بعد الأحداث المؤلمة لـ16 ماي 2003 بالدار البيضاء والتي ذهب ضحيتها عدد من المغاربة، اختارت مجموعة من الفعاليات الجمعوية شعار: “ما تقيش بلادي” احتجاجا. فجاء الشعار معبرا عما اختلج صدور المواطنين من شعور بالألم اقتسمه جميع المغاربة على اختلاف مشاربهم وتلاوينهم، لأن الأمر يهمهم ويمسهم جميعا، فمن ذا الذي يعطي لنفسه الحق في قتل العباد وتخريب البلاد كيفما كان السبب!!.

   بعد هذه الفاجعة بمدة سمعنا عن مجموعة من الوقفات الاحتجاجية تحت شعار “ما تقيش ولدي”، على خلفية ما يتعرض له القاصرون من استغلال جنسي. شعار كان له عميق الأثر خصوصا على الأمهات، وهن يحسسن أن أطفالهن عرضة للوحشية البشرية التي تدمر في الطفل طفولته. ليس فقط هذا ما يصيب الأطفال في بلدنا الحبيب، وما مشاكل تشغيل القاصرين ولا مشاكل أطفال الشوارع عنا بغريبة…

   أليست كل هذه صور للقتل غير المباشر، تستحق منا الاحتجاج والاستنكار بنفس القوة؟.

   مناسبة هذا الكلام أنني اقتنيت لابني ذي الثلاث سنوات، رقائق ذرة معلبة. وأنا أحرص على أن يكون المنتوج مغربيا، لعلي أتفادى مشاكل المواد الغذائية المهربة وظروف صيانتها التي غالبا ما تكون غير ملائمة، وقد يتلاعب بتاريخ صلاحيتها؛ ومن جهة أخرى أساهم في تشجيع اقتصاد البلاد ولو باليسير الممكن، فما لا يدرك جله لا يترك كله.

   اشتريت المنتوج وأنا مطمئنة نسبيا لجودته، فإذا بي أفاجأ بمجرد فتحه برائحة كريهة تنبعث منه، أخرجته من الكيس ووضعته في صحن لأجد فيه قطعة من خشب، لم أتبين مادتها، بفعل ما لصق بها من مواد وربما بفعل الوقت والتفاعلات، إلا بعد التمعن. أحسست بما تحس به كل أم نجا ابنها من تسمم محقق برحمة الله. حمدت الله الحنان المنان كثيرا، وتوجهت إلى البقال أريه ما وجدت، أخبرني بدوره أن هذا الأمر تكرر مع مجموعة من المواطنين، وأنه لا يتحمل المسؤولية ما دام البيع حصل قبل انتهاء تاريخ الصلاحية، وأن الجهة المنتجة هي التي تتحمل المسؤولية كاملة.

   حكايتي ليست الأولى من نوعها، أخبرتني صديقة مقربة أنها اشترت لابنتها منتوجا حليبيا مما هو ذائع في الأسواق، ويستهلكه الأطفال بل وحتى الكبار يوميا، فهو بطبيعته ذو فائدة عظيمة للنمو. بعد أن فتحتُه، تقول الأم: “لم أترك الصراخ إلا على هزات عنيفة من الزوج، لقد وجدتُه مكسوا سطحه بحشرات صغيرة جدا، حتى لا يكاد يُرى لونه الأبيض”.

   هي طريقة أخرى تنضاف إلى طرق القتل البطيء لأطفال أبرياء، أمل الأمة ومستقبلها. فمن المسؤول عن هذا التخريب؟

   لعل أحدكم يقول إن الوالدين مسؤولان مسؤولية كاملة عن أطفالهما، وعليهما تجب مراقبة طعامهم. هذا صحيح وهو أمر تحاوله كل أم وكل أب، لكن، وقد يفهم قولي ذوو الأطفال، كيف يستطيع الأبوان أن يمنعان أطفالهما من شراء هذه المنتجات، وهي المتجملة بأزهى الألوان، المثيرة للكبار قبل الصغار. ثم هب أنك منعت الطفل الصغير من ذلك فمن يمنعه عندما يخرج وحده ويشتري ما يريد ويشتهي، كيف لهذا الطفل، وهو غير عاقل، أن يضبط نفسه بحيث يتخلى عن كل ما يراه لذيذا. إن إرادة ضبط النفس ومنعها مما فيه ضرر، أمر صعب حتى على الكبار، فما بالك بطفل لا يستطيع التمييز بين الضار والنافع.

   من الصعب إذن أن نُعوّل على هذا. فنطرق باب المسؤول الأول، الذي هو المُنتِج، فالمعلوم أن قطاع الإنتاج في كل بلد يخضع لمجموعة من الضوابط والمعايير تخص بالأساس جودة المواد المستعملة، ظروف الصيانة، كفاءة الموارد البشرية، جودة التسيير، بل وحتى طرق التواصل بين المنتج والمستهلك سواء على مستوى الإشهار الذي أصبح من العوامل الحاسمة في نجاح بيع المنتوجات، أو على مستوى تعليب المنتوج نفسه وما ينبغي أن يشار إليه من مواد مكونة والبلد المُصنِّع و…

   هذا على المستوى المحلي أما على المستوى الدولي، فهناك ترسانة من القوانين الدولية تؤطر الممارسات الخاصة بالإدارة الشاملة للجودة وتحسين الإنتاجية وكذلك المواصفات الخاصة بنظم إدارة الجودة والبيئة والسلامة والصحة.

   إن أول حق من حقوق المستهلك، كما أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 39/248 الصادر في 9 أبريل 1985 هو: “1. الحق في السلامة” أي حقه في الحصول على منتجات غير ضارة بسلامته الصحية ولا بحياته.

   للأسف الشديد فإن البنية القانونية لحماية المستهلك في المغرب ما تزال ضعيفة، خصوصا وأن قانون حماية المستهلك لم يبارح أدراج المكاتب ولم تتم المصادقة عليه منذ عام 1999. وبالتالي فلا مجال للتحدث عن حماية المستهلك – في هذه الظروف- من خلال الرقابة على السلع والمنتجات المستوردة والمحلية للتأكد من مطابقتها للأنظمة والقوانين الخاصة بجودة وسلامة السلع والمنتجات بما يكفل المحافظة على سلامة المواطنين، ويبقى الفاعل الحقيقي حاليا هم الجمعيات الوطنية والمحلية.

   إذا كنا نتحدث عن حماية المستهلك بشكل عام، فحري بنا أن نولي حماية أطفالنا الجزء الأكبر من الأهمية وذلك لمجموعة من الأسباب نجمل أهمها في:

   1- أن الفئة المستهدفة فئة هشة من حيث البنية الصحية، فهي تتأثر بسرعة كبيرة، ليس فقط على مستوى تضرر الأجهزة البيولوجية واختلال وظائفها، ولكن كذلك للتأثير السلبي لهذه المواد على نمو هذه الأجهزة والذي قد يُكبح أو يُعاق، لا قدر الله.

   2- عدم قدرة هذه الفئة على التمييز، إذ أنها غير عاقلة، فيرتكز الاختيار لديها أساسا على الرؤية (الألوان…) والمذاق الحلو…

   3- أن الأطفال يكثرون من تناول هذه المواد على حساب المواد الصالحة، أو التي يتم إعدادها في البيت، فلا نستطيع أن نمنعهم من ذلك.

   ما هو السبيل إذن إلى الحل؟

   إن أزمة الأخلاق ببلادنا من أشد الأزمات التي استعصت على الحل، وهي تصيب كل المجالات، وإن مجال الصحة لمن المجالات الحساسة جدا، ولعل أغلب الأمراض المستشرية في بلدنا سببها سوء التغذية. فإن اعتمدنا مقاربة التقنين والتوجيه والصرامة والمراقبة والوقاية نكون قد جنبنا بلدنا حجما غير هين من الألم الذي يعيشه، ولا أقل من أن نركز في هذا الجانب على الطفولة.

   إلا أن هذا لا يكفي إذ الأهم هو الرقابة الذاتية، فمتى توفرت عند المنتج هذه الإرادة، فقد نستطيع بها تجاوز النقص الحاصل على مستوى القوانين والمؤسسات.

   وإن في ديننا الحنيف ما يكفل لنا جميعا  منتجين وتجارا ومستهلكين- هذه الحماية، إن نحن تعلمناه وعملنا به. فقد حرم التشريع الإسلامي على المنتج إنتاج المحرمات والخبائث، وأمره بإتقان الصنع، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”(1)، وعدم الغش، إذ في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ليس منا من غشنا”(2) … كما تضمنت الشريعة أحكاما وقواعد تحكم المعاملات في الأسواق، فقد حرمت كل أشكال أكل أموال الناس بالباطل من غش وتدليس وتغرير واحتكار، وكل صور الربا والتعامل بالفوائد والتي من شأنها أن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فعن معقل بن يسار المزني أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: “من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله تبارك وتعالى أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة”(3). إلى غير ذلك من القواعد الجديرة بالدراسة والتحليل والأخذ…

   وإن امتثال المنتجين والتجار لأمر الله يزيد عن كونه يحافظ على الأموال والأبدان بأن يزكي أموالهم وأعمالهم، وينالون به الأجر عند الله تعالى، ألم يقل الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”(4). وأعظم به من أجر.

   يبقى دور المستهلك الذي يجب أن ينضبط هو الآخر بضوابط الشرع فلا يشتري ما حرم الله سبحانه وتعالى لقوله عز وجل: “وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ”(5)، ولا ما خالف العقل من حيث ظروف النظافة والجودة و… أو الانسياق مع الإشهار، ولا يسرف ولا يغالي في مشترياته لقوله عز من قائل: “وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”(6).

   ثم لنتوجه إلى أطفالنا تربية وتعليما على المنهج الإسلامي، فنعلمهم تجنب الحرام والإسراف والبذخ، وندعو لهم الله سبحانه وتعالى أن يجنبهم السوء ويحميهم إنه على كل شيء قدير.

   ونتوجه إلى المنتجين والتجار ونقول لهم مع القائلين “ما تقيش ولدي” وكل الأطفال “ولدي”.

الهوامش:

(1) حديث حسن. “صحيح الجامع”، رقم: 1880.

(2) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل يبيع طعاما فقال: كيف تبيع؟ فأخبره، فأوحي إليه أن أدخل يدك فيها. فأدخل، فإذا هو مبلول، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من غشنا”. أخرجه البغوي وهو حديث صحيح. “شرح السنة”، .4/323

(3) حديث صحيح. “الصحيح المسند”، رقم: 1148.

(4) جاء في “تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي”: ‏حدثنا ‏ ‏هناد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏قبيصة ‏ ‏عن ‏ ‏سفيان ‏ ‏عن ‏ ‏أبي حمزة ‏ ‏عن ‏الحسن ‏ ‏عن ‏ ‏أبي سعيد ‏عن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: “‏التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”. ‏قال ‏ ‏أبو عيسى ‏هذا ‏حديث حسن.

(5) سورة الأعراف الآية: 157.

(6) سورة الأعراف الآية: 31.