إن مما ألهم به الله هذه الجماعة المباركة جماعة العدل والإحسان: الرباط. وهو من أهم وسائلها في تزكية النفوس والتعرض للنفحات، واستمطار الرحمات، وصناعة الرجال.

   والرباط برهان الصدق والمصابرة، قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا”، وغايته الفلاح وسبيله التقوى، قال عز من قائل: “واتقوا الله لعلكم تفلحون” والرباط معان سامية منها:

   1- ربط النفس بمعنى حبسها عن مألوفاتها وعاداتها وشهواتها وضبطها حتى لا تأمر بالسوء ومساعدتها بالمذكر والمعين على أن تلوم صاحبها على التقصير، وتطمئن إلى البر وبالذكر.

   2- والرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة كما أخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، وهل انتظار الصلاة إلا بالطهارة وأخذ الزينة والسكينة وتهيئة جهاز القلب استعدادا للاستمداد والاستراحة: (أرحنا بها يا بلال).

   3- والرباط يعني فيما يعنيه خمسا من الجياد يتم ربطهم في مكان آمن ليحسن علفهم بين يدي الجهاد في سبيل الله. والمؤمنون جياد يرابط منهم أكثر من خمسة لتلقي العلم النافع المنشئ للعمل الصالح من ذكر وتلاوة وصلاة وقيام ودعاء وما إليها من صنوف العبادات، وهو خلوة في الجلوة صبرا للنفس مع المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه تغييرا لما بالنفس ليؤهل الله المرابط ليخرج على الناس بزينة إيمانه وتقواه ليغير ما بالناس دعوة وإنذارا وجهادا في سبيل الله. إذ الرباط في غياب الجهاد جهاد ومن دعي إلى رباط من الرباطات وهو عليه قادر ولم يمنعه عنه عذر قاهر ولم يحضره فاته خير كثير، فليبك على نفسه…

   4- والرباط يعني الربط على القلوب برباط التقوى، لتصبح ربيطة أي متمنعة على الفتن المعروضة عليها كالحصير عودا عودا، ومن ذلك رباطة الجأش.

   5- والرباط: رباط المحبة والأخوة رباط الصحبة والجماعة رباط العهد والورد، رباط العقيدة والإيمان، والولاء والنصرة بين المومنين ومنه دعاء الرابطة الذي يربطك بالمومنين الأحياء منهم والأموات، تستحضرهم وتذكرهم وتدعو لهم وتستغفر لهم وتترحم عليهم ليكونوا لك بركة يوم القيامة ودعما معنويا في الدنيا.

   6- والرباط مما يعصم الله به المومنين من الفتنة والعذاب، ذلك أنهم يجتمعون في بيت من بيوت الله، المسجد إن أمكن وهذا أمثل، وبيت من بيوت المؤمنين المفتوحة لإيواء الخير وأهل العلم والذكر، المستثنين من اللعنية من هذه الدنيا في وقت أمست فيه بيوت الله، المساجد، إما ضرارا يستغلها الإسلام الرسمي لتمرير قراراته ومقرراته، أو مفرغة من محتواها، مخربة منع فيها أن يذكر اسم الله، وتعلم شريعته الصافية النقية من شوائب العض والجبر. من هنا فهم لا يخالفون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا فتنة ولا يصيبهم العذاب الأليم لأنهم يستغفرون ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وهم يأتمرون بأمره وينتهون عند نهيه، ويكثرون من الصلاة عليه ولا تعرض عليه من أعمالهم إلا الصالحة الموافقة لشرعة الله ومنهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنهم يرونه في مرائيهم ومشاهداتهم قال عز وجل: “فليحذر الذيم يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” وقال جل من قائل: “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون”.

   والرباط بعد هذا:

   1- استعداد واستمداد

   2- وجهاد واجتهاد

   3- وجني وحصاد

أولا: الاستعداد والاستمداد:   بما أن الرباط بهذه الأهمية، وبما هو وعاء لشعائر كثيرة من شعائر الإسلام “ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب” بما هو كذلك وأكثر من ذلك وجب العناية به، والاستعداد له قبل دخوله خاصة إذا استغرق ثلاثة أيام وأكثر، ذلك أن رباطات المؤمنين في جماعتنا المباركة جماعة العدل والإحسان تستغرق أحيانا الأسبوع وأحيانا أخرى العشرة أيام إلى الأربعين يوما.

   والاستعداد يأخذ عدة أبعاد:

   1- يأخذ بعدا ماديا:

   – وذلك بأخذ الأهبة له من ملابس ووسائل النظافة ومصحف ودفتر وقلم لتقييد العلم النافع، هذا فضلا عن الأدوية الخاصة، وما به تتقي الحساسية أو تراعي خصوصياتك الضرورية.

   – الحرص على خصال الفطرة أن تحصيها عددا ولا تغادر منها أحدا.

   – أداء واجباتك المهنية والأسرية والمعاملاتية حتى لا يكون دخولك الرباط هروبا من واجب أو تحمل معك مظلمة تكدر صفوتك وتقيد إرادتك وسعيك (كأداء المستحقات وقضاء الدين..).

   2- ويأخذ الاستعداد بعدا معنويا:

   بعد التوبة إلى الله واستمداد فضله ورحمته وعونه وفحص النية التي هي من العمل بمثابة القلب من الجسد إن صلحت صلح وإلا فسد، نية صبر النفس مع المؤمنين، نية الصبر والمصابرة والتقوى نشدانا للفلاح، نية التفقه في الدين لإنذار قومك بعد أن ترجع إليهم لعلهم يحذرون، نية التقرب إلى الله، التماسا لمحبته، نية الذكر المطمئن والعلم النافع وهما المستثنيان من اللعنة من هذه الدنيا، نية جهاد النفس والمال بين يدي أنواع الجهاد الأخرى، نية الهجرة إلى الله ورسوله، هجرة ما حرم الله إلى ما أحل … ونيات كبيرة والله أكبر وهو خير وأبقى.

   3- كما يأخذ الاستعداد بعد معرفة برنامج الرباط وطبيعته ونوعية من يحضره من أجل الإعداد له بما يراعي خصوصيته ويحقق أهدافه الذاتية منها والموضوعية مواساة ومشاركة ومنافسة في الخير وتعاونا على البر والتقوى.

   4- كما يأخذ الاستعداد المعنوي بعد ملاطفة الأهل والولد، والتماس الوالدين واستحضار المصحوب خاصة في الرباطات الطويلة الأمد التماسا لرضى الله “رضا الله في رضا الوالدين” والخيرية “خيركم خيركم لأهله” والرحمة “ليس منا من لم يرحم صغيرنا” والراحمون يرحمهم الرحمن.

   بعد الاستعداد والاستمداد يأتي:

ثانيا: الجهاد والاجتهاد   1- الحضور لأن الغياب بلا عذر استهانة بالعمل واستخفاف بالناس.

   2- الحضور في الموعد لأن ضبط الوقت من الجد والرجولة بمكان.

   3- الثبات في الزمان والمكان لأن هذا من صبر النفس مع مريدي وجه الله والثبات نبات ولا نبات بدون ثبات.

   4- الانضباط بالبرنامج لأن هذا من الطاعة والاستقامة وحسن الأدب.

   5- التقلل من الكلام والطعام والحركة والمنام لأن هذا من السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد والجهاد وهي من خصال النبوة.

   6- خفض الجناح للمومنين وخدمتهم والنظر إليهم بعين المحبة والاحترام والإكبار والتعظيم فمن نظر إلى أخيه بعين التعظيم والكمال استمد منه فصار عظيما كاملا ومن نظر إليه بعين النقص استمد منه فصار ناقصا.

   7- السبق إلى الخيرات والمنافسة فيها، ذلك أن المومن ضعيف بنفسه قوي بأخيه، أظهر مع إخوتك قوتك، “وفي ذلك فليتنافس المتنافسون”.

   8- المشاركة الإيجابية فيما أتيح لك من الخير قولا وعملا.

   9- ولابد من أن يكون المشرف على الرباط رجلا قويا ومحبوبا ليتحقق في الرباط ما ييسر نجاحه من الاحترام والانسجام والتراضي والتياسر والتسامح واكتشاف الطاقات، وتوزيع المهام وتفويض المسؤوليات، وإلا فاليابس يكسر والرخو يعصر وإنما ينفع في الرباط الخادم القوي الأمين.

   10- ولابد من مراعاة أمور وتجنب أخرى من باب التحلية والتخلية وهاك البيان:

   أمور ينبغي مراعاتها:

   – أن يجنب صغار السن الرباطات الطويلة الأمد، وإن كان ولابد فرباط خاص بهم يراعي وسعهم وخصاصهم.

   – أن يكون خادم الرباط من أهل السابقة والحظ والغناء، ويستحسن أن يكون من المسؤولين داخل الجماعة مما يعطيه هيبة، وأن يكون من أهل الكفاف والعفاف والغنى عن الناس دفعا للشبهة، وأن يكون ذا حلم وأناة، وألا تفوته الخصال القيادية الثلاثة: الإرادة وحسن الخلق والضبط والإنجاز.

   – أن يكون أهل الخدمة من المرابطين، وأن يتناوبوا على الخدمة والمداومة لئلا يكون فيهم الحامل والخامل، ولئلا ينزل ثقل الرباط على شق واحد فينتفي التوازن، ومن سوء الفهم أن يحترف أناس الخدمة ليتفرغ آخرون للتعبد والتقرب، إذ المرابطة فتوة، والفتوة يقظة وذكاء وخدمة وكرم وتواضع وشجاعة في الحق، وإلا فلا أقل من إشراك المرابطين للخادمين في بعض الفقرات والأوقات، والمداومة ضرورية لأنها:

   1. عاصم من أن ينقطع المومنون عن الذكر فيخترق رباطهم الشيطان وهوى الأنفس حليفته.

   2. وهي إعانة لذي الحاجة على حاجته، ومراقبة لأحوال المرابطين إن صاحبها ضوء خافت مساعد على المعاينة دون أن يكون مزعجا.

   – أن ننأى عن كل ما يثير الاختلاف المؤدي إلى الخلاف، وأن نحترز من الارتجال المؤدي للابتذال، وأن نتوخى التدرج في الدخول إلى الرباط صعودا نحو روحانية وفي الخروج نزولا إلى الحالة الطبيعية التي سنؤول إليها: “فمن كانت فترته إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اهتدى، ومن كانت شرته إلى سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم فقد اهتدى”. والمهم أن لا نخرج من الرباط كما دخلنا فهو حمام، وليس الدخول إلى الحمام كالخروج منه كما يقال.

   – مراعاة جانب التغذية بلا إفراط ولا تفريط مع التنويع والترشيد.

   – مراعاة الأوقات، فصفوة الأعمال لصفوة الأوقات كما يقول مرشدنا الحبيب الطبيب.

   – مراعاة المريض وذي الحاجة وذي الخصوصية في بعض الشؤون ما لم تؤثر على برنامج الرباط، وتقلق راحة المرابطين، فلكل قاعدة استثناء ولا ينبغي للاستثناء أن يصبح هو القاعدة على كل حال.

   – مراعاة الجوانب المادية ضبطا واقتصادا وتطوعا، فمن جهز مرابطا فقط رابط، والرباط مجاهدة وجهاد أي بذل وتطوع، وقد أحضرت الأنفس الشح كما أحضرت الخيانة وسوء التدبير.

   أما المحذور:

   – فكثرة الدخول والخروج من غير سبب معقول مقبول.

   – وكثرة اللغط ما بين الفقرات وفي بعض الأوقات مثل ما قبل النوم أو عند المداومة.

   – استعمال السبحة أثناء الحديث، والاتكاء أو مد الرجلين لما في ذلك من سوء الأدب وللحالة الخاصة وضع خاص بها يميزها ويدفع عنها التهمة.

   – استعمال العطور خاصة الكيماوية منها لما في ذلك من ضرر على المرابطين خاصة ذوي الحساسيات منهم.

   – الخمول طيلة أيام الرباط خاصة إذا كان طويلا، إذ لابد من حركة منشطة بلا استغراق أو إسفاف، ولابد من تهوية وحرص على النظافة وصيانة الأجهزة المستعملة والأثاث المستخدم، ومستحسن أن يزور الطبيب الرباط، وأن يفحص المرابطين وتعرض عليه حالات ذوي الأمراض والأعراض من أجل الوقاية والعلاج وتفادي البلوى والعدوى.

   – محذور أيضا أن تقل الزيارات حتى كأن الرباط جزيرة معزولة أو تكثر فكأن الرباط أضحى مزارا، بل تبرمج الزيارات ويخصص لها رجال وأوقات بما يخدم برنامج الرباط وشعاره وأهدافه.

   – محذور أيضا أن نكثر من الوسائل السمعية البصرية لأنها تخصم من روحانية الحضور وتلفت الأنظار عن الأرواح إلى الصور والأشباح ما لم يكن المعروض صورة ناطقة وحالا منهضا ومقالا دالا.

   – محذور أيضا أن نجعل الرباط سوقا للسلع المعروضة، أو فرصة استثمار مما يحيد بالرباط عن أصل وضعه ونفعه.

   – محذور أيضا أن تتكون داخل الرباط جيوب علائقية مما يغذي العصبية ويثير الحزازات ويذهب بفضيلة الاجتماع على الله للانجماع عليه، التي هي لب الرباط وصلب الغاية من سنه سنة حسنة لمن سنها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا.

   – لا تقل أنا عملت والله لم يعط، فهذا منّ على الله “ولا تمنن تستكثر”.

   – ولا تقل عملت أكثر من غيري وأعطيت الأقل فهذا اتهام موجه للحق العدل المقسط تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، يوفي لنا أعمالنا أجورها وفضل الله لا يحجر.

   – ولا تقل ما أعطيت به اكتفيت، فهذا قناعة والقناعة من الله حرمان.

   – الرؤى مبشرات والتصديق بها من الإحسان ما كانت رؤيا حق لا حلما تحزينيا شيطانيا، ولا أضغاث أحلام نفسية ولا منامات كونية، لكنها تقص للحبيب اللبيب إن كانت مبشرة خاصة تحتاج إلى تعبير، أو هي من الرائي للمحبوب هدية تودد، وبث لخاص بخاص حقه محفوظ غير قابل للنشر والتوزيع. وإن كانت مبشرة عامة تخص المرشد أو الجماعة أو الأمة فما أنت إلا ساعي بريد يوصل الرسالة إلى عنواها مشكورا، لا ينقص منها ولا يزيد ولا يبدل ولا يغير ولا يكتم.

   والبشرى في كل الحالات أنت إليها ولست عليها حتى تسعى لها سعيها، فإن حفزتك إلى العمل فقد سرتك وإن أقعدتك عنه فقد غرتك وهي مزية لا تعني الأفضلية ولا شرع بها.

   جعلنا الله وإياكم من المبشِّرين المبشَّرين المستبشرين بفضله ورحمته، آمين.

ثالثا: الجني والحصاد   وأما كون الرباط جنيا وحصادا، فهذا مما لا يرقى إليه شك ولا يحتاج إلى جدال، لأنه انقطاع عن الدنيا إلى العبادة الخالصة، فهو تبتل ورهبنة، لكنه تبتل شجعان ورهبنة فرسان، لا تبتل زاهدين هاربين من الواقع، ولا رهبنة لم ترع حق رعايتها وهي أن تكون بها فارسا في النهار، فارس دعوة وإنذار وجهاد واجتهاد وابتدار، وهذا يطلب إلى المرابطين أن يخرجوا من رباطهم:

   1- مسلحين بفقه منذر يبعث على أخذ الحيطة والحذر من شياطين الإنس والجن.

   2- مزودين بزاد من التقوى يعينهم على الاستقامة على الصراط والاستواء لا تفريط ولا إفراط.

   3- أن يكون الرباط فرصة لتوبة نصوح خاصة من الكبائر البواتر، ومن الإصرار على صغائر لا يراها الناس ويراها رب الناس، وأنت تجعل الله أهون الناظرين إليك. وكم من مستور فضح بعد الرباط لأن من أوتي نعمة ولم يشكر ذهبت منه وهو لا يشعر، ومن أتيحت له فرص التوبة فنقض غزله بعد قوة أنكاثا، عوقب بما لم يعاقب به المحروم، وهل بعد السلب من حرمان، نعوذ بالله من الحور بعد الكور.

   4- من كلام المرشد الذي نتركه حلقات في الآذان مسك الختام: الرباط والاعتكاف ومجالس النصيحة والتلبية والذكر والعلم والتنظيم وما إليها محطات للتزود والتقوت، لكن المعول على دوام الوقوف بالباب والعكوف على الطلب وتنقية جهاز القلب استعدادا للاستمداد مع الصبر وسلامة الصدر. والله الموفق وهو المستعان والحمد لله الحنان المنان، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.