الآثار

   قال مطرف بن عبد الله رحمه الله: “لو علمت متى أجلي لخشيت على ذهاب عقلي، ولكن الله تعالى مَنَّ على عباده بالغفلة عن الموت، ولولا الغفلة ما تهنأوا بعيش ولا قامت بينهم الأسواق”.

   وقال الحسن رحمه الله: “السهو والأمل نعمتان عظيمتان على بني آدم، ولولاهما ما مشى المسلمون في الطرق”. وقال الثوري رحمه الله: “بلغني أن الإنسان خلق أحمق، ولولا ذلك لم يهنأ العيش”.

   وقال أبو سعيد بن عبد الرحمن رحمه الله: “إنما عمرت الدنيا بقلة عقول أهلها”.

   وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: “ثلاث أعجبتني حتى أضحكتني: مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل وليس يُغفل، وضاحك ملء فيه ولا يدري أساخط رب العالمين عليه أم راض. وثلاث أحزنتني حتى أبكتني: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع، والوقوف بين يدي الله ولا أدري إلى الجنة يُؤمر بي أو إلى النار”.

   وقال بعضهم: “رأيت زرارة بن أبي أوفى بعد موته في المنام فقلت: “أي الأعمال أبلغ عندكم؟ قال: التوكل وقصر الأمل”.

   وقال الثوري رحمه الله: “الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ ولا لبس العباءة”.

   وسأل المفضل بن فضالة رحمه الله ربه أن يرفع عنه الأمل، فذهبت عنه شهوة الطعام والشراب، ثم دعا ربه فرد عليه الأمل فرجع إلى الطعام والشراب.

   وقال الحسن رحمه الله: “الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من ورائكم”.

   وقال بعضهم: “أنا كرجل ماد عنقه، والسيف عليه ينتظر متى تضرب عنقه”.

   وقال داود الطائي رحمه الله: “لو أملت أن أعيش شهرا لرأيتني قد أتيت عظيما، وكيف أؤمل ذلك وأرى الفجائع تغشى الخلائق في ساعات الليل والنهار”.

   وحكي أنه جاء شقيق البلخي رحمه الله إلى أستاذ له يقال له أبو هاشم الرماني، وفي طرف كسائه شيء مصرور، فقال له أستاذه: إيش هذا معك؟ فقال: لوزات دفعها إلي أخ لي وقال: أحب أن تفطر عليها. فقال: يا شقيق، وأنت تحدث نفسك أنك تبقى إلى الليل؟ لا كلمتك أبدا. قال: فأغلق في وجهي الباب ودخل.

   وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في خطبته: “إن لكل سفر زادا لا محالة، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة التقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله من ثوابه وعقابه ترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه  والله- ما بسط أمل من لا يدري لعله لا يصبح بعد مسائه، ولا يمسي بعد صباحه، وربما كانت بين ذلك خطفات المنايا، وكم رأيت ورأيتم من كان بالدنيا مغترا، وإنما تقرُّ عين من وثق بالنجاة من عذاب الله تعالى، وإنما يفرح من أمن أهوال القيامة. فأما من لا يداوي كَلْما إلا أصابه جرح من ناحية أخرى، فكيف يفرح؟ أعوذ بالله من أن آمركم بما لا أنهى عنه نفسي، فتخسر صفقتي، وتظهر عيبتي، وتبدو مسكنتي في يوم يبدو فيه الغنى والفقر، والموازين فيه منصوبة. لقد عنيتم بأمر لو عنيت به النجوم لانكدرت، ولو عنيت به الجبال لذابت، ولو عنيت به الأرض لتشققت. أما تعلمون أنه ليس بين الجنة والنار منزلة، وإنكم صائرون إلى إحداهما”.

   وكتب رجل إلى أخ له: “أما بعد، فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام. والسلام”.

   وكتب آخر إلى أخ له: “إن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنقص في كل يوم منه نصيب، وللبلاء في جسمه دبيب، فبادر قبل أن تنادى بالرحيل. والسلام”.

   وقال الحسن رحمه الله: “كان آدم عليه السلام قبل أن يخطئ أمله خلف ظهره، وأجله بين عينيه، فلما أصاب الخطيئة حول فجعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره”.

   وقال عبد الله بن سميط رحمه الله: سمعت أبي يقول: “أيها المغتر بطول صحته، أما رأيت ميتا قط من غير سقم؟ أيها المغتر بطول المهلة، أما رأيت مأخوذا قط من غير عدة؟ إنك لو فكرت في طول عمرك لنسيت ما قد تقدم من لذاتك. أبِالصحة تغترون، أم بطول العافية تمرحون، أم الموت تأمنون، أم على ملك الموت تجترئون؟ إن ملك الموت إذا جاء لا يمنعه منك ثروة مالك، ولا كثرة احتشادك. أما علمت أن ساعة الموت ذات كرب وغصص وندامة على التفريط؟ ثم يقال: رحم الله عبدا لما بعد الموت ! رحم الله عبدا نظر لنفسه قبل نزول الموت !

   وقال أبو زكريا التيمي رحمه الله: “بينما سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتى بحجر منقور فطلب من يقرؤه، فأتي بوهب بن منبه فإذا فيه: ابن آدم، إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في المزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غدا ندمك لو قد زلت بك قجمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وفارقك الوالد والقريب، ورفضك الولد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة. فبكى سليمان بكاء شديدا”.

   وقال بعضهم: “رأيت كتابا من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف: سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإني أحذرك متحوَّلك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير فيقعدانك وينتهرانك، فإن يكن الله معك فلا يأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني الله وإياك من سوء مصرع، وضيق مضجع، ثم تبلغك صيحةُ الحشر ونفخُ الصور وقيام الجبار لفصل قضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها والسماوات من سكانها، فباحت الأسرار، وأسعرت النار، ووضعت الموازين، (وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الزمر: 69). فكم من مفتضح ومستور ! وكم من هالك وناج ! وكم من معذب ومرحوم ! فيا ليت شعري، ما لي وحالك يومئذ، ففي هذا ما هدم اللذات، وأسلى عن الشهوات، وقصر عن الأمل، وأيقظ النائمين، وحذر الغافلين، أعاننا الله وإياكم على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعهما من قلوب المتقين، فإنما نحن به وله. والسلام”.

   وخطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه وقال: “أيها الناس، إنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادا يجمعكم الله فيه للحكم والفصل فيما بينكم، فخاب وشقي غدا عبد أخرجه الله من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السموات والأرض. وإنما يكون الأمان غدا لمن خاف واتقى، وباع قليلا بكثير، وفانيا بباق، وشقوة بسعادة. ألا ترون أنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟ وأيم الله، إني لأقول مقالتي هذه ولا أعلم عند أحدكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سنن من الله عادلة آمر فيها بطاعته، وأنهى فيها عن معصيته. وأستغفر الله”. ووضع كمه على وجهه وجعل يبكي حتى بلت دموعه لحيته، وما عاد إلى مجلسه حتى مات.

   وقال القعقاع بن حكيم رحمه الله: “قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء”.

   وقال الثوري رحمه الله: “رأيت شيخا في مسجد الكوفة يقول: أنا في هذا المسجد منذ ثلاثين سنة أنتظر الموت أن ينزل بي، ولو أتاني ما أمرته بشيء، ولا نهيته عن شيء، ولا لي على أحد شيء، ولا لأحد عندي شيء”.

   وقال عبد الله بن ثعلبة رحمه الله: “تضحك ولعل أكفانك قد خرجت من عند القصار”.

   وقال أبو محمد بن علي الزاهد رحمه الله: خرجنا في جنازة بالكوفة وخرج فيها داود الطائي، فانتبذ فقعد ناحية وهي تدفن، فجئت فقعدت قريبا منه فتكلم، فقال: “من خاف الوعيد قصر عليه البعيد، ومن طال أمله ضعف عمله، وكل ما هو آت قريب، واعلم يا أخي، أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشؤوم، واعلم أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور إنما يندمون على ما يخلفون ويفرحون بما يقدمون، فما ندم عليه أهل القبور، أهل الدنيا عليه يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاة يختصمون”.

   وروي أن معروفا الكرخي رحمه الله تعالى أقام الصلاة، قال محمد بن أبي توبة رحمه الله: “فقال لي: تقدم، فقلت: إني إن صليت بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرها، فقال معروف: وأنت تحدث نفسك أن تصلي صلاة أخرى، نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع من خير العمل”.

   وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في خطبته: “إن الدنيا ليست بدار قراركم. دار كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها الظعن عنها، فكم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن. فأحسنوا  رحمكم الله- منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى. إنما الدنيا كفيء ظلال قلص فذهب. بينا ابن آدم في الدنيا ينافس وهو قرير العين إذ دعاه الله بقدره ورماه بيوم حتفه، فسلبه آثاره ودنياه، وصير لقوم آخرين مصانعه ومغناه. إن الذنيا لا تسر بقدر ما تضر، إنها تسر قليلا وتحزن طويلا”.

   وعن سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول في خطبته: “أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؟ الوحا الوحا ! ثم النجا النجا !”.