كان من أول ما فعله الأمير التائب، العالم المجتهد عمر بن عبد العزيز بعد أن تخلى عن العهد الذي ولاه به سليمان بن عبد الملك، وبعد أن التف الناس حوله وبايعوه بيعة جديدة أعطته مشروعية شعبية كما نعبر في عصرنا، أن أعتق جواريه وخيَّرهن بين الانطلاق أو المكث في كنفه على علاقات مستأنفة، لا شأن له بهن وقد أصبحن أجنبيات عنه إلا من حيث كونه ولي الأمر يرعاهن كما يرعى سائر الناس. هذا في شأنه الخاص.

وفي الشأن العام كتبت له فرتونة السوداء مولاة ذي أصبَحَ رسالة تشكو أن لها حائطا قصيرا وأنه يقتحم عليها منه فتسرق دجاجاتها. فيكتب رئيس الدولة إلى ضعيفة الضعفاء، ويكتب إلى عامله أيوب بن شُرَحْبيل يذكر له أمر فرتونة ويأمره أن يذهب بنفسه ليسهر على تحصين الحائط القصير وصيانة الدجاجات.

كان العدل تأخذ الأَمَةُ بيده تنطلق به أنى شاءت ليرفع عنها الظُّلامة. وهاهو العدل في زمن التجديد يعيد سيرة زمن التنزيل. تحرك جهازه رسالة من سوداء مسكينة تمكنت من إسماع صوتها بعد أن حرر عمر قنوات الاتصال بين القمة والقاعدة من الحصار الإعلامي والاحتكار لوسائل الاتصال. ذلك أن البريد كان على عهد سلفه جهازا في خدمة الدولة ينقل المراسلات من كابر إلى كابر، فأمر عمر أن يصبح البريد في خدمة الشعب، تدفع إليه الفرتونات شكاياتهن، فلا يلبث الراعي المسؤول عن رعيته أن يلبي النداء.

كان حزم عمر المجدد رحمه الله في تصفيته مظالم أمراء بني أمية لا يعدِلُه إلا الحزم في إنصاف الضعيف. وكان مع الحزم رفق وتدرج كما قرأنا في الفقرة السابقة. من رفقه وتدرجه أنه كتب إلى عامله عدي بن أرْطأةَ وقد استأذنه في تعذيب أناس سرقوا مالا عظيما ليستخرجه من أيديهم فقال: “أما بعد، فإن العجب كل العجب استئذانك إياي من عذاب بشر كأني لك جُنّةٌ، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله عز وجل. فانظر من قامت عليه البينة، ومن أقر لك بشيء، فخذه بما أقر به. ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله. وَايْمُ اللهِ لأن يلقوا الله عز وجل بخياناتهم أحب إلي من أن ألقى الله عز وجل بدمائهم. والسلام”.

رفق تجديدي وعفو وحقن للدماء يحكي رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل مكة منتصرا وطوى صفحة الماضي فعفا عن المشركين بالأمس الداخلين في الإسلام سراعا لما سمعوا كلمة الرؤوف الرحيم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

حكمة التنزيل أنارت الطريق أمام عملية التجديد. وبيننا نحن وبين تلك الحكمة الأصلية حجُب القرون المتراكمة. كلما ازددنا انحطاطا ازدادت الكثافة الحاجبة وازداد العنف باستفحال دواعي العنف.

همة رجل فذ هو عمر بن عبد العزيز خرقت ما كان غَشَّى الأفق بين العهد الأول وبين عهده، وكان حافلا بالفتن والمآسي.

همة رجل. فأين همم النساء بعد نحو قرن من الهجرة؟ أين تلك النهضة التي أبرزت خديجة أم المؤمنين، وسمية أول شهيدة في الإسلام، وعائشة العالمة، واللاتي غزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللاتي عرضن نحورهن فداء لنحره، واللاتي جادلهن عن حقوقهن ونازعن حتى أنزل الله قرآنا يتلى في فصل خصومتهن ورد حقهن، واللاتي هاجرن إلى الحبشة، واللاتي هاجرن إلى المدينة، واللاتي آوين ونَصرن؟

من أخمد تلك الجذوة؟ من أطفأ ذلك النور؟ من هبط بالمرأة من معاني الحياة السامية، النابضة بالقوة، السخية بالعطاء، إلى حضيض واقع الجواري في القصور، إن أعتقهن عمر بعد أن هجر القصر وأوى إلى بيت متواضع فقد بقين في المجتمع المسلم بضاعة تُسَوَّق. عمر تاب وأعتق الرقاب كما يريد الله للرقاب أن تعتق لأن أسرها ما كان أسلوبا لاستغلال القوة العاملة واقتناء الجواري الحسان. إنما كان مدرسة للإيمان.

لا نجد بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة ذكراً للنساء بفضل، وكأن الفتن التي ابتلعت من الرجال أنفة الخضوع للسلطان الجائر عقّمت النساء من الفضائل التي كان يتحلى بها الجيل الباني المشارك الحي من الصحابيات رضي الله عنهن.

همة امرأة وثباتها وعطاؤها كانت الأساس الخلقي المعنوي الذي رُكِّزَ عليه لواء الإسلام. أمنا خديجة رضي الله عنها حاطت محمدا بعنايتها، وتزوجت، وأنفقت. وهي زوّدته لغار حراء يتبتل. وهي أول من آمن به وصدقه وثبته لما جاءها يرجُف من رؤية الملك الذي جاءه بالوحي. قالت له وقد بث إليها أنه خشي على نفسه: “كلا! أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمِل الكَلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق”. الحديث رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها.

يلومنا المشككون في الدين من الإسلامولوجيين أننا حين نتعلق بعهد التنزيل والتأسيس إنما نتعلق بتاريخ أسطوري جمَّله في خيالنا الحنين إلى المثال الرفيع ونحن في الحضيض، ونُشدان صور القوة ونحن ضعفاء، والتسلي بذكريات النصر ونحن مهزومون.

قد يكون شيء من ذلك لو أننا نقرأ السيرة العطرة دون أن نقف عند النقص البشري الذي لا تبخل علينا المصادر بأخباره، ولو أننا نُغْفِل المعاناة والصبر والتحمل وفضائل التدرج ووقائع الأخطاء التي عالجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقرب الناس إليه وفي الأعراب الجفاة.

لكن ما يرمي إليه الملحدون والشاكون المشككون وجنود إبليس أجمعون هو إنكار الغيب. الغيب عندهم مثال وخيال وعدم. وعندنا الهداية عنوانها الإيمان بالغيب وخاتمها اليقين بالآخرة.

قمة الكمال وكمال المثال في خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها التي نصدُق إن قلنا إنها نهض بها الإسلام كما نصدق إن قلنا إنها نهضت بالإسلام. ويجيئها وسام الشرف من رب العالمين. مثال وخيال عند القوم المجرمين، وعندنا نحن حق اليقين. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتْ ومعها إناء فيه إدام -أو طعام أو شراب- فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني. وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب”.

القصب الذهب المصوغ.

لا إله إلا الله! أي فضل هذا نالته من حملت الإناء تطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسقيه وتحوطه بحمايتها وتثبته في أهم فترة من فترات لقاء الأرض بالسماء!

مثال عال. ونلتفت إلى واقع المسلمين والمسلمات في عصرنا فماذا نرى؟ إن تلك اللواتي تحدثهن عن الهمة القعساء، والإيمان السماوي، والطهر الملائكي، والقوة والثبات، والصبر على الشدائد، والصمود حتى الشهادة، غارقات في المشاكل الحضيضية. مشاكل محرقة ملحة: أزمة السكن، وعمل المرأة بأجور بخسة، وتعسف الرجل يطلق على هواه ويطرد من البيت الأم والأطفال، وغلاء المهور، والعزوبة الغاوية، والإعلام المهيج المسعور، وشوارع تنشر فيها الرذيلة، وتبرج المترفات يلعنه بؤس البائسات، والبغاء العلني والسري، والتخلف الحضاري، والانحطاط الأخلاقي، والهزيمة، والقائمة طويلة.

هل ينتظر من المومنات أن ترتفع همتهن متجاوزة الهموم المقيمة؟ بعبارة أخرى هل تستطيع المومنات الخروج من ربقة المظلومية والرّق والفقر دون أن يشاركن في اقتحام العقبة؟ عقبات هي متعددة المظاهر.

كُنّ الصحابياتُ رضي الله عنهن يقتحمن العقبة ويسندن الرجل يساعدنه في الاقتحام. أعيدي أيتها الأخت الكريمة قراءة ما كتبناه عن خديجة في الصفحة السابقة. كانت المومنة الصالحة تقف في درجة الرجل لكي يسمو بنفسه فلا يتدحرج في خطوات الشيطان. كانت الواحدة منهن تخاف الله وترجو لقاء الله فتقول: يا أبا فلان! أطعمنا حلالا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار وغضب الجبار.

مساندات كن ومانعات للرجل عن التدحرج. بل ومنهن من تقتحم العقبة لا تنتظر الرجل أن يسحبها معه كما يُسحب التابع. كم من صحابية أسلمت وتخلت عن المشرك الزوج، والمشرك الأب، والمشركة الأم، والمشركين العشيرة والقوم والحماية والرزق. كم منهن هاجرن إلى الله ورسوله ابتداء من ذاتهن وهمتهن ومبادرتهن.

كذلك إن شاء الله يزرع سبحانه في الأجيال الصاعدة همة الاقتحام فيلهمهن من الإيمان واليقين ما معه تهون التحديات.

منهاج اكتساب الإيمان وتربية القوة الاقتحامية نُلخصه هنا ونراجعه لنتهيأ في الفصل المقبل بحول الله لمطالعة حقائق العالم الذي يطلب إلى المومنات أن يشاركن في تغييره حاملات رسالة الإسلام إلى العالم متجاوزات الهموم اللاصقة بالأرض الملصقة بها.

صبر النفس وحملها على ما تكره من الاستقامة في طاعة الله عز وجل والانخراط في حزب الله مع عباد الرحمان الأشداء على الكفار الرحماء بينهم. لا تكون المومنات إماء للرحمان إن لم يجمعن بين الشدة في الحق والرحمة بالحق. الشدة الحذرة اليقظة في مواجهة سماسرة الباطل وسمساراته بين ظهرانينا. لولا وجودهم ووجودهن دخلاءَ ماكرين وولاؤهم لأعداء الإسلام ما قدر أعداء الإسلام أن يفعلوا بنا ما يفعلون.

على المومنات جهاد لاقتحام عقبات التقاليد، وعوائق العقل الذي ينبغي أن لا ينقاد إلا للحق، وعوائق العادات والأنانيات والذهنيات المتخلفة. قضية المومنات لا تحل إلا في إطار حل شامل يُشاركن فيه متزعمات مع الرجال لا تابعات. والله ولي حميد.