مقالة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيدينا تَكون مفتاح فقه التغيير. نتأملها في هذه الفقرة لنختم الفصل الأول من هذا الكتاب إن شاء الله في الفقرة التالية بالحديث عن إرادة التغيير وعقبات التغيير. فقه بلا إرادة خيال وحلم. وإرادة بلا فقه يضم في نظرة واحدة العلم بما أوجب الله وبما سن رسول الله إلى العلم بما خلق الله في الكون وما ابتلى به الناس بعضهم ببعض توشك أن تؤول إلى تخبط عنيف: موجة عارمة ثم تنكسر. انتفاضة غاضبة تهدم لكن لا تبني. جعجعة ولا طِحْن.

روى الحافظ ابن كثير في “البداية والنهاية” أن عمر رضي الله عنه قال: “قد علمت ورب الكعبة متى تهلِك العرب. إذا ساسهم من لم يدرك الجاهلية ولم يكن له قدم في الإسلام”.

قدم في الإسلام. سابقة فضيلة وجهاد، ورسوخ وثبات.

ما هي قضية المومنة ومسؤوليتها؟ أن ترضى بـ”الدرجة” و”الرعاية” يتصرف بمقتضاهما الرجل تجاهها على هواه لتبقى عالة ولتنكمش في خصوصياتها تتفقه في أحكام النساء لا تتطلع إلى ما وراء ذلك؟ أم أن لها قضية ومسؤولية في تغيير المنكر وبناء المعروف متقربة بذلك إلى ربها؟

يجيب عن السؤالين مفتاح الفقه في قولة عمر رضي الله عنه. من لا يعتبر بالتحول الشاسع الذي حمل المرأة من هوان جاهلية ما قبل البعثة ولم يتفقه بالحياة النشطة ومشاركة الصحابيات رضي الله عنهن في بناء الإسلام كان ما يُهلك من كيان الأمة أكثر مما يبني. وهل يتصور بناء دون مشاركة المومنات؟

هذه قراءة لقولة أمير المؤمنين من زاوية المومنات. وقراءة أخرى عامة هي أن من لم يعش في الجاهلية ويواكب الجهاد الصابر الطويل النفس الذي عالج به رسول الله صلى الله عليه وسلم النفوس والأوضاع، ويعتبر بالرفق الذي ليَّن به الصعاب، والتؤدة التي قابل بها تعجل الجاهلين إلى الشر، والحلم والمداراة، يوشك أن ييأس عند أول عقبة تعترض، وأن يفاصل المجتمع ويكفره ويهرب من الميدان، أو يكسر ما يخالف إرادته من إنسان وأوان.

من نشأ في مجتمع قارٍّ على إسلام لا يعرف الناس غيره، ولم يعرف من تاريخ التحول من جاهلية لإسلام إلا ما يقرأه غير مكترث ولا معتبر في كتب السِّيَر، وسكنته الرغبة الحميدة في أن يرى هذه البِدعَ تقمع، وهذا الهوان ينقلب عزة، وهذا الضعف يتحول قوة فالصورة أمام عينيه ظلام ونور، جاهلية وإسلام، حق وباطل. لا انفكاك حتى يغلب الحق، وينجلي الظلام وتضمحل الجاهلية: الآن.

عمر رضي الله عنه حين قال مقالته يتذكر قصة إسلامه هو حين توشح سيفه وخرج يريد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتذكر حين بطش بخَتنه سعيد بن زيد، وحين ضرب أخته فاطمة وشجها. ويتذكر ما ألْحق هو في جاهليته بالمسلمين الذين سبقوه بالإيمان من أذى. ويتذكر ما عاناه الصحابة رضي الله عنهم حين هاجروا للحبشة ثم إلى يثرب وتركوا العشيرة والمال والديار.

في التنزيل كان الرفق والتدرج والصبر والمعاناة. من لا يعتبر بالسنة العملية مفصلة في السيرة الجهادية يوشك أن يبغيها طفرة واحدة.

وهذه في كتاب الله آية مفاصلة بين المومنين وأزواجهم المشركات. متى نزلت؟ متى افترق الصحابة ممن لم يسلم أزواجهم عن الكوافر؟ قال الله تعالى من سورة الممتحنة: )ولا تمسكوا بِعِصَمِ الكوافر(.(سورة الممتحنة، الآية: 10) قرآن نزل في السنة السادسة للهجرة بعد ثمان عشرة سنة من البعثة، بل تسع عشرة.

بعثت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاتنا زينب قلادتها من مكة لفدية زوجها أبي العاص بن الربيع وكان أسِرَ في بدر. مومنة في عصمة مشرك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يَرِقّ لها ويقول لأصحابه: “إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا”.

نزلت آية المفاصلة فطلق عمر يومئذ زوجه المشركة قريبة بنت أمية بن المغيرة، وطلق طلحة بن عبيد الله وهو من كبار المهاجرين وعظماء المسلمين زوجه المشركة أرْوَى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.

هذا مستمسك نعتصم به ونعتبر ونتعظ.

ونعتصم ونتفقه بالسنة الحية التي تخبرنا فيها أم المومنين عائشة تقول: “إنما نزل ما نزل منه (أي من القرآن) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار. حتى إذا تاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء: “لا تشربوا الخمر” لقالوا: لا ندع الخمرَ أبدا. ولو نزل: “لا تزنوا” لقالوا: لا ندع الزنا أبدا”. الحديث. رواه البخاري.

وروى الشيخان وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال: “إنك تَقدَمُ على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل. فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم. فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة توخذُ من أغنيائهم وترد على فقرائهم. فإذا أطاعوا فخذ منهم وتوَق كرائم أموالهم”.

ولنا المستمسك الوثيق الأوثق في قوله تعالى: )فَبما رحمة من الله لِنْت لهم. ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. فاعف عنهم واستغفر لهم وشاوِرْهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله. إن الله يحب المتوكلين(.(سورة آل عمران، الآية: 159)

أرأيت الذين كتب عليهم الجهاد والقتال والشدة والغلظة على الكافرين كانوا يتماسكون بغضب ثوري أو حمية قبلية؟ كلا، بل الرأفة والرحمة منبعثة من قلب القائد النبي الأمين تسري إلى القلوب وتتألفها وتحبب إليها الإيمان. قال الله عز وجل يخاطب الأمة: )لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم. حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم(.(سورة التوبة، الآية: 129) أهذا إخبار في الهواء، نسمعه ونتلوه ثم نكون نحن في خاصة حياتنا الأسرية مع الزوج التي لنا عليها درجة وفي حياتنا العامة نماذج للغلظة والخشونة؟

يقول القائل: تلك كانت جاهلية خالصة دخل عليها الإسلام. أما في عصرنا فالمسلمون بعد أن عرفوا الإسلام ارتدوا إلى الجاهلية. ويستشهد القائل بالرائدين العظيمين المودودي وسيد قطب يحمل كلامهما ما لا يحمله لينشئ لعنفه وسياسته المهلكة مرجعا.

نرى إن شاء الله في فصل لاحق من هذا الكتاب ما هي الجاهلية وكيف تكون المعاصي مهما غلظت ثلمة في دين المرأة والرجل دون أن تخرجهما من دائرة الإسلام.

كلا والله ما أنزل الله علينا آيات الرأفة والرحمة واللين، وما قبّح لنا الفظاظة وغِلَظ القلب إلا لنتخلق بالجميل ونتحلى، ولنتطهر من القبيح ونتخلى.

والأمر بذلك والترغيب فيه مؤكد في السنة المطهرة.

روى الشيخان والترمذي عن أم المومنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يحب الرفق في الأمر كله”. الحديث. وفي رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: “يا عائشة! عليك بالرفق، وإياك والعُنفَ والفُحشَ”.

وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما”. الحديث.

ما بال أحاديث التدرج والرفق واللين واليسر ترويهما امرأة؟

القلب الرحيم لا شك، وحس المومنة المجبولة على تعهد الحياة وبناء الإنسان محمولا في البطن، وموجعا من أجله في الوضع، ومُرْضَعا مَحْنُوّاً عليه، ومفطوما مفصولا برقة، وصبيا يلعب في الحجر، وغلاما مشاكسا، ويافعا ثائرا، وزوجا بعد وأبا. كل ذلك يطلب من المعاناة والصبر واللين والحب والرفق ما تقدُره المرأة حق قدره، فتسمعه من الوحي، وتخزنه لنا ذاكرتها. فللمومنة في فقه التغيير وتفقيه الرجال بأسلوبه المرتبة الأولى. وكم أمامها من معاناة لتقنع الشباب المتحمس أن إكراه المتبرجات على ستر شعرهن إنما يبلد الشعور وينفر القلوب.

هذه وقفات مع السيرة الحية والآيات البينات، والأحاديث المطهَّرات من زمن التنزيل. ونمُر على زمن التجديد لنقف عند رجل من أعاظم الرجال وأئمة الإسلام مجدد القرن الأول عمر بن عبد العزيز الخليفة الخامس رحمه الله لنجد الرفق.

كانت الأمراء من بني أمية يكيدون لابن عمهم عمر ويعدون العدة لإسقاطه كراهة لما يصلح من شأن الأمة وما يرد من ظلامات ارتكبها جبابرة الملوك من قبله. ويستحثه ابنه الصالح عبد الملك للإسراع في الإصلاح قائلا: “مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أُبالي لو أن القُدور غَلَت بي وبك في الحق!”.

فتى لا يخاف الكيد المحيط ويستعجل، فيجيبه الرجل الكامل قائلا: “لا تَعْجل يا بني. فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة”.

عمر الثاني حفيد عمر الأول نَسبا وتلميذه فيما قرأنا من قوله، وتلميذ عائشة فيما نظرنا من حديثها عن التدرج في التنزيل، لا جَرَم أن يكون بريئا من الشِّرَّة الثائرة بشباب الإسلام ثابت القدم في السنة. روى الإمام الترمذي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وقد بلغه أن رجالا من أصحابه ينصَبون في العبادة نصبا شديدا: “إن لكل شيءٍ شِرّةً، ولكل شِرّة فَترةً. فإنْ صاحبُها سدَّد وقارب فارجوه، وإن أُشير إليه بالأصابع فلا تعدوه”.

ينقطع الغالي في الدين الضاري فيه ويتساقط ويفشل. سواء الذي ينصَبُ في عبادته الشخصية والذي يعنف على الناس. ونعوذ بالله من شر الوسواس الخناس.