من خصال عباد الرحمان أن يكونوا أشداءَ على الكفار رحماء بينهم، يدعون ربهم أن يهب لهم من أزواجهم وذرياتهم قرة أعين وأن يجعلهم للمتقين إماما. من يقتدي بغير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتخذ من دونه إماما تكن له الزوجـة ويكن لها الزوج سُخونة أعين، وتكن الذرية ويكن المجتمع مجتمع كراهية، ويكن إسلام المتشدد المتنطع منفرا صادا عن سبيل الله.

رسول الله صلى الله عليه وسلم الإمام الأعظم، الزوج الراعي المعلم الذي يسن للأمة ويوصينا ربّنا عز وجل أن نتخذه أسوة حسنة، هاهو ذا تتكئ الزوج المصونة عائشة على منكبيه، وتتفرج على حبشة يلعبون. وأين؟ في المسجد. ثم لا تنتهي الفرجة بملل الزوج الرسول القدوة حتى تكون الزوج الحريصة على اللهو كما أخبرت عن نفسها في حديث البخاري هي التي تسأم. هكذا تُعامل أم المؤمنين وعليها ما ليس على النساء.

أهذا هو ديننا الرفيق بالمرأة زوجا، المتواضع الرحيم بالمرأة أضعف ما تكون المرأة حين تأخذ بيده تذهب به حيث شاءت ليدافع عن حقها؟

أم أن ديننا هو التجهم والتعسير والتكشير وترجيم الأقوال الأشد غلظة على المرأة؟

ماذا وراء البرقع والجلباب الفضفاض والسجن المتنقل الذي يفرضه بعضهم على إماء الله؟ إذا كان تحت ذلك ووراء جدران بيت الزوجية حبيسة مومنة خاشعة عابدة تتقي ربها وتصبر على تعسف من يسيء استعمال سلطة الدرجة ومسؤولية الرعاية قلنا وسكتنا. وأمسكنا عن الخوض في شأن خاص شاذ.

لكنا نقول ولا نسكت إن زعم زاعم أن ديننا عسر لا يسر فيه، وتنفير لا تبشير، وإكراه لا رضى، وحيف لا عدل، وحرَج ما معه فرج.

إذا كانت رباطة الجأش في نصرة المظلوم مروءة وخلُقا فاضلا فإن الدين يعزز المروءة لتكون كلمة الحق في إنصاف المسلمات ونبذ لومة اللائم في سنة رسول الله الرفيقة بهن من أوجب الواجبات.

ما دون سنته صلى الله عليه وسلم الناصعة المضيئة كالشمس من شبهة في صحة النقل، أو نسخ طرأ، أو خاص لا يعمم أو مقيد ما له إطلاق، أو دلالة لفظية مشتركة. السنة من مقام العصمة تقول: هكذا فكونوا مع الزوج التي تحرص على اللهو، ومع المظلومة التي تريد النصَفَة. ويأتي المتشدد ومعه العبارة الجامعة المانعة: “لا يجوز!”

هو مِنَّا وإِلَيْنَا ذلك الصادق في إيمانه، الغيور على دينه، الغاضب لله ورسوله، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. لكنا لا نقبل منه أن يأتينا بترجيحات شاذة مقدسة عنده لما تقادم عليها الزمن وذاع صيت الفقيه المرجح حتى أصبح قوله هو السنة وما سواه بدعة.

الدليل!

أفتحتاج الدلالة اللفظية في حديث البخاري عن الزوج تتفرج وعن الأَمة تقود الإمام الأعظم باليد إلى استنباط وتأويل وشرح؟ في متناول كل مسلمة لها نصيب من العلم باللغة أن تقرأ النص وتدرك معنى حبشة تلعب، ومعنى المسجد، ومعنى زوج تتكئ على منكبي زوجها، ومعنى جارية تحرص على اللهو وتتفرج حتى تسأم والزوج صابر لها موافق راض.

كل مسلمة في متناولها أن تدرك معنى أَمة، ومعنى تأخذ بيده، ومعنى تنطلق به أينما شاءت. وهو أمر آخر غيرُ مصافحة الرجل للنساء التي ورد الحديث الصحيح بمنعها.

وفي متناول كل لبيبة ولبيب أن يستنتج من هذه الأعمال النموذجية أن روحاً من الود والرفق والمساعدة والإنصاف والاحترام كانت تسود المجتمع النبوي والبيت النبوي.

هل يعني هذا أن الاجتهاد في متناول كل مسلمة ومسلم معهما نصيب من العلم باللغة ودلالتها اللفظية؟ كلا ليس في المسألة المعروضة اجتهاد للفهم، لكن اجتهاد لاتباع سنة ثابتة بالقطع دالة بالنص الصريح الواضح.

للاجتهاد أهله وشروطه، في مقدمتها التقوى والعلم، ثم تحصيل الأدوات المنهاجية الأصولية. للاجتهاد موضوعه وهدفه، وهو استنباط الحكم من نصوص تتعارض، أو تحتمل التأويل، أو تشترك في لفظها معان متعددة، أو خصص نص آخر مفهوم النص المطروح للبحث أو عممه أو أطلقه وقيده.

وهذا لا مجال فيه للواعظ التقي الغيور على دينه ما لم يبن على أساس متين من التلمذة على المدرسة الأصولية ومناهجها التي هي أنفس ما تركه لنا وشيده وأقام صرحه العظيم فقهاؤنا الجهابذة رضي الله عنهم.

تجد غالبا المتنطعين المانعين إما جامدين على تقليد مقالة تقادمت فتقدست وصارت سورا لا يتجاوز، وغمامة قاتمة تحجب ضوء شمس السنة النبوية. وإما قارئين للقرآن والحديث قراءة حرفية جزئية بعقلية سطحية تبسيطية تقسم العالم قسمين ساذجين: يجوز ولا يجوز. ويزعم أحدهم أنه باستطاعته واستطاعة كل من فك كلمات الكتب الستة أن يجتهد ويحكم في الحلال والحرام. ولا تجد عند مثل الجامد المقلد المنحاز للرأي الشاذ و”المجتهد” وليس معه ماعونُ الاجتهاد أية دراية بمراتب الأحكام من وجوب إلى استحباب، ومن حرمة إلى كراهة، ومن حسن إلى خلاف الأَوْلى.

لا مجال للغيور على دينه والغيورة أن تتصديا للاجتهاد حتى يستوفيا الشروط. وإن باب الاجتهاد الذي فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز لأحد أن يغلقه. الاجتهاد له شروطه المعتبرة الضابطة التي ليست بدعة في الدين، لكنها لجام للعابثين بالدين والمتهورين في الدين.

حُجة الاجتهاد وضرورة تجديده يتذرع بها أمثال قاسم أمين وبورقيبة والملحدات والإسلامولوجيون، فيحتقرون الفقه الموروث، ويتباهَون باطلاعهم الواسع على التاريخ، وعلى أحوال العالم، والقوانين الاجتماعية للتطور، ودورات الاقتصاد العالمي، وحاجات البلاد الإسلامية المتخلفة، وإمكانياتها، وأسباب قهر المرأة سابقا ولاحقا، والعلاقة السلطوية الاقتصادية بين الرجال والنساء وبين الزوج وزوجه.

هؤلاء إباحيون يعرفون الداء ويؤولون الآيات والأحاديث على مَنْحىً يؤيد هوَسهم الذي يقترحونه دواء. والغيور المتحرك بإيمانه، القوي بإرادته، يصطدم بمظاهر الفتنة ومنها تبرج النساء المسلمات فيرى منكرا يجب أن يغير، وليس معه نصيب من معرفة الداء وطوايا الفتنة وعمق جذورها، وأسباب استفحالها، وحبال الجاهلية الرابطة بين المسلمين وبين العالم بروابط المدنية والصناعة والتجارة والإعلام والسياسة.

يعرف الدواء معرفته تلك التبسيطية، الجامدة أو المتهورة، وتغلي في نفسه الغيرة الصادقة، وتستفزه المظاهر البدعية الكفرية الخليعة، فلا يجد معه إلا سلاح “لا يجوز” يذب به عن الحوزة.

إن شرع الله أينما كانت مصلحة المسلمين. ومن لا يعرف واقع المسلمين ومنابع الفتنة في تاريخه، وحاضرهم في العالم وحضورهم، وطبيعة الصراع الدائر بين الإسلام والصليبية اليهودية، لا يستطيع أن ينزل شرع الله على واقع يستعصي، ويمتنع، ويماطل، ويتحكم في السلطة من لا يحبون الإسلام ولا يريدون لأهله خيرا. وتشتد وَطأَة البلاء فتكون “لا يجوز” تعبيرا عن الرفض، وتغيب ضرورة الصبر والتدرج.

رعاية المصلحة كانت رائد فقهائنا الأقدمين حين أصدروا فتوى جواز إمارة المستولي بالسيف. بهذه الفتوى أدخلوا ثورة الثائرين في إطار الشرع ليستوعبها مخافة أن ينخرق شمل الأمة وينفتق رتقها.

هذا الهم السياسي من جانب فقهائنا رحمهم الله كان وراء تغليب مصلحة على مصلحة، وارتكاب أخف الضررين، ودَرْء مفسدة كبيرة بمفسدة أصغر.

واصطبغ الاجتهاد بصبغة الاضطرار فيما عدا العبادات الفردية من طهارة وصلاة وصيام وحج. وتقلص الفقه في حدود ضيقة لما وقع على العلماء ضغط الحاكم الذي يريد الناس على طاعة لا يخولها له الشرع. فهجر الفقهاء قضايا الحكم، وأخلَوْا الساحة، ففقه الحكم في تراثنا يكاد يكون قاعا صَفصَفا. وفقه حقوق المرأة تابع. ضاعت حقوقها مع حقوق الكافّة.

يأتي المقلد الجامد فيدخل علينا الوهْن في الدين حينما يتبنى الفتوى القديمة بقطع النظر عن مصدرها الظرفي. يجيزها بلا سؤال ولا التفات إلى نصيحة الأسلاف رضي الله عنهم الذين أوصونا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال. كلمة “أحوال” هذه تقول لنا بصريح العبارة لمن يفهم ما تخفي السطور: ها نحن اجتهدنا في حدود ما تسمح به ظروفنا السياسية، فكونوا رجالا في ظروفكم! كلمة “أحوال” تعني ظروف الحكم العاض الذي يغلق باب الاجتهاد فتضمُر حاسة الفقه الحي ويعيش المقلدون على جثت فقهية ورِمَمٍ اجتهادية، ينظرون بأعين الموتى إلى واقع حي يحركه غيرهم فينزعجون ويغضبون ويصرخون: “لا يجوز”.

ويأتي المتهور “المجتهد” بفقه حرفي مجرد يحلق في سماء المثاليات ويلتصق بحضارة الجمل والبادية وحبشة تلعب، لا يجوز إن لم يكونوا حبشا، وفي المسجد، لا يجوز أن يلعبوا في غيره، وهكذا هذا العالَم لا يجوز لأنه ليس صورة طبق الأصل. وكأن الله عز وجل خلق هذه الكرة لنا لا لغيرنا، وكأن بلاءه سبحانه للعباد لا مكان له في الاعتبار.

من لا يتصفح مع نصوص القرآن وصحيح الحديث صحيح الواقع المتغير الذي جعل الله تغيره بلاء يَعْجزُ عن عبادة الله وعن الاجتهاد.

انحط الاجتهاد زمانا منذ نهاية القرن الرابع بانحطاط الحكم منذ ما بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثين سنة. نفَسٌ من قوة دفْع النبوة والخلافة الراشدة ارتفع بالعقول المجتهدة في “أحوالها” أربعة قرون. الآن تسبق الصحوة الإسلامية الاجتهاد التجديدي الضروري وتفرضه. وتجعله شرط حياة. فهل ينتظر منتظر الإمام المهدي ليزجرنا عن كلمة العجز “لا يجوز”؟ لا إله إلا الله محمد رسول الله.