“إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال” حديث شريفخالد العسري [email protected]

بذور الاستكبار الفردي:   روى الإمام أحمد في مسنده عن القاسم عن أبي أمامة “عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أغبط الناس عندي عبد مؤمن خفيف الحاذ، ذو حظ من صلاة، أطاع ربه وأحسن عبادته في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان عيشه كَفافا، وكان عيشه كفافا. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقر بأصبعيه، وكان عيشه كفافا، وكان عيشه كفافا، فعُجلت منيته، وقَلت بواكيه، وقل تراثه”(1) هذا حديث بُشرى للمؤمن التقي النقي الخفي الذي لا ينتبه إليه العامة لفراغ يده من المال، ولبعده عن مراكز الوجاهة المشار إلى أصحابها بالبنان. يعيش حياته في الكفاف، “الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه”. ففي هذا الحديث يحض الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن على أن يكون عيشه كفافا، بعد أن ذكر في أحاديث أخر أن أخوف ما يخاف على أمته فتنة المال.

   ليس مرادنا أن ندلي الدلو فيما جرى من نقاش بين فقهائنا السابقين في أيهما أفضل: الفقير الصابر أو الغني الشاكر؟ ففضل الله يسع الجميع، وإن كانت أمة المسلمين تنتفع بمال الغني ولا ينفعها فقر التقي، فمن أوتي المال فأزهقه في سبيل الله كان الزاهد فيما ملكت يداه، النافع لعيال مولاه.

   لكن التحدي الأكبر الذي يشغلنا هو فتنة المال الذي يصد الإنسان عن سبيل الله، ويزيغ قلب المؤمن عن الصراط بعد طول توبة. لم يخش الرسول صلى الله عليه وسلم على صحابته الفقر، ولكن خشي عليهم انفتاح الدنيا حتى يقع بينهم التنافس عليها، فتكون سبب هلاكهم دنيا وأخرى. روى الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب في الناس فقال: “إني فرطكم على الحوض، وإن عرضه كما بين آيلة إلى الجحفة. إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا، فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم” وهو تحذير أزلي يلحق كل تنظيم إسلامي يسعى إلى الخروج من مرحلة أرقمية مستضعف فيها، إلى مرحلة يكون فيها الماسك لزمام السلطة، فيصبح إخوان الآخرة  لا قدر الله- أبناء الدنيا بعد أن يملكوا المال ..والسلطة.

   إن محبة المال جبلة في الإنسان، فقد “زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا. والله عنده حسن المئاب” [آل عمران:14]، فإذا ما ابتلي الإنسان بمتاع الدنيا طغى واستكبر “كلا إن الانسان ليطغى أن رآه استغنى” [العلق:6-7]، فينسى تتمة الآيات “إن إلى ربك الرجعى” [العلق:8]. ينسى أن المعاد إلى الله، لأن المال مازال يوهم صاحبه بالقوة والعظمة والجاه والفضل والجبروت حتى يظن أنه مستغن عن عبادة الله، خالد في دنياه، وأن الموت لا بد مخطئه. و”بنفسية المخلَّد” يتحرك المستكبر، حتى يظن أن فيه من صفات الألوهية ما يجعله يجاوز حده، فيكون من الطواغيت الظالمين لأنفسهم الظلم العظيم.

   تمتلك الدنيا صاحبها، حتى يغدو كاسبا لحوله وقوته منها، فيغدو متألها على الله عز وجل عبدا لها. يمتلك المستكبر الفرد الجنات في الأرض، حتى إذا “دخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منهما منقلبا” [الكهف:35-36]. يسعى الغافل عن الله إلى امتلاك القوة بجمع المال وكنزه، فيلهيه تكاثره عن ذكر المقابر، بل يذهب به الأمر إلى الظن أن المال مخلد إياه في الدنيا. نستمع إلى التقريع الإلهي لأمثاله “ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالا وعدده، يحسِب أن ماله أخلده” [الهمزة:1..3]. يظن المستكبر أن حاله مخلد عليه لا يطرأ عليه أدنى تحول، بما أن “الخلود هو تبري الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي عليها”(2).

كتلة الاستكبار الصماء:   إن خاصية التأله هذه والظن بأن كثرة الأثاث والرئي تخلد صاحبها لا تقف فقط عند تحليل نفسيات الآحاد من المستكبرين، ولكنها خاصية تمكننا من معرفة نفسية الكتلة الصماء من المترفين، بل الأمة من الناس التي تعتد بجبروتها حتى يعوقها ذلك عن سماع الحق، قال الحق العدل: “وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون. وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين” [ سبأ:34-35]، فتستعلي الحضارة الأقوى بما معها من متاع، تستعلي بعقلانيتها الثقافية عن عبادة الله، وبعدتها الحربية المتكاملة: السياسية والإعلامية والمالية والعسكرية عن باقي الحضارات.

   نستمع إلى البيان القرآني يصف لنا من خصائص الاستكبار على لسان نبيه هود في حواره مع قومه: “أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين” [الشعراء:128..130]،إن علو القوم كان بكثرة البناء واتخاذ المصانع والبطش بالمخالفين. واليوم يعيد الاستكبار  الذي لا يرى لأحد عليه حقا- نفسه في أبشع صوره، فتمتد أذرعه الأخطبوطية إلى كل الأرض، وتتكاثر مصانعه في كل التلاوين ليثبت أنه أصبح الإله الخالد بعد أن أعلنت فلسفاته موت الإله – أستغفر الله- وموت الطبيعة. ثم تتجلى أخص صفات الجاهلية الاستكبارية في العنف على الإنسان والبطش به. قال ابن منظور في “لسان العرب”: “الجبار: الذي يقتل على الغضب، والقَتّال في غير حق”، أكتب هذا ووكالات الأنباء تشيع نبأ الغارة الأمريكية على إحدى قرى باكستان وقتلها العشرات من الأبرياء، بدعوى استهدافها لأعضاء في تنظيم “القاعدة” كانوا مجتمعين في إحدى الخيام، واتضح أن الأمر إنما هو البهتان، لكن من يستطيع اليوم أن يحاسب القوة العظمى عما فعلت وتفعل في أفغانستان والعراق؟ بل من يستطيع حتى عد أطنان القنابل التي نزلت على قرى ومدن أفغانستان والعراق تحصد أرواح الأبرياء من المسلمين! لهفي على أفغانستان والعراق وفلسطين… ونعوذ بالملك الجبار من كل قتال جبار.

   إن دروس التاريخ تقول أن أصحاب الأموال يسعون دائما إلى امتلاك السلطة، أو على الأقل التقرب من أصحابها، كما أن كل ذي سلطة يسعى إلى اكتساب المال بكل طريقة، فإذا اجتمع المال والسلطة المطلقة في يد واحدة فأبشر بالمفاسد المطلقة.

   وقفنا عند آيات من كتاب الله عز وجل تنبئنا عن نفسية المستكبر المتحرك فوق تضاريس الأرض بذهنية المُخَلَّد، والسلطة المطلقة تشترك مع المال في إشباع وهم الخلود عند صاحبها، حتى إذا أدركه الموت حاول هزمه بترك الحكم لعقبه، موصيا إياه بتركه في لاحقه حتى تكون السلطة في نسبه سرمدا. وما زال المخيال الجماعي للمسلمين يميز بين الخلافة الراشدة وما تلاها من ملك في أن الحكم في الأولى شورى بين المسلمين. وفي الثانية إرث في الأنساب.

وددت أني خرجت منها كَفافا:   لما طعن الشهيد عمر بن الخطاب سأله الناس أن يستخلف عليهم، واقترب منه ابن عباس فقال: “أبشر بالجنة: صاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلت صحبته، ووُليت أمر المؤمنين فقويتَ وأديتَ الأمانة. فقال: أما تبشيرك إياي بالجنة، فلا والله الذي لا إله إلا هو، لو أن لي الدنيا بما فيها لافتديتُ به من هول ما أمامي قبل أن أعلم الخبر، وأما قولك في أمر المؤمنين فوالله لوددت أن ذلك كَفافا لا لي ولا علي، وأما ما ذكرت من صحبة نبي الله صلى الله عليه وسلم فذلك”(3) . نلتقي في هذا النص مع مصطلح كفافا الذي كان مبتدأ حديثنا، فنرى كيف أن الفاروق رضي الله تعالى عنه ما غرته أياديه البيضاء في نصرة الإسلام والمسلمين من النجاة يوم الدين، فود لو أنه خرج من الخلافة كفافا لا له ولا عليه. إلا أنه خلف من بعده خلف اتبعوا شهوة ترك الحكم حكرا على أبنائهم.

   إن العدل في المال والشورى في السلطة كانا المحك والمعيار للحُكم على الحُكم أخلافة هو أو ملك. تساءل عمر بن الخطاب، فقال: “والله ما أدري أخليفة أنا أم ملك! فإن كنت ملكا فهذا أمر عظيم! قال قائل: يا أمير المؤمنين! إن بينهما فرقا. قال: ما هو؟ قال: الخليفة لا يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق. وأنت بحمد الله كذلك. والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطي هذا”، العدل يفرق بين حق الخلافة وباطل الملك، كما تفرق الشورى بين الخلافة الراشدة والملك البِزِّيز. نسمع مقالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري بعد أن عايش قضية التحكيم بين الإمام علي ومعاوية، ورأى كيف تتحول إمارة المؤمنين إلى ملك، فقال: “إن الإمرة ما اؤتمر فيها، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف”(4).

   إن الابتلاء غدا بالمال والسلطة سيكون المحك الرئيس والحَكم الأساس على مدى فاعلية المنهاج التربوي للحركة الإسلامية، وفقهها لأحكام الولاية، وقدرتها على تصحيح المسار التاريخي للأمة الإسلامية. فلا يغتر مغتر قبل الابتلاء، وقد كان عبد الملك بن مروان من أفقه الناس قبل أن ينصب ملكا، قال عنه نافع: ” لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك. وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة سعيد بن المسيب، وعبد الملك، وعروة، وقبيصة بن ذؤيب”، لكنه استكبر بعد أن تحول الملك إليه، “قال ابن عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف بين يديه فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك” وقيل إنه “تأوه من تنفيذ يزيد جيشه إلى حرب ابن الزبير فلما ولي الأمر جهز إليه الحجاج الفاسق”(5). ولا نعدم اليوم من تجارب مريرة عدة لأبناء كانوا البررة في صفوف الحركة الإسلامية، ثم اغتالتهم المناصب والشراهة نحو المال، حتى غدوا من أشد الناس إيذاء لأبناء الصف الإسلامي. نعوذ بالله من الحَور بعد الكَور.

الهوامش:

(1) رواه الإمام أحمد في مسنده، كتاب: باقي مسند الأنصار. والترمذي وابن ماجه في سننهما

(2) الراغب الأصفهاني: “معجم مفردات ألفاظ القرآن”

(3) روا الإمام أحمد في مسنده، كتاب: مسند العشرة المبشرين بالجنة. ورجاله كلهم ثقات

(4) ابن سعد ” الطبقات الكبرى”. دار صادر- بيروت 1957. 4/113

(5) هذه النصوص من “سير أعلام النبلاء” للإمام الذهبي. مؤسسة الرسالة- بيروت. ط: التاسعة/1413. 4/248.