في كل سنة يعود 27 مارس، اليوم العالمي للمسرح، ليجد رجال المسرح المغربي يلوكون نفس النقاشات، ويعانون نفس المشاكل، ويتهمون بعضهم بعضا بنفس التهم، والوزارة الوصية ماضية في سياستها، إن كانت لها سياسة مسرحية، لا تهمها اعتراضات المعترضين ولا انتقادات المنتقدين ولا احتجاجات المحتجين ولا مطالب المهمشين، والضحية في كل ذلك هو المسرح المغربي، وذوق الإنسان المغربي.

   ولعل الوضعية التي يوجد عليها المسرح المغربي هي انعكاس طبيعي للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع، أليس المسرح محاكاة للواقع؟؟ ألم يكن على مر العصور والحضارات معلما من معالم النمو والتطور والازدهار ومقياسا للتخلف والتردي والانحدار؟؟ فما الغريب إذن إذا كان مسرحنا كسيحا مادام واقعنا كسيحا؟؟

   إن أزمة المسرح المغربي أزمة بنيوية، تولدت عن مخاض أمني يرى في المسرح عاملا من العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الأمن العام، فأصبحت الدولة تقرأ أي عمل ثقافي بلسان سياسي، وأصبحت المناسبة الثقافية من منظورها مناسبة سياسية مرادفة للمظاهرة، وهذه النظرة غير الناضجة دفعت في كثير من الأحيان ممثلي السلطة إلى منع التظاهرات الثقافية باعتبارها مناسبة محتملة للإخلال بالأمن. وأكثر الأنشطة الثقافية عرضة لهذا الإجراء هي الأنشطة المسرحية وعلى الخصوص تلك التي تختار إنتاج خطاب غير مهادن للخطاب الرسمي، خاصة أن هذا الجنس التعبيري ألصق بالمجتمع وأكثر وضوحا في عرض المشاكل العميقة التي يرزح تحتها الشعب، وأجرأ في التعبير عن طموحات الانعتاق والتحرر. فتفجر صراع عميق بين السياسي والثقافي مازالت آثاره حتى يومنا هذا موشومة في جسد المسرح المغربي أهمها:

   – ترهل البنية التحتية: حيث لم تقم للبناية المسرحية قائمة عمرانية ولا وظيفية، ونفي المسرح وممارسيه إلى قاعات رديئة في دور الشباب الخاوية والمفتقدة إلى الحد الأدنى من ضروريات أي ممارسة مسرحية، وعندما شيدت بعض المسارح بقيت مجرد قاعات لعرض نمط خاص من المسرحيات، وظلت مفتقرة لبرامج واستراتيجيات قوية قادرة على رفع المسرح المغربي من حضيضه.

   – ضياع رجال المسرح: الذين عاشوا -ولا زالوا- تحت سياط الفقر والمرض والجوع، ذلك أنهم يمارسون المسرح وهم مجرد هواة، فبقي الفعل المسرحي في حدود الهواية. إنها ممارسة مسرحية محروسة لا تعطي لصاحبها أي استقرار مادي أو معنوي. لذلك كان العديد من هواة المسرح بعد مدة من الممارسة وبعد أن يشتعل الرأس شيبا يحسون بالغربة، لا هم شباب هواة ولاهم شيوخ محترفون فكانوا يغادرون الساحة المسرحية بهدوء تام.

   بالمقابل تمت صناعة رموز مسرحية، فالطيب الصديقي مثلا بممثليه البهلوانيين وعماماتهم الطويلة، ونكته المحرجة، كان يوفر نموذجا للمسرحي الذي تحتاجه الدولة لتسويق ثقافتها وانفتاحها على الحداثة والديمقراطية، فكان الطيب هو الترجمة المسرحية والثقافية لاتفاقيات الشراكة مع الغرب، وهو الدليل الذي تستعمله فرنسا دائما لإثبات نجاح فرنكفونيتها، حتى أن القارئ لما كتب عن المسرح المغربي بفرنسا يشعر وكأن المغرب لم يعرف مسرحيا آخر غير الصديقي. ولا أحد ينفي ما قدمته مسرحية “خلقنا لنتفاهم” من دعم ثقافي لفرنسا وهي تعيش مرحلة التنافس للسيطرة على شمال إفريقيا مع أمريكا.

   وفي محاولة منها لتدارك ما فات استنسخت الوزارة الوصية أسلوب “مشروع الدعم المالي للفرق المسرحية”، إلا أن المتتبع للعمل المسرحي خلال السنوات الأخيرة سيدرك أن هذا المشروع لم يكن له أثر عظيم وواضح في حل معضلات المسرح، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار القول المأثور “في الحركة بركة” ليس من المنظور التجاري، وإنما من منظور أن الحركة مولد دينامي للصراع والاحتكاك فالإبداع.

   والحقيقة أن فكرة الدعم هذه جاءت بتراكم كمي للإنتاجات المسرحية، في حين بقي الكيف غائبا في عروض تشبه الفن كما يشبه القرد الإنسان، ذلك أن المعتَبَر في المسرح هو ذلك البعد الحضاري الذي تجسده وظيفة اختلف المنظرون في تحديدها حيث أرجحوها بين تطهير النفس كما يقر جد المسرحيين الأول “أرسطو” وبين تشخيص الواقع كما يعبر أب المسرحيين المعاصرين “تشكونسلافسكي” وبين حمل رسالة كما يؤكد أديب المسرحيين الإسلاميين الدكتور نجيب الكلاني.

   وإن تقييما حقيقيا لعملية دعم العمل المسرحي تستوقفنا عند الملاحظات التالية‎:

   أولا: إن المبلغ المخصص للدعم يسلم إلى الفرق في شكل دفعات متقطعة قبل مشاهدة العروض وتقويمها وهو الأمر الذي يتيح استفادة عروض ضعيفة جماليا من الدعم، ذلك أن الدراسة التي تقوم بها اللجنة لا تتعدى ملف الترشيح الذي يخضع لخمس دراسات: في المرحلة الأولى تتم دراسة قانونية وإدارية، وفي المرحلة الثانية دراسة النصوص المسرحية المقترحة، و في المرحلة الثالثة الدراسة الفنية ثم دراسة شمولية لكل ملف مرشح و أخيرا دراسة مالية. مما يجعل القيمة الجمالية تضيع وسط اعتبارات أخرى.

   ثانيا: تتمركز أغلب الفرق المستفيدة في محور الرباط / البيضاء، وهو ما من شأنه أن يمركز العمل المسرحي والدينامية الثقافية بشكل عام في مناطق دون أخرى، خاصة إذا استحضرنا البنية التحتية الهزيلة حينا والمنعدمة أحيانا كثيرة في عدة مناطق من المغرب علما أنها هي الكفيلة بتوفير النواة الأولى لأي عمل من هذا النوع، مما ينذر بأن نسمع مستقبلا عن المغرب غير النافع ثقافيا.

   ثالثا: إن الفرق المرشحة هي في أغلبها جمعيات تأسست بمقتضى ظهير الحريات العامة أو وكالات، والسبب راجع إلى انعدام قانون خاص بتأسيس و تنظيم الفرق المسرحية لحد الآن، هذا القانون الذي ظل الفنانون عموما والمسرحيون خصوصا ينتظرون صدوره ويتتبعون همساته وهو يتنقل بين الوزارات والمؤسسات المعنية بالبث فيه. ولا يخفى على أحد أن قانونا فصل على مقاس الجمعيات لن يسع ولن يستجيب لمعطيات وضرورات العامل الفني، مما يفتح المجال للتسيب.

   رابعا: معلوم أن مثل هذا الدعم في دول أخرى يخصص للمسرح التجريبي الذي يتميز بطرحه لمجموعة من المواضيع الجديدة وتضمنه لقيم جمالية وفنية تسبغ على المسرح بعده الحضاري وتسهم بشكل كبير في السمو بالذوق، إلا أن لجنتنا الوطنية قد وزعت الدعم على بعض الفرق التجارية ذات أعمال تهريجية مما يعرف بمسرح الشباك أو أعمال مقتبسة كان الأولى أن يدعمها المركز الثقافي الفرنسي أو الإيطالي.

   وعموما فإن مسألة الدعم هذه تبقى خطوة ضرورية ومهمة لكنها غير كافية إذ تحتاج إلى ترشيد أكثر، والدليل على ذلك هو تجربة الأربع سنوات من الدعم التي لم تخلف أي تراكم مسرحي نوعي مغربي خالص يقنع المواطن أن المال العام المصروف في هذا القطاع لم يذهب سدى.

   لقد حان الوقت لكي يتسع مجال المطالبة بصياغة سياسة ثقافية ومسرحية تضع نصب عينيها تطوير العمل الثقافي كأحد رهانات التنمية وحماية وضعية العاملين في هذا الحقل من مبدعين في كافة المجالات الثقافية.