قال الله تعالى يتحدث عن المنافقين: “يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون” (1)، ويقول عز من قائل عنهم أيضا: “إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا “(2) المنافقون يخادعون الله والذين آمنوا.

وقال تعالى تسلية لنبيه: “وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله”(3) فالخدعة والخديعة شعبة من شعب النفاق وعمل من أعمال المنافقين، ومن علامات النفاق إخلاف الوعد، والكذب في الحديث والفجور في الخصام، ولا أرى هذه الخصال اجتمعت إلا في بعض أهل السياسة، يعدون الناس في حملاتهم الانتخابية وفي برامج الحكومة برغد العيش، بل بأن تصبح مدينة مراكش مثلا مدينة ساحلية، ويكذبون في الحديث، لأنهم يعرفون الحقيقة فينكرونها، أو يعمد أحدهم إلى كذبة كبيرة ضخمة، فيجادل عنها حتى تصبح حقيقة واضحة للعيان (العيان بفتع العين، وتشديد الياء المفتوحة باللسان الدارج)، وإذا كانوا تحت القبة رأيت فجورهم في الخصام، وسمعت السباب والشتم الذي ينم عن تقدم كبير في قيم الحوار، وأخلاقيات العمل السياسي، بل يعمدون في بعض الأحيان إلى تبادل اللكمات و تكسير الكراسي فوق ظهور بعضهم البعض، فالخدعة سياسية بامتياز، لذلك يسمون عمل السياسة لعبة، وقد يكون الدين خدعة يستعمله البعض للتمويه على الآخرين لذلك أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “من خدعنا بالله انخدعنا له”.

ولنرجع إلى السياسة التي حولها يدور هذا المقال لنفتتح الكلام بقول أحد رجال السياسة العباقرة يتحدث عن الخدعة وأنواعها وأمدها فيقول: “تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، وتستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت لكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت” (4).

والخدعة أنواع: منها السينمائية التي تصور لك الانسان طائرا يطير في السماء، والحمار يحرك شدقيه بالغناء العذب الرقيق، واقتصادية تظهر عجز الموازنة تنمية، فإذا الأمور كلها على ما يرام. ومنها السياسية، وتهدف في عالمنا المتخلف إلى إطالة أمد الحاكم في كرسيه، فإذا ما اهتزت “شعبيته” بحثوا له أو بحث هو عن شيء يلهي به الناس، فينشغلون به عن همومهم، حتى إذا كاد ينسى الموضوع بحثوا عن آخر، وهكذا دواليك.

إن كان البحث عن شيء يلهي الناس هدفا في حد ذاته من أجل إطالة أمد حكم أو حكومة فهذه هي الخدعة، والبحث عن هذا الشيء يحتاج إلى عبقرية، وإلى أدمغة  لو سخرت في غير ذلك كان أفضل للبلاد والعباد -.

هذا الوصف الذي قدمناه عن الخدعة قد لا ينطبق على واقعنا المغربي، لأن الخدعة دهاء ومكر، ومعظم الناس هنا ليسوا دهاة، يقولون ما يشاؤون حتى ولو كانت عقول الأطفال لا تقبله، ولا بأس ما داموا وصلوا إلى درجة من الاستئساد والاستبداد التي لا تترك فرصة لأحد أن يتكلم.

إن الشعوب نوعان: حية وميتة، وشعبنا من هذا الصنف الأخير والله أعلم، لذلك فإن ممارسي الخدعة لا يتعبون أنفسهم في ذلك، بل إن كل كذبة يكذبونها – ولو كانت بلقاء  تجد من يصفق لها. الشعوب التي لا يمكن أن تخدع كلها ودائما كما قال لنكولن هي الشعوب الحية، أما الميتة فلا. وليس من مات واستراح بميت *** إنما الميت ميت الأحياءإنني أصور حال الحكم عندنا وحال الناس بمارد عملاق تمكن من طفل صغير فبطحه أرضا، ووضع قدمه على صدره، لا يزيل قدمه إلا ليرى إن كان به رمق من حياة أو لفظ أنفاسه، المبارزة غير متكافئة إطلاقا، ولا يقبلها العقل السليم، لكن هذه هي الحقيقة المرة:

* رفعوا أسعار المحروقات، ولم يتكلم أحد، بل قال قائلهم في الإذاعة – بالراء التي تخرج من الفم وفيها بعض اعوجاج – بأنها زيادة طفيفة لا تؤثر على المواطنين. في الدول المحترمة لا تكون مثل هذه الزيادة إلا بعد مناقشتها، واستطلاعات الرأي، والحركات الاحتجاجية الصاخبة، وعندما تطبق تكون طفيفة جدا. أما هنا فأعتقد والله أعلم أنه لو استيقظ أحدهم ذات صباح وقرر زيادة السعر بنسبة مائة بالمائة فلن يحصل أي حرج للحكومة ولن يتمرد أحد.

* بين الفينة والأخرى يسرقون من أجور الموظفين بضعة دراهم بدون سابق إعلام، مرة ليرسلوها إلى منكوبي الحسيمة، ومرة لسد العجز الحاصل عن اختلاس صندوق التقاعد أو صناديق أخرى لا نعرف أسماءها، بدون إخبار ولا استئذان أحد. ولم ولن يتحرك ساكن. من يدري لو سقطت عمارة كان بناؤها بطريقة مغشوشة لخصموا لكل موظف جزءا من أجرته لدفع التعويض، أليس هذا هو حكم الشرع؟ ألم يكن عمر ابن الخطاب وهو في المدينة يتحمل مسؤولية بغلة عثرت بالعراق؟. نحن نعيش على الإكراهات، الجفاف إكراه، والمطر إكراه، والجراد و…، ولو استيقظوا ذات صباح وخصموا لكل موظف في هذا البلد نصف أجرته أو أجرته بالكامل فلن يتكلم أحد. أنا واثق من ذلك.

* في هذا البلد يتحدثون في الجرائد عن السارق وكم سرق وأين وضع المال المسروق، لكن لا أحد يستطيع تقديمه للعدالة، تقوم الدنيا ولا تقعد، وتصبح قضية فلان أو علان من الناس حديث الخاص والعام، وصورهم تملأ الجرائد، وفي غياب محاكمة عادلة نكتفي بمحاكمة رمزية لمختلسي المال العام، (اللهم شي حاجة ولا والو) ولمن لا قدرة له على رؤية الحقيقة عزاء في رؤية المجاز، وحلم اليقظة خير من حلم المنام، لأنك في اليقظة تجلس وأنت تحلم وأنت تحاكم شبحا محاكمة رمزية فيها كل شيء إلا القبض على المجرم ومحاكمته، أما في المنام فعليك أن تنتظر مجيء الحلم ولعله أتى ولعله لن يأتي. وفي الدول التي تحترم نفسها ومواطنيها يمكن لقضية صغيرة جدا لاختلاس المال العمومي أن تطيح بالحكومة كلها.

* “إيفو موراليس” هذا الرجل العجيب والغريب الشجاع خفض أجرته إلى النصف، وأصبح المبلغ الذي يتقاضاه أقل خمسين مرة مما يتقاضاه بعض الناس عندنا في المغرب، أمامي جريدة كتب في صفحتها الأولى بالخط العريض “المغرب نحو سكتة قلبية ثانية” وفيها أرقام أجور الموظفين الكبار التي يفوق بعضها كما يقول نجيب أقصبي 80 مليون شهريا للكاتب العام لوزارة المالية مثلا(5)، وعشرات الناس الطيبون البسطاء لا يتقاضون سنتيما واحدا، وربما يكونون أكثر وطنية من هؤلاء المترفين: تدخل إلى بيت من بيوتهم الطينية في أقصى نقطة في المغرب فتجد فيه علم البلاد، بل تجدهم أكثر حبا للوطن وإخلاصا له. الدولة لا تصرف له سنتيما واحدا. يحبها ويتعلق بها وهي تتنكر له:ومن الشقــاوة أن تحب *** ومن تحب يحب غيرك

أو أن تريد بالدولة خيرا *** وهي تريد ضيـــركوأعتذر للإمام الشافعي عن تحريف البيت الثاني من شعره. البعض يخفض الأجرة إلى النصف، والبرلمانيون عندنا صوتوا بما يشبه الإجماع على زيادة أجرتهم بل على الحصول على معاش مريح بعد الخروج من القبة، هذه القبة التي وصل إليها بالرشوة وشراء أصوات المواطنين، وفيها ما يباع بعشر دراهم فقط، أو لعله ورث الكرسي الوثير فيها أبا عن جد، وصل إليها بعد نضال طويل وطويل، وبعد ذلك لا يحضر، وإذا حضر ينام فتسمع شخيره، وإذا لم ينم يرد على الهاتف، وإن لم يتصل به أحد فهو لا يفهم ما يقولونه، وإذا فهم لا يتكلم، وإذا تكلم فثم الطامة الكبرى، ذكرتني بقول إبراهيم طوقان يرد على أحمد شوقي يصف فيها عناء المعلم وتعبه في تربية وتعليم الأطفال، وبعد العناء والتعب، يقوم طفل فيكافئ معلمه:

فيقوم حمار بعد ذلك كله *** فيجر المضاف إليه والمفعولا

إذا تكلم جر المضاف إليه والمفعول ونصب الفاعل، وإذا تكلم ولم يخطئ لا يقدم كلامه شيئا ولا يؤخر، وإذا كان لكلامه بعض تأثير لا يمكن أن يصنع قرارا مصيريا أو يشارك فيه. البرلماني عندنا يأخذ الملايين وينسى الملايين.

أكتفي بهذا القدر في وصف حال هذا المارد العملاق (الحكومة) وما يصنعه بذلك الصبي المسكين (الشعب) الذي لا حول له ولا قوة، لا يستطيع أن يقاوم بل أن يفهم ما يقع له، فهو في كف عفريت كما يقال. أكتفي بهذا لأتحدث عن نماذج من الخدعة السياسية في هذا البلد.

* وأبدأ هذا الحديث بوزير المالية الاتحادي الذي كان يقول للناس عندما كان حزبه معارضة في البرلمان بأنه لو أصبح حزبه حاكما فإن الرخاء سيعم البلاد والعباد وبأن الحد الأدنى للأجور سيرتفع إلى 4000 آلاف درهم، صحيح أن هناك ارتفاعا، لكن هذه المرة في معدلات البطالة، وفي الضريبة على القيمة المضافة التي طالت ذلك النادل الصغير في المقهى الملزم بدفع الضريبة للدولة. أداء الضرائب واجب على كل مواطن، لكن هل يؤديها الجميع؟ لو كان الأمر كذلك لكنا في مصاف الدول الراقية في هذا العالم.

* قبل سنوات أعلنوا أنهم اكتشفوا النفط في تالسينت، ومعنى ذلك أن المغرب سيصبح بلدا غنيا جدا وستتحول صحاريه القاحلة إلى جنات خضراء كما في الخليج، لكن لم نعرف بعد ذلك أين تبخر ذلك النفط.

* الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية التي قذفت بصاحبها خارج الحلبة السياسية، فهيأة الإنصاف والمصالحة، ثم ديوان المظالم، وبعدها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية: ما أجمل هذه الأشياء لو كانت تقلص نسبة البؤس، ولو كانت تعطي خبزا للمحرومين، وتعبد الطرق، وتمحو الأمية، وترجع الحقوق إلى أصحابها… أما ألا يعدو الأمر كونه كلاما للاستهلاك الإعلامي فهي باعتقادي جزء من لعبة الخدعة السياسية التي تمارسها الدولة على مواطنيها:

هل توجد عندنا تنمية حتى نحتاج إلى إدماج المرأة فيها؟، والرجل أليس بحاجة هو إلى إدماج؟ أليس الاندماج أفضل من الإدماج الذي يحمل من بين ما يحمل من المعاني الإجبار والقسر؟. وشتان بين من يندمج وبين من يتم إدماجه.

أليس من المثير للضحك أن تأتي بالضحية وتطلب منه أن يقول لك ماذا فعل به، وكيف عذبوه، دون أن تأذن له في ذكر اسم جلاده، ثم هل يقتضي العدل أن تعوضه من مال الشعب الذي ليس مسؤولا عما حصل له؟ أليس الجلاد هو الذي ينبغي أن يدفع التعويض؟ ثم أليس من العجيب أن تكلف أجور أعضاء هيأة الإنصاف والمصالحة ميزانية الدولة مليارا وبضعة ملايين؟. إن كانت تسمى تلك السنوات بسنوات الرصاص فلا أدري ماذا ستسمي الأجيال القادمة السنوات التي نعيشها الآن؟.

وهذه التنمية البشرية، هل أعطت الناس خبزا؟ هل منحتهم دواء؟ هل عبدت الطريق التي توصل إلى بلداتهم وقراهم النائية؟ هل وفرت التعليم للجميع؟ هل أعطت الناس عيشا كريما؟. كلا وألف كلا. لا تنمية إلا بعدالة اجتماعية، وإعادة توزيع ثروات البلاد توزيعا معقولا، لا تنمية إلا أن يساهم فيها أصحاب هذه الملايين، لا نطلب منهم تنمية، نطلب منهم فقط أن يرفعوا أيديهم عن أموال الناس، عندها ستكون عندنا تنمية، وهذا لن يكون بجرة قلم. لا تنمية إلا بعدالة، ولا عدالة إلا بتضحية.

في الختام كلمة لهذا الشعب المسكين: تذكر قول الشابي:إذا الشعب يوما أراد الحيــاة *** فلا بد أن يستجيــب القــدر

ولابد لليل أن ينجـــــلي *** ولابد للقيد أن ينـكـــــسرالحقوق تؤخذ ولا تعطى، والحرص على الموت هو الذي يهب الحياة.

وكلمة لهؤلاء الساسة: اتقوا الله في هذا الشعب المسكين الذي تدوسون على كرامته كل يوم، وتقصفون أبناءه من الأطر العليا بالقنابل المسيلة للدموع وللضلوع، وتسرقون الفرحة من وجوه أطفاله، وتشربون دماء عماله، ثم تضحكون بعد ذلك كله…

وأختم كلامي للساسة بهذه القصة العجيبة التي وقعت بين الإمام الشعبي وعبد الله بن مسلمة القعنبي أحد رواة موطأ الإمام مالك: كان هذا الرجل يشرب النبيذ، – ويا ليت هؤلاء اكتفوا به  فدعا أصحابه ذات يوم وقعد على الباب ينتظرهم فمر شعبة على حماره والناس خلفه يهرعون فقال: “من هذا؟” قيل: شعبة، قال وما شعبة، قالوا: محدث، فقام إليه فقال له: حدثني. فقال له شعبة: “ما أنت من أصحاب الحديث فأحدثك”، فأشهر سكينه وقال: “تحدثني أو أجرحك، فقال له: “حدثنا منصور عن ربعي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”، فرمى سكينه ورجع إلى منزله، وأهرق خمره وسافر في طلب الحديث فلزم مالكا حتى صار من رواة موطإه، ورجع إلى البصرة فوجد شعبة قد مات ولم يسمع منه سوى ذلك الحديث.

إذن أنتم أيها الساسة: تعرفون أن لكم على هذا الشعب المسكين الغلبة، وأنه لا يحرك ساكنا، ولا يسكن متحركا، لذلك إذا لم تستحوا فاصنعوا ما شئتم، فهل تهرقون ما بقي بخوابيكم من نبيذ، وتكفون عن الكذب، وتمنعون أيديكم من اختلاس المال العام، أم أن الخدعة السياسية لا يمكن أن تستمر إلا بهذه الأشياء؟. أنتم أدرى بذلك، وأنا أعيدها ثانية كما قالها عليه السلام، وكما رواها شعبة فقلب حياة رجل من عالم لآخر، “إذا لم تستحي فاصنع ما شئت”.

الهوامش:

(1) سورة البقرة الآية 9.

(2) سورة النساء الآية 142.

(3) سورة الأنفال الآية 62.

(4) الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن.

(5) جريدة المشعل العدد 55 من 10 إلى 23 يناير 2006.