مقدمة مؤسسة   يعتبر الأستاذ المربي عبد السلام ياسين -حفظه الله- من أكثر رواد الحركة الإسلامية وقادتها ثراء فكريا، وغزارة في الإنتاج والتأليف التنظيري للعمل الإسلامي كمّا وكيفا، فقد تناول بالدرس والتحليل في مصنفاته القيمة تاريخ المسلمين وواقعهم واستشرف المستقبل بالتأسيس والتقعيد.

   إلا أن خطه الفكري اللاحب وجهوده التنظيرية لم نل بعد حظها اللائق من الاحتفال والاهتمام من لدن الباحثين والدراسيين المنصفين، من حيث تفصيل مشروعه الدعوي وبيان أسسه التربوية والحركية.

   بل على العكس من ذلك، فقد درج العديد من المشاغبين على فكره -وفي مناسبات شتى- على الانتقاص من مشروعه، والتعمية على أصوله السُنية السَنية ومبادئه الإنسانية النبيلة، بدون سند علمي ظاهر، قصدهم من ذلك تحقيق أهداف “سياسوية” رخيصة أو مكاسب شخصية بغيضة أو على الأقل تشويش بال الرأي العام وتخليط الأمر عليه.

   وكل هذا ناشئ عن أسباب عدة منها:

   1- الحصار الإعلامي الذي عانى منه فكر الرجل ورأيه -وما يزال- قبل أن يضرب الحصار على شخصه -حفظه الله- وبعد رفعه قصد طمس معالم منهاجه الإصلاحي وإقبار مشروعه الإحيائي، وقد تمثل ذلك في مصادرة الكثير من المجلات والجرائد التي أشرف على نشرها وكذا تأخير طبع الكثير من كتبه التي لم يتيسر لها الطبع في حينه، بالإضافة إلى تضليل الرأي العام عبر تشويه أفكار الرجل.

   2- قلة إطلاع المخالفين والمنتقدين لآراء الرجل من (المثقفين) والصحافيين وغيرهم من أنصاف المثقفين ضحايا المواقف المتسرعة على فكر الأستاذ الجليل في تفصيلاته الدقيقة المبثوثة في ثنايا كتبه ومصنفاته، وعدم صبرهم على عناء القراءة المتأنية التي تتيح لهم سبر أغوار منهاجه، بل تجد أغلبهم يكتفي دون عناء بالاطلاع على بعض الخطوط العريضة والقضايا العامة وهذا ما يؤدي بهم حتما إلى ضحالة في الفهم وسٌقم بيّن في التحليل يقعون بسببهما في مطبات فكرية خطيرة وتأويلات فاسدة، وأحكام “قيمية” غير منصفة.

   3- قراءة فكر الرجل وتحليل الكثير من آرائه التربوية واقتراحاته السياسية ومواقفه المشهورة، مبتورة عن منهاجه التغييري العام، وبيانه الدعوي الشامل مما يجعل الخلاصات والنتائج التي يتوصل إليها أصحاب هذا المنحى التحليلي تفتقر إلى أدنى أساس شرعي.

   ولهذه العوامل مجتمعة وغيرها، رأيت القيام بمحاولة متواضعة لقراءة آخر كتب الأستاذ المطبوعة، الموسوم ب (مقدمات لمستقبل الإسلام) الذي كتبه سنة 1403هجرية أي قبل ثلاث وعشرين سنة.

   وحال دون إخراجه للناس عوامل كثيرة أبرزها الحصار الإعلامي الذي كان مضروبا على إصداراته حفظه الله.

   ثم إن هذه القراءة المتواضعة تتقصد أولا المساهمة في بيان معالم فكر الرجل وأسس مشروعه من خلال تسليط الضوء على آخر مصنفاته المطبوعة، ومن تم تقريب منهاجه لعامة الناس وخاصتهم.

   كما أنها تبتغي ثانيا مدّ جسور الحوار والتواصل مع الطبقات (المثقفة) وحملة ألوية الصحافة والكتابة في هذا البلد وغيره، لعل هذه القراءة -على علاتها- تثير فيهم حماس العكوف على فكر الرجل بحثا وتنقيبا، قصد اكتشاف مشروعه في تكامله وعلى حقيقته، حتى يكون الحكم على الشيء فرعا عن تصوره كما يقول الأصوليون.

معالم هادية   إن أية قراءة راشدة للكتاب الذي بين أيدينا لا يمكنها أن تتحقق إلا من خلال مراعاة اعتبارين اثنين هما:

   1- قراءة الكتاب في ضوء الفكر العام للأستاذ الجليل حفظه الله، خصوصا كتابه المنهاج النبوي، الذي يلخص بحق مشروعه في كبريات يقينياته التربوية والحركية. وقد ألمح إلى هذا الأمر الكاتب نفسه، عندما أكد في الفقرة الأخيرة من هذا الكتاب على أن تربية جند الله وتأليفهم مقدمة ضرورية لكل عمل جهادي. ثم قال: “وقد كتبنا في الموضوع ما شاء الله من فهمنا (للمنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا) في كتابنا الذي يحمل هذا العنوان، فليكن هذا مقررا، فإن هذا الكتاب الذي بين أيدينا مبني على ذاك . يشرحه ويكمله”(1).

   2- استحضار الأحاديث النبوية التي تزف إلى المسلمين بشرى عودة الخلافة على منهاج النبوة، وانتشار الإسلام في كل ربوع العالم، وقد أكّد المؤلف -حفظه الله- في غير ما مرة على قرب تحقق هذه البشارات النبوية، مستعرضا جملة من الأحاديث التي تؤيد ذلك في فقرة (المنهاج النبوي) من هذا الكتاب وخاصة حديث الخلافة الذي يجعله المؤلف محورا لتفكيره.

   ومما يعزز هذا اليقين ويثبته، الكثير من المؤشرات المادية التي يوردها الكتاب منها:

   – معاناة الإنسانية في العالم أجمع، واستياء المستضعفين من بطش الاستكبار العالمي وظلم جاهليته، جعلهم يتوقون للخلاص، وينشدون التحرر من همجية الإمبريالية العالمية المتوحشة.

   – بروز معطى الصحوة الإسلامية، وقوة تشكلها، وسرعة امتداد تأثيرها في العالم ابتداء من النموذج الإيراني والجهاد الأفغاني قبل الفتنة، إلى مختلف الأشكال التي عرفها عالم ما بعد زمن كتابة المؤلف، خصوصا الانتصارات الساحقة للمقاومة الإسلامية في جنوب لبنان وفلسطين… وغيرها.

   ثم يقرر الأستاذ حفظه الله أن الناس في مواقفهم من هذه البشارات، عقليات ثلاث:

   أولا: العقلية المادية المبنية على التحليل المادي للتاريخ، والمسلحة بجهاز مفاهيمي يستحضر المعطيات القائمة على أساس الحس والتجربة ويستبعد كل ما له علاقة بالغيب .

   ثانيا: العقلية الخرافية التي بيّضت في عقول العامة من المسلمين وفرّخت، والتي تحوّل الإيمان بالقدر عندها إلى خمول وانسحاب من ميادين العمل والجهاد.و من هنا الانتظار السلبي للمهدي الذي سيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا.

   ثالثا: العقلية الجامعة، وهي عقلية المؤمن الجامعة بين الإيمان بقدر الله الذي كشف أطواره التاريخية الوحي، وبين شرع الله الذي يطلب الإعداد والعمل لتحقيق الوعد الإلهي، سيرا على نهج الأنبياء عليهم السلام في التدرج واتّخاذ الأسباب.

مطامح مشروعة   للكتاب مطمحان عظيمان يشكلان المقدمتين الرئيسيتين لبناء مستقبل الإسلام، وهما:

   المطمح الأول تربوي: وهو تذكير الناس بربهم وإيقاظ همّ الله ولقائه في قلوبهم، رغم ما قد يحجب ذلك من تموجات الفكر وحجاج العقل والمنطق مما تقتضيه قواعد الاستدلال والتخطيط، وهذا المطمح من صميم مشروع الأستاذ الذي يجعل من التربية لبنة البناء.

   المطمح الثاني: رسم منهاج العمل الإسلامي الذي ينطلق من واقع الأمة بكل علله، ويتطلّع إلى غد الإسلام وتحقيق الوعد النبوي: الخلافة على منهاج النبوة. وذلك من خلال تربية رجال الأمة ونسائها وتنظيم جهادهم.

   ومن تمّ يحاول الكاتب إبراز أهم الأسس النظرية التي يتقوّم بها تصوره لمنهاج العمل المأمول، مع العلم أنه قد عالج هذه القضية وفصل جوانبها في أكثر من عمل.

   1- تأصيل المنهاج: إن اكتشاف المنهاج النبوي واستمداد أسسه ومرتكزاته، يكون -حسب الكاتب-من القرآن والسنة دون الغفلة عن حكمة الله في آفاق الكون وتسلسل التاريخ.

   ومن ذلك الاتعاظ بعبرة القرى وهو: “تعبير قرآني عن مجتمعات بشرية خلت يعرضها علينا الله سبحانه دروسا”.(2)

   ينطلق تأصيل المنهاج من قول الله عز وجل في سورة المائدة، الآية48 (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا).

   قال ابن عباس: الشرعة ما جاء به القرآن، والمنهاج ما جاءت به السنة.

   بناء على ما سبق تكون “الشرعة هي أمر الله المنزل الضابط للتكليف وشروطه وأحوال المكلفين، ويكون المنهاج هو التطبيق العملي للشريعة، وإنزالها على أحداث التاريخ في الإطار الزماني والمكاني والاجتماعي والاقتصادي والسياسي المتغير المتطور الذي تُمثل السيرة النبوية نموذجا فذا له. لكن نموذجا حيّاً قابلا للتجديد في روحه وإن تنوّع الشكل”.(3)

   ولهذا يميّز الأستاذ حفظه الله في السنة بين السنة بمعناها التعبدي التي لا يجوز التحول عنها، وبين ما كان من السنة “سلوكا سياسيا ومعالجة لحياة الناس وسياسة للمال وللجهاد”.(4) والتي كانت اجتهادا من النبي صلّى الله عليه وسلّم خاضعا لظروفه الزمانية والمكانية، متأثرا بمعطيات المتاح من التجربة والمعرفة الإنسانية آنذاك.

   وهذا الصنيع يجد له مستندا في عمل الكثير من فحول الأصوليين الذين درجوا على التمييز بين تصرفات النبي صلّى الله عليه وسلّم وعلى رأسهم الإمام شهاب الدين القرافي في كتابه الفروق.

   وهذا التمييز في تصرفات النبي صلّى الله عليه وسلّم يفتح الباب واسعا أمام الاجتهاد والاستمداد من”الحكمة العملية من خبرة التاريخ” (5).

   لكن الكثير من الناس لم تتسع مداركهم العلمية للتعامل مع السنة على هذا الأساس المعرفي لهذا نجد الكاتب ينحو باللائمة على العديد من الاتجاهات الفكرية والمدارس التي تعاملت مع السنة بقصور بيِّن، ومن بين هذه المدارس:

   أولا: مدرسة التفسير المادي للتاريخ التي يقصر أصحابها تفسير أحداث السيرة النبوية العطرة على معاني أرضية صرفة، وهكذا يفسرون ظهور الإسلام بانتصار طبقة العبيد والمقهورين تحت قيادة رجل عبقري وموهوب اسمه محمد.(6)

   ثانيا: مدرسة الكم والجمع التي عالج أصحابها من المؤرخين تاريخ الإسلام عبر عصوره الطويلة بالعرض المجرد،لا ينفذ نظرهم إلى ما وراء الأحداث وما سبقها وما نتج عنها.

   ثالثا: المدرسة القومية التي يفتخر روادها بالتراث العربي العريق والأمجاد القومية الغابرة، ينصبون بذلك الشرك السياسي لاصطياد عواطف الأمة التي مازالت تحنُّ إلى الإسلام.

   2- منطلق المنهاج: ينطلق منهاج العمل الإسلامي من الحاضر بكل إكراهاته وعلله التي تراكمت عليه بتوالي النكبات والإخفاقات منذ قرون عديدة. وذلك لأنه هو المقصود بالتغيير لذا لا يمكن تجاوزه والقفز عليه.

   ومن أهم سمات حاضر الأمة ما يلي:

   – الوصال النكد بين أجهزة القمع المحلية، ودوائر الاستكبار العالمية قصد خنق الحركة الإسلامية المعاصرة، والقضاء على مظاهر الصحوة التي عمت الأمة في مختلف بقاع العالم الإسلامي.

   – استبداد الطبقات الحاكمة الفاسدة التي تربت في مشاتل الاستعمار ورضعت ألبانه الجاهلية بمقاليد الأمة وشؤونها.

   – طبقات من النخب الثقافية المغربة من ليبرالية واشتراكية وقومية وهي عبارة عن نخب معزولة تتاجر باسم الإسلام والامجاد القومية .

   – أمة مخدرة مقهورة، لكن رصيدها الفطري يبقيها متشبثة بقيم الإسلام ومتعطشة لمبادئه السامية كالعدل والشورى.

   3- أسس المنهاج: يرتكز بناء التصور المنهاجي على أسس متينة، وظيفتها إعادة تشكيل العقل المسلم وصياغة معالمه الروحية. وتتمثل هذه الأسس فيما يلي:

   أولا: الانقطاع عن الجاهلية

   لقد كان “لصدمة الاستعمار” والانبهار بالحضارة الغربية الأثر العظيم في عقول بعض “ذراري المغربين” من أبناء المسلمين ونفوسهم، بحيث تبنوا الكثير من الأفكار والمقولات العلمية والفلسفية التي نشأت في أحضان التاريخ الغربي وسياقاته المعرفية، ومن بين أهم تلك المفاهيم نجد “الانقطاع الابستمولوجي” هذا المفهوم الذي نشأ في الغرب وترعرع نتيجة صراع مرير بين الكنيسة المهيمنة على كل شؤون الحياة وبين الفكر التنويري الحداثي الذي ناضل من أجل الحرية والمساواة والانفكاك من أسر القبضة الحديدية للكنيسة، وقد أفضى هذا الصراع إلى الاندحار الكنسي وانحسار مجال تحكمه، واستقلال الشؤون الحياتية عن الدين.

   لكن المغربين من أبناء جلدتنا يغفلون عن هذا السياق الفلسفي والتاريخي، ويتجاهلونه، ويزعمون أن الانقطاع المعرفي شرط أساس لنهضة الأمة من جديد وإعادة أمجادها” وتعني الكلمة والدعوة أن نفصل بيننا وبين القرآن والإيمان والألوهية والربوبية والنبوة والوحي فصلا نهائيا”.(7)

   لهذا يدعو الأستاذ عبد السلام ياسين- حفظه الله- في المقابل إلى قطع حبال الجاهلية والانسلاخ عن كل سماتها وتجلياتها صدرا وموردا كما فعل السلف الصالح،”والمنهاج النبوي يبدأ أيضا بالانقطاع عن موارد الجاهلية فيما يرجع للعقيدة والخلق والذاتية ومنهاج العلم والعمل”.(8)

   ثانيا: الوصال الروحي والفكري مع القرآن والسنة لأنهما المصدر الذي يُستمد منه المنهاج وعليهما يُبنى دون الغفلة عن التجربة والحكمة البشريتين.

   وعلى هذا الأساس المنهاجي الأم يبنى الأساس السالف الذكر ويأتي بعده، يقول الكاتب بعد حديثه عن الانقطاع المعرفي: ” أما نحن فالذي يصلنا بالله ورسوله إيمان بالله ورسوله وكتابه..”.(9).

   ويشير في موضع آخر إلى ضرورة الوصلة بالقرآن والسنة لأن بهما يستطيع المنهاج اقتحام العقبات وتجاوز التحديات، يقول: “وبقدر ما تكون وصلة جند الله بكلمة الله أقوى، تتضاءل في أعيننا العقبات والتحديات..”.(10)

   ثالثا: التربية الشمولية؛ بحيث أن المنهاج يروم تربية جند الله الذين”…تؤلفهم التربية، ويؤلفهم التنظيم، ويجمعهم ويوحدهم آصرة الإحسان”(11) إذ أن شمولية الجهاد لن يقوم إلا على تربية شاملة.

   لهذا يحذر الكاتب من مزلق خطير قد تنجر إليه الدعوة ورجالها، هذا المزلق هو الانسياق وراء عدوى الحوافز الأرضية.” فإن انقلب الميزان، وكان طلب الظهور يمسك بالزمام، فالإيمان في تقلص، والجهاد آيل لمعاني النضال الأرضي، والخلافة المزعومة متردية إلى ملك عاض وجبري فغثائية وانهزام”.(12) نعوذ بالله.

   أتمنى في نهاية هذه القراءة المتواضعة أن أكون قد أصبت بعضا من الحق، وحققت شيئا مما قصدت. فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.

الهوامش:

(1) مقدمات لمستقبل الإسلام ص: 43.

(2) المصدر نفسه ص: 12.

(3) المصدر نفسه ص: 25.

(4) نفسه.

(5) المصدر نفسه ص: 26.

(6) المصدر نفسه ص: 13.

(7) مقدمات لمستقبل الإسلام ص: 15.

(8) المصدر نفسه ص: 24.

(9) المصدر نفسه ص: 19.

(10) المصدر نفسه ص: 24.

(11) المصدر نفسه ص: 43.

(12) المصدر نفسه ص: 44.