روى الشيخان وأبو داود عن حذيفة قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: “نعم”. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: “نعم، وفيه دخَن”. قلت: وما دخنه؟ قال: “قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر”. فقلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: “نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها”. فقلت: يا رسول الله: صِفْهم لنا. قال: “هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا”. فقلت: يا رسول الله، فما ترى؟ -و في رواية: فما تأمرني؟- إن أدركني ذلك؟ قال: “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم”. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: “فاعتزل تلك الفِرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك”.

المقصود من هذا الحديث العظيم الذي ينير لنا تقلبات التاريخ بومضات من الوحي أن نعيِّن بالنوع أولئك الفعلة القوّالين الذين نزلوا بالخير الذي هو النبوة والخلافة الراشدة إلى شر الفتن التي عرفها المسلمون في فتنة قتل عثمان ثم علي رضي الله عنهما حين نزا بنو أمية على الحكم. ثم معرفة من فعل ومن نظَّر ومن برر نظام حكم السيف جيلا بعد جيل، ودخَنا بعد دخن، حتى تسلط على المسلمين جبابرة مثل عبد الناصر، وسفاحون مثل ما ترين من معاصريك، وزنادقة ومنافقين يُصَلّون لكِ على التلفزيون، وملاحدة مثل مصطفى كمال أتاتورك.

الدَّخن في اللغة الكدورة في شيء غير صاف ولا خالص.وأصله من الدخان،وأصله من كدورة اللون في الدابة.

مصطفى كمال الذي سمى نفسه أتاتورك -أي أب الأتراك- تربى منذ شبابه على أفكار داعية التغريب والانسلاخ عن الدين ضياء كوك ألب الذي كان يتنبّأ بسقوط الدولة العثمانية.

ذلك كان يتكلم ويكتب وينظر. فلما وصل الطاغية العسكري مصطفى كمال إلى الحكم متوجا بتاج البطولة بعد أن قاوم الجيوش الأوربية بنجاح فعل وطبق الآراء وسن لمن بعده من الطواغيت سنة الجرأة على الدين، وسفك دماء المسلمين، وتحويلهم بقهر السلطان عن الملة.

كان السلطان العثماني تحالف مع الألمان في الحرب العالمية الأولى. فلما انهزم الألمان هجم الفرنسيس والأنجليز على الأمبراطورية العثمانية المتداعية للسقوط بعد أن شاخت وهرِمت. فقاوم الجنرال مصطفى كمال مقاومة الأبطال حقا. لكنه ما فرغ من الحرب والصلح على إبقاء تركيا حرة بعد تجريدها من أطراف الأمبراطورية في البلقان وفي بلاد العرب حتى أخذ الجنرال يطبق أفكار معلمه بقوة ونشاط، وحتى قوض ذلك البناء الذي كان يوما شوكة الإسلام.

بدأ مصطفى كمال قتاله للدين ومؤسساته ورجاله متوجها لإبادة الدين وتحريمه والقضاء على التي تومن أن هناك إلها. وتأله هو ودعا الناس إلى عبادة الإله الأعظم. الحضارة الغربية بكهربائها وعلومها وصنائعها وسلاحها ونظامها، وخمرها أيضا ودعارتها، فقد كان عربيدا فاجرا لا يتستر عن فواحشه كما لا يستر استهزاءه بالإسلام.

استدعى شيخ الإسلام يوما، فلما خالفه في الرأي رماه بالمصحف على رأسه. وفزع المسلمون للخبر، لأن إهانة المصحف جريمة لا يخطر على بال مسلم أن يتجرأ عليها مجنون، فكيف برئيس الدولة.

وفرض تغيير اللباس: حرم العمامة على الرجال والحجاب على النساء. وأمر الرجال بلبس القبعة والنساء بنبذ الموضات البالية. وكانت الحرب التي شنها على العمامة والحجاب حربا دموية. ثار الشعب التركي المسلم واضطرب، فرُكبت المحاكم، ونصبت المشانق، وأعدم العلماء.

قرر الطاغية الضيق الفكر القوي الإرادة أن يحرر تركيا من ماضيها “المتعفن” وأن يقطع صلتها بالإسلام، فحرم الحرف العربي، وفرض الحرف اللاتيني. وبذلك استغنى عن إحراق خزائن الكتب الزاخرة العامرة.

سهر على إنشاء المدرسة اللاييكية التي تناهض الدين، فنشأ جيل علموه أنّ أباه هو مصطفى كمال صاحب الأمجاد البطولية. وقهر المسلمين على تغيير عاداتهم ونمط حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية ليماثلوا الحضارة الغربية السيدة التي كان بها مغرما ولها وليا.

كان الطاغية يرفع قبضته إلى السماء ليهدد ربا لا يومن بوجوده.

الآن وقد مضى سبعون عاما على جريمة الطاغية الشنيعة، أبى الله عز وجل إلا أن يبعث في الدعوة الإسلامية التي لم تمت يوما حياة جديدة. فالحركة الإسلامية في تركيا من أنشط الحركات وأقواها. والحمد لله رب العالمين.

هذا هو النموذج الكامل للدعاة على أبواب جهنم. كافر صرف.

ومن المنافقين من لا تقل نكايته في الإسلام عن نكاية الكافرين. وهل لبورقيبة حظ في الإسلام وقد أمر بترك صوم رمضان وفعل الأفاعيل؟

كان في تونس نسخة من قاسم أمين محرر المرأة ومدمجها في حزب الإناث العالمي. رجل اسمه الطاهر الحداد، يدافع عن المرأة، ويشجب استعباد المدنيات واضطهاد البدويات، ويدافع عن الفتيات العاملات بأجور بئيسة في الخياطة والخدمة في البيوت. ويحارب الحجاب الذي شبهه بكُمامة توضع على خرطوم الكلب. واحتج على ضآلة نصيب المرأة في الإرث وعلى الحق المخول للرجل في الطلاق.

وتمضي خمس وعشرون سنة بعد أن نشر الحداد أفكاره، يقضيها المحامي المناضل الحبيب بورقيبة في مصاولة الاستعمار. وتستقل تونس وينتصب الزعيم “المجاهد الأكبر” كما يسمي نفسه على رأس الدولة.

قبل الاستقلال كان بورقيبة يخطب ويكتب أن محافظة التونسيين على تقاليدهم هي الضمان لبقاء شخصيتهم، إذ هي السمة المميزة لهم، والحماية الأخيرة لهويتهم القومية المعرضة للخطر. عندما يتحدث هذا الصنف من المغربين عن “التقاليد” فإنما يقصدون مجموع العادات ومنها الدين وطقوسه التي لا تعني شيئا زائدا عما تعنيه كيفية اللباس وفنون الطبخ.

بعد خمسة أشهر من استقلال تونس سنة 1956 بتاريخ النصارى أصدر الزعيم قانون حقوق المرأة الذي يُعد إلى الآن أكثر القوانين في بلاد المسلمين جرأة على الشرع وهتكا لحرمته. حرم تعدد الزوجات وفوض الطلاق للمحاكم. وبما أن في هذا القانون بعض إنصاف للمرأة مثل حقها ألا تطرد من بيتها عند الطلاق فقد لقي القانون من النساء قَبولا حسنا، مر باطله في خفارة حقه.

والحركة الإسلامية التي اضطهدها بورقيبة وحاكم رجالها كانت في حرج لتميز خبيث كفريات بورقيبة من إنصافه. وخِرف بورقيبة وطرده من الحكم جنرال طاغية فعل بالإخوان الإسلاميين ما فعله مصطفى كمال بعلماء تركيا. دمره الله.

اتخذ بورقيبة من قانونه مطية لترويج أفكاره، وتوطيد مكانته وزعامته، ونيل الحظوة عند الأوربيين غرمائه بالأمس أصفيائه لما اطمأنوا إلى أن البورقيبية أضمن لمصالحهم من الاستعمار المباشر، وأسرع في تدمير الإسلام والمسلمين.

سعى بورقيبة في البلاد طولا وعرضا يصرخ ويشتم ويدين استعباد المرأة وحجبها وسجنها في البيوت وحرمانها. ويسخر من العلماء الذين كتبوا عرائض ضده. ويزعم أنه هو الأحق بالاجتهاد لأنه بذل من حياته وجاهد لنيل الاستقلال ما لم يفعله هؤلاء الخاملون العاكفون على فقه عتيق رديء.

ويثور على تقاليد العفاف في المجتمع، ويصرح أن معطيات العلم تحرم علينا أن نضفي على قطرات دم تسيل ليلة الزفاف الأهمية التي تعلقها عليها التقاليد.

الحجاب عنده “كفن أسود” و”خرق بالية”.

عاش بورقيبة في فرنسا ورجع يتأبط الفرنسية ماتلدا التي كانت شريكته في نضاله. فلما اضطر لمفارقتها حين أصبح رئيس دولة اختار أكثر النساء عُريا وتبرجا.

أكل في نهار رمضان وأمر الناس بالأكل وأرغم عليه الجيش. وطالب بحقه في الاجتهاد محتجا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفطر وأصحابه في رمضان ليَقْوَوْا على جهاد الكفار. ومن الجهاد أن لا ينزل مستوى الإنتاج ليقوى التونسيون على جهاد عدوهم المتمثل في الفقر والذل والانحطاط والتخلف.

الفقه الإسلامي عند هذا المجتهد الفذ مهزلة. فهو وأمثاله دخَن في الإسلام ومدسوسات جَهنمية شيطانية عند رأس المسلمين. اتكأ مصطفى كمال على بطولته العسكرية، و بورقيبة على زعامته الوطنية، فنفذا ما كان يحلم به الكتبة الأدباء المغربون. ويتخذ القوالون من المجرمين والفعالون قضية المرأة ومظلوميتها راية ليحاربوا من خلفها الإسلام. ألا ساء ما يزرون.