سلامة الصدر ونقاء الروح وصفاء القلب وحب الخير للناس، كل الناس، معاني جميلة ومقاصد سامية جاء نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم ليزرعها في الأفراد ويغرسها في الجماعة.

   سلامة الصدر سمو للروح ورفعة في سماء العبودية وعلو إلى مقامات الإحسان ومعراج في سلم الدين.

   سلامة الصدر حب خير للناس وسعي لفلاح الآخرين وحرص على سلامتهم ونية مستقرة في القلب عنوانها “أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك”.

   سلامة الصدر مغالبة للنفس وجهاد للأنا ودفع للذاتية ومحاربة للأنانية ومعركة داخلية بعيدة عن الأنظار قريبة من الإخلاص.

   سلامة الصدر راحة تامة وتخلص من توافه الضغائن وحمولات الحسد وحالقة الحقد.

   سلامة الصدر منهاج النبوة ومسلك الصحابة ومحجة التابعين وطريق الصالحين.

   سلامة الصدر مدرسة، أساتذتها سادتي أبو ضمضم وسلمان الفارسي والحسن البصري … أبوابها مفتوحة دائما والتسجيل فيها ممكن للجميع.

   سلامة الصدر راحة في الدنيا وفوز في الأخرى.

سلامة الصدر طريق إلى الجنة   إن ثمن سلامة صدر العبد المؤمن لأخيه المؤمن غال، إنه الجنة. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كنا جلوساً مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: “يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت فقال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعارّ وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث المرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق” رواه الإمام أحمد.

   سلامة الصدر طريق إلى الجنة إذاً، زادها “لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه”. إنه معنى سام وجميل، يزين المؤمن ويرفعه إلى مقام العبودية الحقة التي لا فصل فيها بين العلاقة بالخالق والعلاقة بالمخلوق.

   وإنها لجلسة رائعة أن يختلي الإنسان بنفسه ويخاطب قلبه ويفتش فيه، بم هو مملوء؟ وماذا يحمل للناس فيه؟ وما الشعور الساكن فيه اتجاه الأخ والصديق والجار والقريب والبعيد؟ أهو الصفاء والنقاء والخير أم عكس ذلك لاقدٌر الله.

   وغني عن البيان أن عبادة القلوب، ومنها سلامة الصدر وصفاء القلب، أعمق وأنفع وأنور من عبادة الجوارح، إذ في صلاح الأولى صلاح الثانية وفي فسادِها فسادُها ولا يصح العكس.

   وقد أخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنه لا فلاح يوم القيامة إلا بقدوم العبد إلى مولاه مزينا بقلب سليم، قال تعالى: “يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الأنعام:120).

   بل إن سلامة الصدر نعمة من النعم التي توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها، وحلة جميلة يتزينون بها: “وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ” (الحجر:47)

سلامة الصدر رحمة وحب   حرص نبي الرحمة والحب على بناء أمة صفاء ونقاء في العقيدة والعبادات والمعاملات، فقد قال صلى الله عليه وسلم حاثاً على المحبة والألفة “والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم” (رواه الإمام مسلم).

   فسلامة الصدر رحمة وحب، رحمة بين المؤمنين تمنع التصارع وحب يدفع الكدر، فقد نهى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عما يوغر الصدور ويبعث على الفرقة والشحناء فقال: “لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث” (رواه مسلم).

   وعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ قال: “كل مخموم القلب صدوق اللسان” قالوا: “صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟” قال: “هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد” (رواه ابن ماجه).

   إن ثمرة وجزاء سلامة الصدر دفعت الصحابي الجليل أبا ضمضم ليس فقط إلى أن يصفي قلبه عند الإساءة إليه، بل بادر هو رضي الله عنه بالعفو والصفح عمن قد يسيء له، فقد كان إذا أصبح قال: ” اللهم إنه لا مال لي أتصدق به على الناس وقد تصدقت عليهم بعرضي فمن شتمني أو قذفني فهو في حل، فقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من منكم يستطيع أن يكون كأبي ضمضم”. قال ابن القيم في مدارج السالكين بعد هذا الموقف “وفي هذا الجود من سلامة الصدر وراحة القلب والتخلص من معاداة الخلق ما فيه”.

   كما كان أحد الصالحين إذا بلغه أن أحدا اغتابه أو وقع في عرضه أرسل إليه بهدية ثم قال : بلغني أنك أهديت لي حسنات فأردت أن أكافئك بهذه الهدية.

   وسلامة الصدر وصفاء قلب الفرد تجاه الفرد والمجتمع من أهم دعائم تماسك المجتمع الإسلامي، ووصفة يحتاجها المرء في كافة صلاته الاجتماعية سواء مع أهله في بيته أو مع جيرانه في حيه أو مع زملاء عمله أو مع كافة المسلمين، وإن هذه العلاقات عندما يسلكها نداء الحب في الله وداعي الرحمة الأخوية تشكل الأساس المكين حتى لا يخترق جسمنا الواحد فيروسات الحسد والضغينة والحقد والشحناء.

قال إله الرحمة سبحانه: “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ”.

   وتخويفا من التمادي في الخصومات التي تتنافى ومقصد الصفاء القلبي الذي يؤلف بين المؤمنين قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقول اتركوا هذين حتى يصطلحا ” رواه مسلم.

   فمن ذا الذي يعلق مغفرة الله له بسبب شحناء لا ربح منها بل هي الخسارة الأكيدة!!!

سلامة الصدر راحة وطمأنينة   ليس أسعد للمرء ولا أطرد لهمومه ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم الصدر، بعيداً عن الحسد والحقد، فرحا مستبشرا بالنعمة تساق إلى غيره، رقيقا قلبه، مشفقا على من يمسه السوء والمكروه، عندها يبارك الله له، إشراقا في القلب وراحة في العقل وطمأنينة في الروح واستقرارا في الحياة.

   فحين تصفح النفس ويعفو القلب ينطلق المؤمن من أسر الأنانيات وترفرف الروح في آفاق النور ويسمو الإنسان في سماء الصفاء، وهي معاني عذبة يستشعرها العبد المسلم وهو يصفح عن أخيه.

   وقد وعد الله سبحانه بالفضل العظيم من وقي شح نفسه المتعارض مع سلامة الصدر، قال تعالى: “وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ” (الحشر آية 9) ، وشح النفس ليس مقصورا على المال والأكل والإنفاق بل يتعداه إلى العفو والسماحة وسلامة الصدر ونقاوته من الحقد والضغينة والكراهية للخلق دون مبرر.

   إن عدم استقرار السلامة في صدر الإنسان والتساهل مع ريح الأمراض القلبية بالدخول والاحتلال، لمن شأنه أن يجلب على صاحبه الهم والتعب والشقاء في الدنيا ناهيك عن حصد عظيم الإثم. إن أصحاب النيات الفاسدة الصراعية لو تأملوا لانصرفوا إلى تصفية نياتهم وتحسينها، ولتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير ضرر في شأنهم “الحياتي”.

   ودفعا للبس الوقوع في الغبن والبله والتفريط في الحقوق بداعي سلامة الصدر فرق ابن القيم رحمه الله بينها بقوله: “الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل: أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من إرادته وقصده لا من معرفته والعمل به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك لسلامتهم منه”. وهو معنى قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لست بخبِ ولا يخدعني الخب”.

الطريق إلى سلامة الصدر   لسلامة الصدر وصفاء القلب وطهر الروح من كدورات التحاسد والتباغض طريق سلكها من سبقونا بإيمان، وعينوا لنا صوى منيرة ومنارات مضيئة نذكر منها:

   – صحبة الأخيار: إذ المعاني القلبية تسترق وتسري وتشع من قلب سليم إلى غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”.

   – محبة الخير للمسلمين: إن سلامة الصدر تقتضي أن يتمنى المؤمن الخير للناس إن عجز عن سوقه إليهم بيده، لقوله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” (رواه الشيخان).

   – إصلاح القلب ومداومة علاجه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب” (رواه الشيخان البخاري ومسلم).

   – قراءة القرآن وتدبره: فهو الدواء لكل داء، قال تعالى: “قُل هُوَ لِلذِينَ ءَامَنُوا هُدىً وَشِفَآء”ٌ (فصلت:44)، وقال سبحانه: “يا أيُها النّاسُ قَد جَآءَتكُم مَوعِظَةٌ مِن رَبِكُم وَشِفَآءٌ لِمَا فىِ الصُدُورِ (يونس:57)

   – إفشاء السلام: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم” (رواه الإمام مسلم).

   ولله در الشاعر إذ أنشد:

   قد يمكث الناس دهراً ليس بينهم *** ود فيزرعه التسليم واللطفُ.

   – الدعاء والاستغفار لأخيك: إنه علاج ناجع يصفي القلب ويريح النفس ويذهب كيد الشيطان، وهو أن يستغفر العبد الذي يجد في صدره شيئا على أخيه ويدعو له، فهذا دأب الصالحين، قال تعالى: “وَالّذِينَ جَآءُو مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَانِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلاَ تَجعَل في قُلُوبِنَا غِلاً لِلّذِينَ ءَامَنُوا رَبَنَا إنّكَ رَءُوفٌ رّحِيم” (الحشر:10)

   – الصدقة: لأنها تطهر القلب، وتُزكي النفس، ولذلك قال الله تعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: “خُذّ مِن أموالِهم صَدَقَةً تُطَهِرُهُم وَتُزَكِيِهِم بِهَا” (التوبة:103).

   وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: “داووا مرضاكم بالصدقة” (صحيح الجامع).

   – ترك تتبع أحوال الناس: امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه” (رواه الترمذي).

   – الابتعاد عن الغيبة والنميمة: حتى يبقى قلب الإنسان سليماً، قال صلى الله عليه وسلم: “لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر” (رواه الإمام أحمد).

   إن سلامة الصدر عبادة ثمينة وسلوك قلبي عميق ومشاعر إنسانية رقيقة، صفاء ونقاء، رحمة وحب، راحة وطمأنينة، خير في الدنيا وربح في الآخرة، عمل يسير وأجر عظيم، قال سفيان بن دينار لأبي بشر أحد السلف الصالحين: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً. قال سفيان: ولم ذاك؟ قال أبو بشر: لسلامة صدورهم.