أولا: من أجل فهم ما جرى ويجري   إن للأحداث التي يعيشها العالم اليوم كبير الأثر على مستقبل البلاد العربية، ذلك أنه يشكل أكثر من نسبة تسعين في المائة من المساحة التي تشغلها جغرافيا وسياسيا وإعلاميا. والسياسة هنا بمفهومها الشامل لمسألة تدبير الشأن العام في بعده الداخلي والخارجي.

   وقد كانت هذه الأحداث غير متوافقة مع جل التحليلات التي خاطبت هذا المستقبل زمن هيمنة الفكر القومي العربي على جل المفكرين، و كذلك اليساريين منهم مع اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية؛ بل قد بشر الكثير من هؤلاء بنصر القومية العربية والاشتراكية العربية على الإمبريالية الأمريكية خصوصا، والغربية عموما. وعلى هذا المنطلق أسسوا قواعد الصراع مع الكيان الصهيوني، لكن لم يتحقق ذلك النصر !!

   فنحن اليوم أمام لحظة تاريخية واضحة المضمون، إذ قضت أمريكا على آخر معقل للنخوة العربية في شخص ديكتاتورية صدام حسين وعبثيته بالحكم والأرواح، وإن بقي بعض من تلك النخوة في سوريا من خلال حكم حزب البعث، لكن هل تصمد سوريا أمام الضغوط وتقاوم أم أن قليلا من الضغط مع قليل من الوقت يكفي عوض عمل عسكري مباشر؟

   يمكن القول: إن جل الأنظمة العربية دخلت في مرحلة العد العكسي، وهو دخول يجعل المعارضة، وعلى رأسها الإسلاميون، في موقع حرج: هل يملكون القدرة على إنقاذ البلاد قبل أن تصبح بين يدي أمريكا وحلفائها من الصهاينة الذين يخفون إرادتهم في صناعة الفتنة الطائفية والاقتتال الداخلي وراء لغة الفوضى الإيجابية وديموقراطية التهديدات والدبابات التي تروجها الخارجية الأمريكية وإعلامها السائد؟

   إذا أخدنا مثلا النظام السوري، يبدو أن الجواب عن هذا السؤال مرتبط بعنصرين أساسيين:

   الأول: مدى القوة التي أصبحت لدى حزب البعث السوري وحجم امتداده الجماهيري الحقيقي لا العاطفي.

   والثاني: قوة المعارضة وطبيعة علاقتها مع الغرب.

   وكلا العنصرين يحتاجان إلى وقت.

   أما الأول: فإن عامل الزمن مؤثر فيه سلبا حيث لم يبق مجال للأنظمة الشمولية في الخريطة السياسية العولمية الدولية، وقد يكون إيجابيا إذا استطاع أن يفعل ما لم يفعله صدام؛ وهو أن يتحول إلى نظام ديمقراطي يفتح الحرية الكاملة للشعب ليختار عن حرية من يحكمه وكيف يحكمه، عوض نظام الحزب الواحد، والمصلحة القومية على الأقل تقتضي البحث عن عناصر الجمع والقوة، خاصة أن الأمة مستهدفة بمزيد تمزيقها. لكن المؤشرات الواقعية تستبعد تحول نظام عربي مبني على الحزب الواحد إلى نظام “ديمقراطي”، بحيث يسمح عبر مرحلة انتقالية تمريضية جامعة بالانتقال من الحكم الشمولي الاستبدادي إلى واقع تعددي إيجابي. وإذا تحقق هذا، فإن أعداء الوطن العربي والقضايا العربية والإسلامية ستسقط في أيديهم الطبخة الاستعمارية المباشرة.

   نعم، إن النظام السوري يتعرض لضغوط كبيرة، وإن الحكمة تقتضي مراعاة هذا، لكن ينبغي أن يكون الوضوح في ضرورة التركيز على مطلب فسح الحرية للشعوب، وقد أدت الأمة ثمنا باهظا بسبب المبالغة في اعتبار العوامل الخارجية مانعا من بناء واقع الحرية والتعددية الإيجابية بالبحث عن أرضية جامعة على أساس أن الوطن ليس بقعة أرضية ملكا لهذا الطرف دون غيره من الأطراف، بل هو ملك للأمة.

   وأما الثاني: فإن ضعف المعارضة السورية وتمزقها يشكل عنصرا سلبيا إذ سيلجئها، إذا لم تتدارك الأمر، إلى السقوط في أحضان الغرب، خاصة أمريكا التي استفادت من تجربة العراق حيث لن تسلم البلاد مرة أخرى إلى من تعرف أنهم خصومها قبل غيرها، وإن التقوا مصلحيا في لحظة زمنية معينة.

   إن ضعف المعارضة وتمزقها هو في مصلحة أمريكا والكيان الصهيوني، ذلك أنه الوسيلة الأساسية غير المباشرة الكفيلة بتحقيق المشروع الصهيوني في المنطقة والمرتكز أساسا على حرمانها- أي المنطقة- من الاستفادة من خيراتها الطبيعية والبشرية. كما أنه لا يوفر المناعة من الاختراق الاستتخباراتي العامل على قاعدة صناعة واقع الفتنة الطائفية والمذهبية.

   إن مشروع أمريكا والصهيونية الصليبية في المنطقة قائم على مرتكزين استراتيجيين:

   الأول: إثارة المشاكل الأمنية في مرحلة أولى والعمل على تحويلها إلى واقع حرب أهلية وطائفية في مرحلة ثانية. ولذلك لا نستغرب من تركيز الإعلام الغربي الأمريكي الصهيوني على مسألة الطائفية في المنطقة واستعمالها بطرق بشعة حتى تصبح واقعا اجتماعيا وسياسيا فتنويا. وقد برز ذلك في العراق بشكل واضح، إذ مع تحول ما سمي بـ”النصر” الأمريكي في العراق إلى هزيمة حقيقية أمام المقاومة، طفت على السطح أحداث ذات صبغة طائفية يعلم الجميع أن المسلمين منها براء، وأن هناك يدا خفية تعبث وتعمل في الخفاء، لكن لا تخفى على كل حصيف متأمل في دقائق الأمور ومتابع لتفاصيل الأحداث.

   فقد ثبت بتجربة أمريكا في المنطقة أن كل الوسائل الأخرى لم تفلح في تحقيق نتيجة الضعف الشامل إلى حد الانبطاح النهائي أمام الإرادة الأمريكية، الصهيونية الصليبية في جوهرها. ولعل هذا ما أدى ببوش وفريقه إلى استخلاص ضرورة عدم رهن مستقبل أمريكا بنفط الخليج.

   الثاني: هو استغلال خيرات المنطقة، خاصة النفطية، ثم إتلافها وتدميرها إذا تم الاستغناء عنها، حتى تفرغ هذه المنطقة الجامعة للأمة الإسلامية من كل عناصر القوة المادية مستقبلا.

   إن ما يجري في المنطقة يشكل جوهر المشروع الذي تقوده أمريكا والصهيونية العالمية الصليبية، بتصريح بوش نفسه، معتمدا على نتائج عمل عقود من الزمن على جميع المستويات بمثابرة ومتابعة. وهو ما صنع واقع الضعف والتمزق الكلي الذي تضافر مع العوامل الذاتية المتجلية أساسا في الخطإ في تحديد أرضية الصراع والتدافع ووسائلهما للتفاعل مع المشاريع الاستعمارية القادمة من العواصم الغربية.

   إننا نؤدي ثمن اختيار لحظة تاريخية حاسمة تتحمل فيه الدولة الحديثة والنخبة المتحالفة معها القسط الكبير، كما يتحمل العلماء المسؤولية في كثير من الأوطان العربية، خاصة السنية، حيث غلب عليهم سوء تقدير المرحلة مع عدم اتخاذهم الموقع المناسب في تدبير واقع الصراع مع المشاريع الهاجمة على البلاد والعباد. كما أن كثيرا من الحركات الإسلامية لم تفلح في تقدير تفاصيل التدافع مع هذه المشاريع، سواء من جهة أدوات أصحاب هذه المشاريع الداخلية أو الخارجية. وهو ما أدى إلى إخفاقها الكلي أو الجزئي في كثير من الأوطان العربية.

   لكن هل من مخرج من هذا النفق المظلم، وهل من حل لمعضلة النظام السياسي العربي أمام النتائج الكارثية على جميع الأصعدة؟ وهل ما يجري هو مؤشر على تحول تاريخي في مسار هذا النظام وطبيعته؟

ثانيا: المستقبل السياسي “للوطن العربي”   إن المقصود بالمستقبل السياسي “للوطن العربي” مسألتان؛ الأولى: طبيعة النظم السياسية التي تدير شؤون الحكم من خلال تحرير مؤسسات الدولة والسلطة من قبضة الاستبداد، والثانية مرامي هذا النظام في بعدها الدولي لأجل التأثير على واقع عدم التوازن في العلاقات الدولية القائمة.

   بين يدي كل ما قيل أعلاه نلحظ أمرين اثنين:

   1- تصاعد الحركة الإسلامية قي العالم العربي والإسلامي، سواء عبر مؤشر الانتخابات، أو عبر مؤشر حجم “الامتداد الجماهيري”، على الرغم من الحرب الشاملة على الإسلام والمسلمين.

   2- تصاعد وعي الشعوب وإدراكها للمؤامرة التي تستهدفها، مع عجز الأنظمة القائمة أمام حجم هذه المؤامرة. بل كثير منها صار أداة محورية في تنفيذ مقتضياتها (أي المؤامرة) إذ ما كان يجري سلفا في السر وعبر الاستخبارات صار اليوم جزءا، بل هو كل السياسية الداخلية والخارجية لهذه الأنظمة.

   وهذا يفضي بنا إلى الخلاصة التالية: إن الخيار الذي بقي من أجل الحرية والاستقلال والقوة هو أن يعمل الرجال الغيورون، حقا وتحقيقا، على البلاد والعباد، -بل وعلى أصل وجدود المنطقة وبقائها: وهو الرسالة التي أنيطت بها تجاه الإنسانية- على صناعة واقع المقاومة الشعبية والسياسية والعسكرية وفق مشروع تحرري أصيل.

   كما نضع بين يدي هذه الخلاصة الحقيقة التالية: إن العالم العربي، ونظرا لعوامل كثيرة، يشكل جزء مهما من العالم الإسلامي، ومن ثمة فالمصير واحد. وهو ما يعني أن الاستراتيجية العربية لا يمكنها أن تنفصل البتة عن العمق التاريخي والاستراتيجي المصيري للعالم الإسلامي. ومن هنا يجب أن تكون إيران عامل قوة بالنسبة للعرب لا عامل ضعف، سواء من جهة طبيعة تعاطي الدول العربية مع إيران أو من جهة تعاطي هذه الأخيرة مع الواقع العربي وقضاياه.

   ومع واقع التجزئة التي يعاني منها العالم الإسلامي، ومن ثم العالم العربي، فإننا وجدنا أنفسنا أمام تجارب عدة من حيث التفاعل الإيجابي مع واقع الصراع والتدافع المفروض على العرب والمسلمين. كما هناك نماذج عدة من حيث التفاعل السلبي.