرب أهلية أو طائفية.

   2-الدفع في اتجاه تحول تاريخي يعطي للشعوب الحرية في اختيار الحاكم، وهو المناعة الوحيدة ضد المخطط التخريبي المذكور. لكن يبقى السؤال: هل الأجيال الجديدة من العائلات الحاكمة ستملك القدرة على المبادرة في اتجاه فسح المجال أمام إعادة بناء الأنظمة السياسية من جديد وفق مشروع تحرري يجعل الأمة حاضنه والعلماء العاملين قطبه؟

   فكلا الخيارين يضعان الحركة الإسلامية والفضلاء والعقلاء من أبناء الوطن أمام مسؤولية كبيرة، حيث أنهم مطالبون بإنجاز هذا التحول وفق مشروع تحرري جامع مرجعيته الجامعة هي الإسلام المتجدد لا إسلام العوائل في هذه المنطقة أو تلك.

والثاني: مصر

   أما مصر الحالية، فهي مصر مشروع السادات، الذي تتجاذبه اليوم عوامل؛ منها إرادة مصر في لعب الدور المركزي في المنطقة العربية وحتى الإسلامية، والواقع الداخلي الذي يعاني من كل مظاهر الأنظمة السياسية الاستبدادية المتسلطة.

   كما أن مصر تشكل بؤرة من بؤر الاستخبارات الدولية، وهو ما يعقد نجاح المشروع الاستقلالي التحريري الذي تقوده المعارضة ومن ضمنها جماعة “الإخوان المسلمون”.

   فتجربة العمل الإسلامي في مصر جنبت البلاد منطق العنف، خاصة من جهة الجماعات الإسلامية التي عانت من ممارسته مدة من الزمن، وهو ما سيفوت فرصة العمليات المسلحة العنيفة كي لا تؤثر في مسار إعادة بناء النظام السياسي من خلال معارك مجتمعية وسياسية تضاعفت إمكاناتها خلال سنة 2005، وهو ما أوصل نسبة كبيرة من “الإخوان المسلمون” إلى المواقع المنتخبة على الرغم من المضايقات.

   إن هذه النماذج سلبية من كون أن النظام السياسي المحلي هو أداة مقاومة المشروع التحرري المحلي، ولذلك فتعقد العملية التغييرية لا يعني فشلها، ولا يعني التنازل عن ضرورة الحفاظ على روح المقاومة والممانعة للمشروع الصهيوني الصليبي الاستعماري في المنطقة العربية والإسلامية.

   ولعل الموقع الذي تحتله “جماعة الإخوان المسلمون” وسمعتها المحلية والعالمية سيكون صمام أمان، إذا أضيف إلى دور العلماء العاملين الذين تعج بهم مصر الأزهر. ولعل مثل هذه المؤسسات يجب أن تكون مستهدفة من طرف الحركات الإسلامية لأجل أن تكون قلعة من قلاع الإسلام والتحرر ومقاومة المشاريع الغريبة.

والثالث: المغرب ومعه، بنسبة كبيرة، باقي دول ما يمسى بالمغرب العربي

   أما المغرب ودول المغرب العربي، فإنها يمكن أن تكون نموذجا متميزا في الانتقال من قبضة أنظمة استبدادية متسلطة إلى واقع الحرية والاستقلال والقوة.

   فمن المعروف أن بلاد المغرب العربي من البلدان التي تتحكم في كثير من مساراتها الاستخبارات الأجنبية، بل كان لها الدور الكبير في قمع المعارضة والحفاظ على هذه الأنظمة.

   وقد مرت جل هذه البلاد، خاصة الأساسية منها، من تجارب العمل الإسلامي العميقة، كتونس والجزائر، وقد ترتب على هذه التجارب، كما هو الشأن في المغرب بحدة أقل في السبعينات والثمانينات، واقع عنيف كانت نتيجته أن ساهم قمع الدولة الشرس في تراجع هذه التجارب، ربما إلى مستوى متأخر، كما هو شأن “الشبيبة الإسلامية” في المغرب و”النهضة” في تونس و”الجبهة الإسلامية” في الجزائر. مما أعطى للنظام السياسي في تونس والجزائر قوة ودفعة تضافرت مع الدعم الغربي المعنوي والمادي فخرجا من عنق الانهيار الكامل.

   وفي انتظار أن تقوم الحركة الإسلامية في تونس والجزائر بإعادة تنظيم نفسها واكتشاف أدوات إعادة ظهورها وتقويتها، وفي انتظار أن تجد الحركة الإسلامية موقعا بين يدي شمولية النظام السياسي في ليبيا، وأن تجد الحركة الإسلامية موقعا وقوة في موريتانيا، تبقى التجربة الإسلامية في المغرب أكثر تأهلا للتأثير في هذه المنطقة العربية والإسلامية.

   ولعل عنصر الاستقرار، الذي ينبغي المحافظة عليه، والذي تعرف به هذه المنطقة سيكون عاملا إيجابيا في الباب، ذلك أن كل المؤشرات تدل على أن الحركة الإسلامية في المغرب هي المؤهلة لقيادة مشروع التحرر والاستقلال. وذلك بضابطين اثنين:

   الأول: أن تحافظ على صناعة المقاومة والممانعة تجاه السقوط في فخ مهادنة واقع ترعى صناعته الاستخبارات الغربية.

   وقد تبين من خلال التجارب المشار إليها أن المراهنة على الاحتواء هي تكتيك أمريكا والأنظمة الموالية لها في اللحظة. وشرط هذا الضابط الضروري الحرص على الارتباط بوضوح المرجعية الإسلامية وصفائها الروحي والعلمي مع صناعة القوة الشعبية الواعية بحقيقة انتمائها للإسلام والاستعداد للدفاع عنه.

   والثاني: الحرص على إعادة بناء مؤسسات الدولة والمجتمع وفق مشروع متكامل يقطع مع الاستبداد وتبعاته، ويوفر ضرورة اجتماع الفضلاء والعقلاء على أصول جامعة، خاصة وأن المغرب لا يعاني من طائفية ولا مذهبية، كما أن حدة القبلية فيه لا ترقى إلى أن تكون عائقا، على الرغم من رهان البعض عليها.

   إن الحركة الإسلامية في المغرب تستطيع أن تقدم نموذجا فريدا في إعادة بناء النظام السياسي مع الحفاظ على الدولة والسلطة حتى لا نسقط في فتنة الفوضى التي تأتي على الأخضر واليابس.

   ولاشك أن جماعة العدل والإحسان ستكون قطب هذه العملية التغييرية التاريخية، لاعتبارين اثنين:

   الأول: توفرها على مرجعية واضحة ترتكز على مرتكزين اثنين: الأول: عمق روحي كبير. والثاني مشروع متكامل عبر عمق فكري دقيق.

   والثاني: بناؤها للخطوات العملية البنائية للأمة على وضوح مضمون نظام سياسي دولي مجتمع في مفهوم الخلافة الذي لم تعطه جماعة “العدل والإحسان” معنى روحيا مجردا، بل وإن كان ذلك يشكل أساسا، فإنه يرمي إلى بناء واقع دولي وفق تصور دقيق لنظام في العلاقات الدولية على قواعد واضحة.

   وهو ما ميزها من جهة على الحركات التي أعطت كليتها للسعي لبناء الحكم القطري، ومن جهة على الجماعات التي استندت على معنى عالمية الإسلام وعالمية الفكر الإسلامي الذي أسس لغموض كبير في تعاطيها العلمي والعملي تجاه نقد الأنظمة الدولية وتدبير السياسية الداخلية والخارجية في حركتها المعارضة، في حين تمكنت جماعة العدل والإحسان من تدبير نوع عملها المحلي على قاعدة النظر إلى العمق الدولي في تصورها.

خلاصات   – لقد بدت معالم النظام السياسي في الوطن العربي تتشكل بوضوح، وهي دائرة على جمع الشمل وإعادة الاعتبار للأمة في الاختيار بحرية. وقد برهنت التجارب المعيشة على أن الأمة اختارت وحسمت في ضرورة أن يقود قافلة النجاة والاستقلال والحرية والقوة المشروع الإسلامي.

   – لقد برهنت التجارب على أن الأنظمة السياسية الموروثة تشكل عائقا حقيقيا أمام التنمية والحرية والاستقلال لأنها أنظمة قائمة على الاستبداد والتسلط. وقد أضافت بعضها العمالة للخارج بهذه الطريقة أو تلك.

   – لقد اكتشفت أمريكا أن مشروع المقاومة هو العائق عن تحقيق الأهداف الصهيونية الصليبية الاستعمارية في المنطقة. كما اكتشفت أن الرهان على الأنظمة القائمة عنصر فشل، ولذلك أصبحت تراهن على الفوضى البناءة، وهي تعبير دبلوماسي على ضرورة إثارة الفتنة الداخلية المذهبية والطائفية والأهلية.

   – لقد أصبح واضحا أن الحرص على ضرورة الحفاظ على روح المقاومة والممانعة يشكل عنصرا حاسما في نجاح المشروع الإسلامي وتجنيب البلاد التمكين للقيم الغربية.

   – لقد اتضح أن ضرورة قيام العلماء بقيادة هذا المشروع مسألة حياة أو موت، ذلك أن الحفاظ على وضوح العمق التربوي والروحي قضية مصيرية بالنسبة للفرد والأمة، وأن المثقفين والمفكرين هم جنود هذا المشروع وسط الأمة يعبئون ويتفاعلون مع كليات وجزئيات الواقع ويجتهدون في التنوير والتفصيل.

   – إن الأمة تمر بمرحلة عصيبة، لكن لا يمنع ذلك من الضغط على الأنظمة العربية القائمة من أجل أن تفتح باب الملاذ الأوحد للأمة، وهو باب الحرية الحقيقية.