استعارة الأشعار

محمد العربي أبو حزم / [email protected] / [email protected]

   الشيخ أمين الترمذي “منشد” مَشْرِقيّ معاصر أثْرَى المكتبة السماعية الإسلامية مع من أثروا ولا يزال. له موشح جميل اللحن لست أدري إن كان من إبداعه أو “قَدّاً” من مُقْتَبَسَاتِه، لكن تركيبه الْمُعْتَمِدَ في كلماته على أبيات قصيدتين مختلفتين يثير السَّمْع وأحببت أن أنطلق منه لمناقشة موضوع هذه الحلقة في هذا النموذج الأول:

نَموذج أول   القصيدة الأولى في هذا النموذج الأول للشاعر الأندلسي ابن زيدون (394/463 هـ) الذي كان له صراع معروف مع غَريِمه ابن عبدوس حول ولاَّدة بنت المستكفي أيهما يفوز بقلبها، والقصيدة الثانية للشيخ حسين عبد الصمد الحارثي وهو من علماء القرن العاشر الهجري:

   قال ابن زيدون يتغزَّل بولاَّدة ويتشبَّب(1) بها:هَل لِداعيـكَ مُجيبُ *** أَم لِشـاكيـكَ طَبيبُ

يا قَريباً حيـنَ يَنْأى *** حاضِراً حيـنَ يَغيبُ

كَيفَ يَسلوكَ مُحِـبٌّ *** زانَهُ مِنـكَ حَبـيبُ

إِنَّمـا أَنـتَ نَسيـمٌ *** تَتَـلَقّـاهُ القُـلـوبُ

قَد عَلِمـنا عِلمَ ظَنٍّ *** هُوَ لاَ شَـكَّ مُصيبُ

أَنَّ سِرَّ الْحُسـنِ مِمّا *** أَضمَرَتْ تِلكَ الجُيوبُ   وقال الشيخ حسين عبد الصمد الحارثي: ما شــمَمْتُ الوردَ إلا *** زادنـي شوقــاً إليكَ

وإذا مـا مـال غصنٌ *** خِلـتُه يـحنُـو عليكَ

لستَ تدري ما الذي قد *** حلَّ بـي من مُـقْلَتيْكَ

إن يكـنْ جسمي تناءَى *** فالـحشَا باقٍ لديْــكَ

كلُّ حســنٍ في البرايا *** هو منسـوبٌ إليــكَ

رُشِق القـــلبُ بسهمٍ *** قوسُه من حاجبـيْـكَ

إن ذاتـــي وذَواتـي *** يا مُنـائي فـي يديكَ

آهِ لو أُسْـقَــى لأُشفَى *** خـمـرةً من شفتـيْكَ   وقد عَمَدَ الشيخ أمين الترمذي -أو من اقتبس هو منه- إلى قصيدة ابن زيدون (وهي في الغزل والتشبيب بامْرَأَةٍ مُعَيَّنَة) وإلى قصيدةِ الشيخ حسين عبد الصمد الحارثي (وهي مِنْ مَرْمُوزِ الشعر الصوفي) فتصرف في أبياتهما تفصيلاً وتوزيعاً وتَهذيباً وتقديماً وتأخيراً فأَهْدَى سيدَنَا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بُرْدةً خِيطَتْ من أطراف بُرْدَتَيْن نُسِجَتْ إحداهما في الأصل لاِبْنة المستكفي.

   فوُلِدَ موشح خليط من مُوشَّحَيْ ابن زيدون والشيخ حسين عبد الصمد الحارثي:هَل لِداعيـكَ مُجــيـبُ *** أَم لِشاكيـكَ طَبــيبُ

يا قَريـباً حيـنَ يَنــأى *** حـاضِراً حيـنَ يَغيبُ

كَيفَ يَسلـوكَ مُحِـــبٌّ *** قلبـه شـوقا يـذوب

إِنَّمـا أَنـتَ نَســـيـمٌ *** تَـتَـلَقّـاهُ القُــلوبُ

ما شَممتُ الـــوَردَ إِلاَّ *** زادَنـي شَوقـاً إلَـيك

وَإِذا ما ماس غُـصــنٌ *** خلتَـهُ يَحنـو عَلَيـك

لستَ تدري مـــا الذي *** قد حل بـي من مقلتك

رُشق القَـلبُ بِسَـهــم *** قَوسُـه مـن لاحظيك

كل حسـن في البرايــا *** فهـو منسـوب إليـك

إِن يَكُن جِسمي تَنــاءى *** فَالْحَشـا بـاقٍ لَـدَيك

إن رب العرش والأملاك *** قـد صـلى علـيـك   وختم الشيخ أمين موشَّحَه بمقطع لم أعثر له على نسب، يتغني به الفنان صباح فخري هو الآخر:يا ذا القوام السمــهري *** حاوي الرُّضاب السكري

كم ذا التجافـي والبعـاد *** حرمـتَ أجفانـي الرقاد

بادر وجُـدْ وارع الوداد *** يا ذا الْـجبين الأنــور   السَّمْهَرِيّ هو الرُّمح الصليب العود، والرُّضَاب هو الرِّيق أو رغوة العسل. وهذه أوصاف اعتاد الشعراء إطلاقها على من يتشبَّـبُون بهن من النساء والجواري.

   موشح ثُلُثُهُ الأول غَزَلٌ صِرْفٌ في امرأةٍ معلومة في تاريخ السياسة وتاريخ الأدب وتاريخ العشاق، وثُلُـثُهُ الثاني مِنْ الْغَزَلِ الرَّمْزِيّ غَيْرِ السَّدِيد (أقصد أنه لا يصل إلى هدفه بسرعة واستقامة ووضوح)، وثُلُثُهُ الثالث إن أَحْسَنَّا به الظَّنَّ أَلْحَقْنَاهُ بالثاني… فهل يمكن أن يكون هذا النموذج مقبولاً لدينا؟

   فإن قبِلْنَاه نحن، فهل يَقْبَلُه سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بُردةً خِيطَتْ مِن أطرافِ بُرُودٍ (جمع بُرْدَة) نُسِجَتْ إحداها من أجل ابنة المستكفي؟؟؟

نَموذج ثـانٍيا غُصْنَ نَقَا مكلَّلاً بالذهــب *** أفديــك من الردى بأمي وأبِي

إن كنتُ أسأتُ في هواكم أدبِي *** العصمـةُ لا تكون إلا لنبــِيّ

الغصن إذا رآك مقبـل سجدا *** والعين إذا رأتـك تخشى الرمدا

يا من بوصالـه يداوي الكبدا *** ما تفعلـه اليوم تلقـاه غــدا    هذا موشح قديم شهير مجهول الملحن، وهو لشعراء مُختلفين.

   تغنى بهذا الموشح صباح فخري وفيروز وغيرهما من الفنانين في سياق الأغاني الغزلية، وتتغنى به بعض فرقنا في سياق المديح النبوي على قاعدة الشاعر المهجري رشيد أيوب: كُلٌّ يُغَنِّي عَلَى لَيْلاَهُ مِنْ شَغَفٍ *** يَطْوِي السِّنِينَ بِأَحْلاَمٍ وَآمَالِ   وما هي لَيْلاَنَا وما هي لَيْلاَهُمْ؟ وهل يفرِّق العامَّةُ من الناس بينهما؟

   تتغنى بعض فرقنا بهذا الموشح بعد أن تصرَّفَتْ في كلمةٍ من كلماته “ليليق بمدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم”:

   (والعين إذا رأتـك تُــوقَ الرَّمدا) بَدَلَ: (والعين إذا رأتـك تَـخْـشَى الرَّمدا)

   لنتأمل في كلمات هذا الموشح وفي التغيير الذي طرأ عليه:

   النَّقَا: عَظْمُ الْعَضُد/ الرَّدَى: الهلاك/ الرَّمَد: وجع العين وانتفاخها.

   البيتان الأوليان يمكن أن نجد لهما مخرجاً وتأويلاً. وفي البيت الثالث تغيير لكلمة: “تخشى” بكلمة: “تُوق” ليكون المعنى أن العين إن رأت النبي صلى الله عليه وسلم تُحْفَظُ من الأذى.

   أما في البيت الثالث: يَا مَنْ بِوِصَالِـهِ يُدَاوِي الْكَبِدَا *** مَا تَفْعَلُـهُ الْيَوْمَ تَلْقَـاهُ غَـدَا   فالمعنى تُشَمُّ منه رائحة تهديد لِلْمُخَاطَبِ بأن ما يفعله اليوم يلقاه في غد!!!

   تَهديدٌ في سياقِ خطابِ المحب لحبيبه في الموشح إذْ كان غزليّاً أَوَّلَ عهده؛ وتغيَّر السياق إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن صيغةَ ما يُفهم منه أنه “رائحةَ تَهديد” بَقِيَتْ على حالها دون تصرُّف ليصبح الأمر، في الظاهر، سوءَ أدب غَيْرَ مقصود في حق النبي العظيم صلى الله عليه وسلم!!!

   مَا تَفْعَلُهُ الْيَوْمَ تَلْقَاهُ غَدَا!

   هل يليق هذا خطاباً لِجَنَابِ حبيبِ الله صلى الله عليه وسلم؟!

   أظن أن الموشح لو بقي في سياق الغزل لكان الأمر هَيِّناً، ولكن…

   روى الإمام أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ اَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ”، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. حَبِطَ عَمَلِي أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا؛ فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ.. حَبِطَ عَمَلِي وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ: “لاَ بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ”. قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْيَمَامَةِ كَانَ فِينَا بَعْضُ الاِنْكِشَافِ، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.

   توجيه للمؤمنين أن يتأدبوا في مخاطبتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم:

   – نهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

   – نهي عن مخاطبته صلى الله عليه وسلم بالأسلوب ذاته الذي يتخاطب ويتنادى به المؤمنون فيما بينهم.

   وانظر إلى رهافة حِسِّ ثابت بن قيس وخوفه من أن يكون هو المقصودَ بِمَا نزل من آيات.

   فإن حصل سوء أدب غير مقصود في حق نبي الله صلى الله عليه وسلم فالمبادرةُ بالاِستغفارِ والإنابةِ من قُرْبٍ تمحو ما سلف.. “إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ. وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”.

   اللهم ارزقنا حسن الأدب في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم شهادةً وغَيْباً، “إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى، لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ”.

   ربما تشفع لنا النية ونُعْذَرُ لاِجتهادٍ خَطَإٍ دفعنا إليه حبنا لحبيب الخلق صلى الله عليه وسلم وحاجتنا إلى مادة فنية بمواصفات لحنية بعينها، ولكننا إن كنا نطمح أن يكون لحركتنا الفنية نَسَبٌ شريف إلى النبوة، وبصمةٌ متنوِّرَةٌ في قلوب الناس فإن هذا المطمح لا يمكن أن يتحقق إن لم نبذل شيئا قليلا من الجهد نستفتح به عطاء المعطي بَحْثاً وإبداعاً.

   إن كان ضعفُ القدرة على الإبداع أو فراغُ الساحة أو إلْحَاحُ الحاجة للمزيد من أغاني المديح أسباباً في “استعارة الأشعار” فإنها مبرِّراتٌ وحَيْثِيَّاتٌ تُخَفِّفُ -إلى حدٍّ ما- مِمَّا يمكن أن نوجهه إلى أنصار هذا الأسلوب مِنْ لَوْم، أما إن كان الهدفَ منه مُجرَّدُ تعبئةِ الزمن المطلوب في الأشرطة والحفلات أو ملءُ الجيوب الخاوية فهذا لا يليق بنا الْبَـتَّة.

   إن هدفَنا بلوغُ المرام من الكلام المتحلي بالأنغام في استقامة وسداد وجمال ووضوح لا تشوبه شائبة تشوّش على المتلقي، وهذا الهدف لا يتحقق إن دَغْدَغْنَا مشاعر الناس بالتغزُّل والتشبيب بليلى وولاَّدة على طول الموشح وعرضه قبل أن نختمه بإشارة خَجْلَى إلى الممدوح العظيم صلى الله عليه وسلم. إشارةٌ مُحْتَشِمَةٌ هي أَشْبَهُ بطابع التزكية لمضامين لا نعرف في كثير من الأحيان إن كانت مدحا لخير الورى صلى الله عليه وسلم أو تغزُّلاً بمن يُتَغَزَّلُ بِهِنّ.

   إن التصرُّفَ في الأشعار بغير تدقيق أو تَحقيق يمكن أن يجرَّنَا إلى إساءة الأدب مع الحبيب صلى الله عليه وسلم من حيث لا ندري. وإن “استعارة الأشعار” بالأسلوب الذي سَلَفَ إنْ هُوَ إلاَّ الْتِوَاءٌ مع الدروب الْمُلتوية لديار لَيْلَى ونُعْمَى وسُعاد ووَلاَّدَة..

   ديارٌ التائهُ في دروبها كان الله لنا وله!!!

ملاحـظـة   من سوء الأدب الذي ينبغي الاِنتباه إليه وتَجَـنُّـبُهُ أن نَخِيطَ قطعتين غنائيتين إحداهما في مناجاة الله تعالى وأخراهما في مدح النبي صلى الله عليه وسلم فلاَ نَفْصِلَ بينهما بفاصل يُجَـنِّـبُنا الخلط في الخطاب بين الألوهية والربوبية وبين النبوة، بين بارئنا سبحانه وتعالى وبين نبينا محمد عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم.

خلاصـة   إن النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم لَهُوَ الأَهْلٌ لأن يُصاغ ويُنْتَقى في مدحه خير الكلام وأجملُه وأصفاه وأحلاه.. وإنه صلى الله عليه وسلم لَهُوَ الأَهْلٌ لأَنْ يُخَصَّ بأبدع الأشعار والألحان تُنْسَجُ في مدحه وحُبِّه من أجله هو لا يُشرَكُ بمدحه فيها غيرُه.. صلى الله عليه وسلم..

   فهو الْوِرْدُ الذي لا تشبع القلوب من مدحه ومن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم..

   وهو الظِّلُّ الذي يُلْتَمَسُ تحت كَنَفِه الأمان والراحة والسكينة.. صلى الله عليه وسلم..

   وهو النور الذي من سار تحت أشعته اهتدى ونجا وفاز.. صلى الله عليه وسلم..

اللهم أَجْرِ على ألسنتنا وقلوبنا من خير وخالِصِ وأجمل ما يُمْدَحَ به نَبِيُّكَ وحبيبك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..

في الحلقة الخامسة إن شاء الله   إن كان المقصودَ بالحفاظ على التراث “نَشْرُهُ” بين الناس و”تَفْعِيلُهُمْ” به و”تَوْرِيثُه” للأجيال اللاحقة منهم، و”تَضْمِينُهُ” مقدَّساتِ الأمة الحقيقية لـ”تَحميلِه” رسائلَ الأجداد إلى الأحفاد، فهذا لا يتحقق بتحنيطه وتجميده، بل بعمليةٍ موازيةٍ لعملية التوثيق الضرورية. هذه العملية الموازية هي “التجديد” الذي يحافظ على الطَّيِّبِ الخالص من روح التراث قويةً جَلِيَّةً، وعلى عناصره الفنية أصْلِيَّةً أصِيلَة، ولكن بمعالجة فنية تجديدية رصينة واعية.

الهوامش:

   (1) جاء في “لسان العرب” يُعَرِّف الغزل والتشبيب والنسيب:

   [الغَزَلُ: حديثُ الفِتْيان والفَتَيات. ابن سيده: الغَزَلُ اللهو مع النساء. ومُغازَلَتُهنّ: مُحادثتُهن ومُراوَدتُهنَّ، وقد غازَلَها، والتَّغَزُّلُ: التكلّف لذلك. تقول: غازَلْتُها وغازَلَتْني، وتَغَزَّلَ أَي تكلف الغَزَلَ، وقد غَزِلَ غَزلاً وقد تَغَزَّلَ بها وغازَلَها وغازَلَتْه مُغازَلة. ورجل غَزِلٌ: مُتَغَزِّلٌ بالنساء على النسب أَي ذو غَزَلٍ.

   [وشَبَّبَ بالمرأَة: قال فيها الغَزَل والنَّسِيبَ؛ وهو يُشَبِّبُ بها أَي يَنْسُبُ بها. والتَّشْبِيبُ: النَّسِيبُ بالنساءِ. تَشْبِيبُ الشِّعْر: تَرْقِيقُه بذكر النساءِ.

   [ونَسَبَ بالنساءِ، يَنْسُبُ، ويَنْسِبُ نَسَباً ونَسِيباً، ومَنْسِبةً: شَبَّبَ بهنّ في الشعْر وتَغزَّل، وهذا الشِّعْر أَنْسَبُ من هذا أَي أَرَقُّ نَسِيباً، وكأَنهم قد قالوا: نَسيبٌ ناسِبٌ، على المبالغة، فبُني هذا منه. وقال شمر: النَّسِيبُ رَقيقُ الشِّعْر في النساءِ].