توظيف التراث الغنائي

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

1- أهميةُ وضرورةُ تجديدِ التراث   لا يجادل في ضرورة تجديد التراث إلاَّ رأْيٌ وَرَائِيٌّ متحجِّر؛ وبعضُ من يرفض “تجديد التراث” ينطلق من “حرصه الشديد” على التراث من أن تمسَّه أيادي التغيير. حرصٌ لا خوفَ على التراث إلا منه!

   إن كان المقصودَ بـ”الحفاظ على التراث” وصولُهُ إلى الأجيال اللاحقة “كما هو” دون تغيير “ليَطَّلِعُوا عليه” في “طبيعته الأصلية”، فهذا أَشْبَهُ بـ”عملية تَحْنِيطٍ” لِجُثْمانٍ لا يصلح إلاَّ للعْرَض خلف أسوار المتاحف وفي أقبيتها من غير أن يكون له دورٌ بين الأحياء في الحياة فاعلٌ. وهذا الهدف سهلُ التَّحقيق مع التقنيات التكنولوجية الحديثة التي توثق الأعمال الفنية وتحفظها “كما هي”.

   أما إن كان المقصودَ بالحفاظ على التراث “نَشْرُهُ” بين الناس و”تَفْعِيلُهُمْ” به و”تَوْرِيثُه” للأجيال اللاحقة منهم، و”تَضْمِينُهُ” مقدَّساتِ الأمة الحقيقية الحقيقيَّةِ لـ”تَحميلِه” رسائلَ الأجداد إلى الأحفاد، فهذا لا يتحقق بتحنيطه وتجميده، بل بعمليةٍ موازيةٍ لعملية التوثيق الضرورية. هذه العملية الموازية هي “التجديد” الذي يحافظ على الطَّيِّبِ الخالص من روح التراث قوياً جَلِيَّاً، وعلى عناصره الفنية أصْلِيَّةً أصِيلَة، ولكن بمعالجة فنية تجديدية “رصينة رصينة رصينة”.

   يتحدث بعضٌ من أهل الفن عن “إحياء التراث” في سياق حديثه عن توظيفه له؛ وأظن أن في هذا التعبير تَجَنِّياً على التراث إِذْ لا يكون الإِحياء إلا مِنْ مَوَات. وبعضٌ مِمَّنْ يَدَّعي “إحياء التراث” إنما هُو مَيْتٌ أَحْيَاهُ تعلُّقُهُ بأهداب التراث واتِّكَاؤُهُ على أركانه واحتماؤه بأسواره وَوُرُودُهُ حِيَاضَه وارتزاقُه به. إن التعبير الأسلم هو: “تجديد التراث”، إذ هو “معالجة فنية مُجَدِّدَة” لِمادة حيَّة حَيَّة -فَعَلَ الزمن فيها فِعْلَه في الأحياء- قَصْدَ تهذيبِها وتنقيحِها بأدواتٍ وآلياتٍ وأساليبَ فنيةٍ جديدة تناسب طبيعة الزمان والمكان والجمهور الْمُخاطَب والغاية المأمولة.

2- التراثُ الغنائيُّ وتَحدِّياتُ توظيفِه   بيننا وبين تجديد التراث وحُسْنِ توظيفه واستثماره عقبات أذكر منها:

   – العقبة الأولى: تَبَدُّلُ الزمان والمكان والحال:

   إنَّ ما كان إلى الأمس القريب وجبةً فنية أساسية تكاد تكون وحيدة على مائدة مسموعات الناس، أصبح اليوم مع وسائل الإعلام والاِتصال في آخر لائحة المرغوب. فمع توالي الابتكارات من مذياع وتلفاز وأقراص وأجهزة رقمية وفِطْريات نابتة على أسطح المنازل تستسقي الأقمارَ الطالعة علينا بالليل والنهار والتي هَدَمَتْ “الحدود الذوقية” بين الشعوب والأمم، ما استطاعت الألوان الغنائية المحلية الصمود أمام الألوان الْمُخَالِبَة الوافدة في ركب الغازين ابتداءً من حملةِ نابوليون على مصر في القرن التاسع عشر. والفنون التي لا تتجدد وتتكئ على مَجْدٍ غابر وجِدَارٍ مُتَدَاعٍ تنهزم في أول المعركة على حلبة والمقارنة.

   فأما أغلب العامَّة فقد ملأت آذانَها الألوانُ “الشعبية” التي تعرَّضت لمخطط رهيب جعلها لصيقة بكل معنىً سافل وكلِّ جوٍّ عَفِنٍ. أما الشباب فلا مكان للتراث في ذائقته التي تَدَاعَى عليها جُنْدُ الهاردروك والرَّاي والموجاتِ الشبابية المشرقية والخليجية.

   – العقبة الثانية: جهل المتصدين لتجديد التراث بما يريدون تجديده:

   وهذه لها علاقة بالتكوين العلمي والفني من ناحية (ومعاهدنا الموسيقية لا يدخل الاِهتمام بالتراث في دائرة همومها واهتمامها إلاَّ بِقَدْرٍ يسير)، ولها علاقة بِمَدَى حَيَاءِ الْمَرْءِ من ادِّعاء امتلاك أزِمَّةِ التجديد!

   – العقبة الثالثة: جُمود بعض حَمَلَةِ الألوان التراثية:

   فطرب الآلة (ما تشيع تسميته بالطرب الأندلسي) على سبيل المثال، بلغ من “حرص” بعضِ أهله على جمود شكل عرضه وحرج وسائل الإعلام المسموعة والمرئية منهم أن أصبح مادة إذاعية لوقت القيلولة أو فُرجةً لتطييب الخاطر أثناء “الوقت الميت” عند تناول الفطور في رمضان. وَقِسْ على طرب الآلة غَيْرَهُ من ألوان الطرب المغربي: لا تجديد ولا تَحْيِيـنَ لشكل عرضه لنفض غبار القرون عنه.

   وهذه بعض الملاحظات حول أسلوب وشكل عرض طرب الآلة كمثال:

   أ- أداء صوتي عبارة عن غَمْغَمَاتٍ غيرِ مفهومة بسبب التساهل الموروث أباً عن جَدّ في ضبط مخارج الحروف.

   ب- المبالغة في المدود إلى الحدّ الذي تتغير معه المعاني المتغنَّى بها.

   ج- اختيار طبقات صوتية للغناء يصبح معها الأداء إمَّا حَادّاً أقرب إلى الصُّراخ، أو غليظاً أقرب إلى الحشرجة.

   د- الأداء الغنائي ليس مقتصرا على الأصوات الجيدة، بل يشترك الكل في الأداء الغنائي: العازفون شِيباً وشباباً، الأَحْسَنُ صوتاً منهم والأَخْشَنُ..

   هـ- أسلوب العزف على الآلات الموسيقية يعتمد على الضربات القوية لأقواس الكمنجات.

   و- طريقة إمساك الكمنجات عموديا على الرُّكَب يَحُدُّ مِنْ الإمكانيات التقنية لها.

   ز- شكل الإخراج الفني لمظهر الفرق الذي أصبح من الثوابت لديها: جلابيبُ بيضاءُ وطرابيشُ حمراءُ وبلاغي صفراءُُ، والجلسةُ الجماعيةُ وجَوُّ التَّرف في الديكور الخلفي لِلَّوْحة التراثية المرئيَّة…

   ح- انحصار وانحسار الموضوعات التي تتطرق إليها الصنائع والنوبات الأندلسية في المديح والغزل.

   – العقبة الرابعة:الاِنتقائيةُ وغُبَارُ السِّنين:

   أَذْكُرُ أن أحد “المنشدين” الأحبة سألني يوماً عن جديدي الفني فأجبته أنني منهمك في تلحين وإعداد قصيدة البردة للإمام البوصيري فاستغرب لهذا القديم الجديد وعَقَّبَ: “إنها مخدِّر للناس في مرحلة نحن بحاجة إلى ما نستنهضهم به!!!”.

   أَذْكُرُ هذا لأشير إلى أن كثيراً من تراث الأجداد والآباء اصطبغ بطبيعة المرحلة التي وُلِدَ فيها أو بالأسلوب والغاية التي وُظِّفَ من أجلها أو بالأفهام التي حَمَلَتْهُ زمانا فأوصلته إلينا مشحونا بِحَمُولَتِها الخاصة.

   لاَ لَوْمَ على البردة إن اقتطع منها كُلٌّ ما يَتَدَثَّرُ به لغايته.. فإذا كان من الناس من يشتري بآيات الله ثمنا قليلاً توظيفاً تجزيئيّاً انتقائيّاً لمدلولاتها وأحكامها بما يحقق غايات النفوس المريضة والقلوب الغارقة في أوحال الدنيا فهل يُلاَمُ إلاَّ من سَلَكَ هذا الْمَسْلَكَ التَّهْلُكَةَ؟ أمَّا آيات الحق ففيها من الحياة ما يُحيي رفات النفوس الميتة ويستنهضها استنهاضاً..

   ما يَعْرِفُهُ عامّة الناس وما يَحفظه خَاصَّتُهُمْ من قصيدة البردة إنْ هو إلاَّ أجزاؤُها الأولى التي تتحدث عن آلام الشوق وفراق الديار والأحباب، وعن النفس الأمارة بالسوء وعن أوصاف الحبيب الجميل صلى الله عليه وسلم، (ومن لنا -من الشعراء- بمن يَبْلُغُ من معرفة النفس ووصف أحوالها ومنعرجاتها وخباياها ومِنْ مَدْحِ وتَحْبِيبِ الحبيب صلى الله عليه وسلم ما بَلَغَ الإمام البوصيري رحمه الله) أمَّا ما يُحَدِّثُ منها عن سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم وعن جهاده وجهاد أصحابه وتَحَمُّلِه وبَذْلِهِ وما لقي في ذات الله ولَقُوا وكابَد صلى الله عليه وسلم وكابَدوا فلا يُسْعِفُ وقتُ الناسِ عامَّتِهم والخاصةِ لِبُلُوغِهِ وتأمُّله والتغني به ورفع الهمم بسديد ما فتح فيه المولى تعالى للإمام البوصيري رحمه الله ورضي عنه. وفي هذه السلسلة إطلالة قريبة على هذه القصيدة الشريفة إن شاء الله.

3- آليات توظيف التراث والتعامل معه   أ- الفهم والتذوق والاِستيعاب، إذْ أَوَّلُ ما يُطلب إلى المتعامل مع التراث أن يتذوَّقه ويفهمه ويستوعب عناصره النغمية والإيقاعية وبِنْيَاتِهِ اللحنية. على أن الزمن عنصر هام من عناصر التذوق والفهم والاِستيعاب، فالذوق يُرَبَّى كما تُرَبَّى النَّبتة حتى تصير شجرة مزهرة مثمرة. فإذا عُضِّدَ التذوقُ والاستيعابُ بالبحثِ والتنقيبِ والمقارنةِ والمدارسةِ وطلبِ العلم من أهله فإن الثمار لا شك تُجنى طيبةً هنيئة.

   ب- استيعاب اللغة المكتوبِ بِها، ونكاد ننسى الكلمة على أهميتها. استيعابٌ وفهمٌ يُجَنِّبُ الواردَ حِيَاضَ التراث ما تسرَّب إليه على مدى القرون مِمَّا عَكَّر صفوه.

   ج- استلهام الشعراء والملحنين من عيون هذا التراث العظيم في ما يبدعون.

   د- فَهْمُ بعض الدلالات التاريخية والفكرية والمذهبية والروحية لبعض المفردات والمصطلحات والتعبيرات اللغوية؛ ولابد من الوقوف هُنَيْهَة عند هذه النقطة:

   لو كُنَّا ناساً من الناس لا رسالةَ تُبَلَّغُ ولا مشروعَ جماعيَّ يُبْنَى ولا أمانةَ تُحْمَلُ في القلوب وعلى الأكتاف لَمَا احتاج الأمر إلى طرح هذه السلسلة من الأصل فضلاً عن مناقشتها، ولكنَّ خصوصياتِ مشروعنا تَضَعُنَا أمام مسؤولية التدرُّجِ إلى “الاِنسجام التام والكامل” مع مرجعيتنا. وأُدرِجُ هنا نموذجاً مثالاً:

   دَرَجَتْ بعض الفرق على التغني ببعضٍ من تراث فن “المديح والسماع”، من غير أن تنتبه لبعض دلالات ما تتغنى به من كلام. ومن هذا مقطوعة جاء فيها:

   يا قُطْبَنا الْخاتـم

   سيدي أبا القاسم

   عُبَيْدُك الناظــم

   إلخ…

   فكيف إن كان النَّاظِم يقصد بأبي القاسم الإمامَ الْجُنَيْدَ بنَ محمدٍ بنِ الجنيدِ الخزازِ القواريريّ، الزاهد والصوفي المشهور رضي الله عنه كما يُفهم مِنْ دلالات هذه المفردات ذات الحمولة الصوفية؟ والقطبية عند الصوفية مقام من مقامات الولاية لا تجتمع لاثنين في زمن واحد. فيخاطِب الناظمُ الإمامَ الجنيد على أنه “القطب الخاتم للأولياء”!!!

حَـذَارِ حَـذَارِ   تتنافس كثير من الفرق في الاِقتباس من معين التراث الصوفي لتلبية حاجتها الدائمة إلى الجديد على آذان العامة مما تَمِيل إليه أسماعها؛ وتدفع هذه المنافسة على الآذان والقلوب إلى الغرق في رمال هذا التراث المتحركةِ بما لا تبقى معه لهم قوة على مقاومة تَيَّارَاتِها فَيُسْتَلَبُون استلابا. وليت الأمر يبقى عند هذا الحد إذاً لَهَانَ الأمر، ولكنه قد يتفاقم إلى تَبَنِّي حَمُولَتِه بِنَقْلِ سَبْحِ حركتِنا الفنية إلى فَلَكِ الحقل المغناطيسي والأجواء الروحية لهذا التراث الصوفي.

   لِشَمْسِنَا فَلَكُهَا ومَدَارُهَا وحقلُهَا المغناطيسي الخاص بها.. ولِلتراث الصوفِيِّ فَلَكُهُ ومَدَارُهُ وحقلُه المغناطيسي الخاص به.. كُلٌّ في دَارِه وكُلٌّ في مَدَارِه، “وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون”.

طـريـفـة   حضرتُ أواخر العام الراحل (2005) أمسية فنية طلابية شارك فيها “منشد” لم أسمع به من قبل، وكان مما تغنى به قطعة معروفة: أفلا يأتِي يوم نَحـيى *** فيــه حياةً إسـلامية

يهتف كل الكون يغني *** لا شرقيـة لا غربيـة   وكان مما تغنى به في هذه القطعة بحماس شديد كلماتٌ كلها سَبٌّ للشيوعية ولدولتها!!!

   فالْتَفَتُّ إلى صديق عن يميني مُبْدِياً استغرابي من التغني بِتَسْفِيهِ هذا الفنان للشيوعيةِ ولدولتِها اللَّتين انقرضتا منذ أكثر من خمسة عشر عاما خَلَتْ، فقال لي الصديق وهو يُكَتِّمُ أَنْفَاسَ استغرابه: “لعله لم يعرف بذلك بعد”!!!

خـلاصـة   تجديد التراث الغنائي يحتاج إلى تذوقٍ وفهمٍ واستيعابٍ ووعيٍ وتَحْيِينٍ (mise à jour) وحَذَرٍ من أن يَتسلَّلَ منه إلى مضموننا خطابٌ لا ينسجم مع الخط.

(بين قوسين)   ربما يحصل أثناء مدحنا للحبيب صلى الله عليه وسلم أن نسترسل في الأداء التعبيريٍّ في طبقات صوتية عالية تضطرنا إلى رفع الصوت مما يصبح معه أداؤُنا أقرب إلى الصراخ منه إلى الغناء، فوجب الاِنتباه إلى ضرورة تكييف الأداء لِئَلاَّ يكون فيه صراخ في حضرة الحبيب الممدوح صلى الله عليه وسلم.. ولنتذكَّر قوله تعالى من سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى. لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ”.

في الحلقة السادسة إن شاء الله   ما سرُّ هذا الذِّكْر المرفوع للإمام البوصيري ولِبُردته الشريفة بشرف خير ممدوح صلى الله عليه وسلم؟

   هل “البردة” تُحْفَةٌ بيانية فنية لمن أراد الغوص في بحار لغة القرآن والتجَمُّل بصدفاتها وكنوزها؟ هل هي مادَّة تربوية توجيهية في النفس يَأْتَمُّ بها السالكون؟ أم هي تأريخ وتوثيق لحياة وفضائل ومعجزات وجهاد وسيرة خير الخلق أجمعين عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟ ربما كانت مادةً غنائيةً “تنشيطية” للمحبين تنطق عما تفيض به أفئدتهم من حب وشوق ولوعة وهيام بالقدوة الأسنى صلى الله عليه وسلم. أو لعلَّها مناجاةٌ رقيقة بَثَّهَا قلبٌ رقيقٌ وفؤادٌ وَلِهٌ وروحٌ مُتْعَبَةٌ خائفةٌ راجيةٌ مُقْبِلَةٌ مُدْبِرَة. أهي درس بليغ في حُسن التأدُّب مع حبيب الله صلى الله عليه وسلم؟ أَمْ هي مثال حيّ للمحبِّ الصادق الْمُتَّبِع المقتدي؟

   هل هي واحدة من هذه؟ أم هي بعضٌ من هذه؟ أم إنها كلُّ هذه وغيرُ هذه؟