كتاب “البلاغ النبوي والبيان السياسي” يقع في مائة وأربع صفحات من الحجم المتوسط يتضمن مقدمة وعشرة فصول وخاتمة.

   في هذا الكتاب بيان لأهم الأسس التي يقوم عليها فكر جماعة العدل والإحسان ومشروعها التغييري. وهذا البيان من شأنه “معرفة الحق بالحق لا بالرجال” لأن هؤلاء يجتهدون كل حسب ظروفه والفترة التي عاشها. كما أن من دوافع الكتابة في هذا الموضوع محاولةَ بيان حقيقة جماعة العدل والإحسان، لا كما تعرضها مختلف الكتابات التي تمت حولها. ثم إن الكاتب عرض في هذا المؤلَّف الاجتهادات التي عليها يقوم التنظير لمستقبل الأمة الإسلامية، فما تعرفه الأمة اليوم من تشتت فكري تعود أسبابه إلى سد باب الاجتهاد في شؤون الأمة بدءا بالحكم.

   في الفصل الأول الذي يحمل عنوان “الحديث المفتاح”، ينطلق الكاتب من حديث الخلافة على منهاج النبوة مبينا أنه ليس حديثا للاستئناس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر فيه المسلمين مما سيؤول إليه أمرهم. وهو في ذلك يفند حجج الكاتب الدكتور فريد الأنصاري الذي يعتبر  وكثيرون غيره أن الحديث مجرد تقرير للوقائع التي حدثت في تاريخ المسلمين، وأن هذا الحديث وأحاديث الفتن لا تتضمن تشريعا. من هنا يضع كاتبنا أول معلم لفكر الجماعة ألا وهو أن مثل هذه الأحاديث تبعث في المؤمن روح العمل وترك الخمول لأن البشارة قائمة. ثم إنه ينبغي مجاراة سنة الله في أرضه والعمل وفقها ووفق مقتضيات الشرع والواقع المعيش.

   وفي الفصل الثاني الذي يحمل عنوان ” الخلافة والملك “، ينكب كاتبنا على بيان أسباب تردي أوضاع المسلمين مبينا أن أية محاولة للتغيير لا بد وأن تنطلق من فهم سديد لما حدث في تاريخ المسلمين بعد انقضاء عهد الخلافة الراشدة من انكسار تاريخي وتحوّل هذه الأخيرة إلى ملك عاض تلاه ملك جبري. ثم ينبري الكاتب يبين الفرق بين الخلافة والملك من حيث ربط الغاية الدنيوية بالأخروية ويضعِّف حجج الدكتور الأنصاري في خصوص تحديد المفهومين. وبعد تحديده مفهومي الملك العاض والملك الجبري، يعود ليبين سوء الاستدلال بخصوص لفظ الخلافة في الحديث المفتاح،والمتمثل في اعتبار أن الخلافة هي التي تكون تارة على منهاج النبوة وتارة ملكا عاضا وأخرى ملكا جبريا.

   ثم يأتي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان ” الشورى والاستبداد “، فيبين الكاتب فيه كيف أن الحكم فسد في فترة مبكرة بأن انتقلت الخلافة إلى ملك عاض غابت معه الشورى وحل محلها الاستبداد. ثم يعرض كيف أن صحابيا جليلا هو عبد الله بن عمر اجتهد فرفض خلع يزيد بن معاوية، وكيف أخذ إمام جليل هو الإمام أحمد بهذا الاجتهاد وأقر بشرعية بيعة من تولى بالسيف حتى صار “خليفة”. بل الأدهى والأمر هو أن شيخ الإسلام ابن تيمية اعتبر إمامة الخلفاء الراشدين قامت على غلبة السيف، فأفتى بأن ” الإمام الذي يطاع هو من كان له سلطان سواء أكان عادلا أم ظالما”. ثم يخلص الكاتب إلى حال علمائنا الذين صاروا ” ينغلقون على هذه الأقوال… وكأنها الحق المحض”. وبعد ذلك يمضي في بيان حقيقة الشورى عارضا نموذج النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكيف أن الشورى كانت طريقا ومنهجا في اختيار الخلفاء الأربعة، وماضيا في بيان خطإ ما ذهب إليه فريد الأنصاري في أن الشورى تخص دائرة العبادات، وينبغي ألا تنصرف جهة الحكم. وينهي الكاتب هذا الفصل بإيراد أقوال للدكتور جمال الدين عطية حول مقاصد الشريعة المتعلقة بالأمة والإنسانية، وببيان أقسام أحكام الشريعة الإسلامية من إمامة وقضاء وفَتيا.

   ويستهل الكاتب الفصل الرابع الذي يحمل عنوان “قومة الحسين بن علي رضي الله عنهما” ببيان دوافع هذه القومة من خلال خطبة له مشهورة بين فيها حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترك طاعة يزيد بن معاوية أمر مشروع طالما أنه عطل حدود الله وأحل الحرام وحرم الحلال. ثم يبين كيف أُكره الإمام الحسين رضي الله عنه على بيعة يزيد فامتنع؛ وكيف ساد في ظل حكم يزيد الجور والظلم وقتل العلماء بالآلاف وأحداث شنيعة أخرى كان أبرزَها قتل الحسين رضي الله عنه. ويختم كاتبنا هذا الفصل ببيان الدروس التي ينبغي استخلاصها من قومة الإمام الحسين رضي الله عنه ألا وهي الثبات على الحق والثقة في الله عز وجل وعدم الركون إلى الذين ظلموا وإقامة الحجة في ذلك على المسلمين والعالمين. وهذا من صلب فكر جماعة العدل والإحسان وعليه يقوم أمرها.

   أما الفصل الخامس الذي يحمل عنوان ” الدعوة والدولة”، فيتطرق فيه كاتبنا الفاضل إلى الإطار العام لعمل الإنسان في الحياة الدنيا ألا وهو إطار العدل والإحسان، إطارُ مصير الإنسان في علاقته بربه ومصيره في علاقته بغيره. ثم يبين كيف يندرج العدل في إطار الدولة من حيث هي جهاز يشرع الأحكام لتحقيقه؛ وكيف يندرج الإحسان في إطار الدعوة من حيث هي مؤسسة تشرف على بيان الأحكام والتعاليم التي تعد الإنسان للقاء ربه. بعد ذلك يبين كيف أن الدولة سيطرت على الدعوة وأقصتها بعد عهد الخلافة الراشدة بعد أن كان الترابط بينهما وثيقا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلافة الراشدة. فأصبح أمر الدعوة إما خاضعا للدولة وذائبا فيها أو مضطهدا ومحارَبا. وهذا ما كانت له عواقب وخيمة على الفكر الإسلامي وعلى الاجتهاد بصفة خاصة، ثم عواقب على كل من نصح الحكام من علماءَ عاملين. ثم بين كيف تشتت الفقه وغاب الفقه الجامع وأقفل باب الاجتهاد حتى أصبحنا اليوم نعيش لاييكية غير مصرح بها وانتهى الأمر بالأمة إلى هذا الاضمحلال وهذا التراجع الحضاري في الفكر والنظم. ويشير الكاتب بهذا الصدد إلى أن بناء مستقبل الإسلام لن يصح ما بقيت الدعوة والدولة منفصلتين وما لم تخدم الدولة الدعوة وتحميها. وينهي الكاتب هذا الفصل ببيان علاقة الأئمة بالسلاطين على عهد الملك العاض مركزا على الأئمة الأربعة (الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد)، فيعرض كيف ظهرت محاولات مبكرة لتدجين العلماء، فعانى الكثير منهم من جراء عدم رضاهم عن نظام الحكم الاستبدادي وعذبوا، فأصبحت شريعة الله مرتعا للمفسدين. ويتساءل الكاتب في النهاية كيف أن أناسا يصرون على الصمت عن هذه الوقائع والاستمرار على تسمية الأمور بغير أسمائها وعن مصلحتهم من وراء ذلك كله.

   ويأتي الفصل السادس الذي يحمل عنوان “الشريعة بين الحفظ والطلب” ليبين فيه الكاتب أنه قبل سد باب الاجتهاد تميز هذا الأخير بخاصيتين هما:

   – سيادة الاجتهاد الفردي من جهة، وحال الأئمة الأربعة خير دليل على ذلك.

   – الاهتمام بالقضايا المتعلقة بالعبادات وبقضايا الأحوال الشخصية وإفاضة الحديث عنها والتأليف بشكل ملفت للنظر. وفي مقابل ذلك، ظل هناك اهتمام ضئيل بقضايا الأمة والعلاقة بالحاكم.

   ثم يعرض الكاتب كيف تميزت مؤلفات العلماء في مختلف الميادين بالجمود والتكرار؛ ويلخص نتائج سد باب الاجتهاد في أمرين اثنين هما:

   – استفحال القطيعة بين الدعوة والدولة من خلال اتساع الهوة بين مؤسسة الحكم ومؤسسة العلماء، وكان من نتائج ذلك أن امتلأت السجون بالمعارضين للحكم وعذبوا عذابا شديدا؛

   – ظهور هوة سحيقة بين الشريعة والواقع من خلال تجاهل متطلباته، فصارت آراء السابقين هي المعمولَ بها في واقع جديد مختلف عن سابقه. وعجزت بذلك عن التأثير في الناس وإصلاح واقعهم اليومي.

   ويتساءل الكاتب بعد ذلك كيف عاش المسلمون طوال عشرة قرون على نتائج القرون الأولى.

    ثم يأتي إلى صلب موضوع هذا الفصل ليبين كيف أن الإمام الشاطبي حذر من خطر ذهاب الشريعة الإسلامية فراح يعبر عن مقاصد الشريعة لكن في صيغ حفاظية لا مطلبية مع أن العكس هو المطلوب. وهذا معلم آخر من معالم فكر جماعة العدل والإحسان يورد بشأنه الكاتب كلاما لمرشد الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين  حفظه الله  استقاه من كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” يبين فيه المرشد الحبيب أن الأمر الإلهي يجب أن يُنظَر إليه من زاوية الطلب لا من زاوية الحفظ. لكن في ظل استحكام طوق التقليد، يشير الكاتب إلى أن علماءنا لا يزالون يرددون أقوال الشاطبي دونما محاولة لفهم الواقع المعيش.

   ويرى الكاتب أن لب المشكلة هو انعدام الإرادة لدى علمائنا وغياب الفهم عندهم مما يجعلهم يتعاملون مع المقاصد بشكل أكاديمي صرف دون الوقوف على مقاصد الشريعة الإسلامية الحقة وعلى مرامي الشاطبي الجامعة والتي لم يبح بها في كتابه لأنه كان يعيش عصر جمود وتفكك بين الدعوة والدولة.

   خلاصة كل هذا حسب الكاتب هو أننا ما زلنا نقلد ولهذا حان الوقت لكي نجتهد.

   وننتقل إلى الفصل السابع الذي يحمل عنوان ” العدل والإحسان: اسم وصفة”، حيث يبدأ الكاتب بتحديد المفهومين مبينا أن العدل مقصد شرعي وأساس أول للحكم بما أنزل الله عز وجل ومفصلا لأقسامه من عدل أسري وعدل في ذوي القربى وعدل داخل الجماعة المسلمة وعدل في الحكم. أما الإحسان، فمعانيه متشعبة. لكننا نرى الكاتب يورد الأصل الدلالي للفظ في الشرع والذي تتفرع عنه المجالات الأخرى، انطلاقا من حديث جبريل (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). بمعنى آخر: الإحسان من حيث هو مرتبة عليا يفوق معناه العدل، بل قد يحتويه.

   ويستخلص الكاتب في هذا الفصل مسألة مهمة هي أن العدل شرط لبقاء الأمة، والإحسانَ شرط لرقيها. ثم يختم هذا الفصل ببيان أن الإنسان أمام مطلبين: مطلب عدلي ومطلب إحساني نحتاج إن أردنا تحقيقهما إلى منهاج.

   هذا المنهاج الذي هو محور الفصل الثامن الذي يحمل عنوان ” لماذا المنهاج النبوي؟”. وفيه يبين الكاتب ضرورة المنهاج في كل حركة تغييرية حتى تتفادى الزلل والمنزلقات. كما يشير إلى أن المنهاج من شأنه وضع الكف على جذور الفتن والحث على الاجتهاد وقراءة التاريخ القراءة السليمة حتى يستقيم المشروع التجديدي. وكل ذلك وفق الغاية الإحسانية الاستخلافية. ثم يتعرض الكاتب لمفهوم اقتحام العقبة مبينا  اعتمادا على ما جاء في كتاب المرشد عبد السلام ياسين – أنواع العقبات التي تواجه كل مشروع تجديدي من ذهنية رعوية وأنانية مستعلية وعادة جارفة. بعد ذلك ينتقل إلى الحديث عن مسألة تجديد الدين ثم إلى بيان الخصال العشر الواردة في المنهاج النبوي والتي بها تتحقق الغاية الإحسانية الاستخلافية. فنراه يركز على الخصلة الأولى (الصحبة والجماعة) لأن التغيير حسب تصور جماعة العدل والإحسان لا بد أن يمر من الصحبة والجماعة. ويختم الكاتب هذا الفصل ببيان أن مشروع العدل والإحسان جامع شامل وأن أي حكم عليه بسبب سوء فهم إنما هو حكم جائر.

   ثم ننتقل إلى الفصل التاسع الذي يحمل عنوان ” بين التربية والسياسة “. وفيه يعرض الكاتب البرنامج التربوي اليومي المعمول به في محاضن جماعة العدل والإحسان مبينا أن هذه التربية متوازنة ومن شأنها تفادي انزلاقات ثلاثة هي الزهادة والإغراق في الفكر والتقصير أو الإسراف في الحركة. ثم ينتقل للحديث عن التنظيم مركزا على النواظم الثلاث (الحب في الله  النصيحة والشورى  الطاعة) ومبينا كيف يشكَّل البناء التنظيمي عن طريق امتزاج التربية بالتنظيم. ثم يبين الكاتب أن التربية هي القضية الأولى والأخيرة في تصور جماعة العدل والإحسان وأن العمل السياسي ما هو إلا واجهة من واجهات الدعوة… ويختم الكاتب هذا الفصل بالتأكيد على أن الصدام السياسي أمر لم تختره الجماعة، بل مورس عليها. لكنها ظلت وفية لمنهاجها.

   ونأتي إلى الفصل الأخير الذي عنونه الكاتب ب” الدرس الإيراني”، فنرى الكاتب يعود لسجاله مع الدكتور فريد الأنصاري فيبين سوء فهمه لكلام المرشد بخصوص الثورة الإيرانية وعزله كلامَه عن سياقه العام. وهكذا يوضح أن المرشد إنما أراد بكلامه أن مستقبل الإسلام رهين باستيعابنا الدرس الإيراني، ذلك أن الحكمة ضالة المؤمن، فأنى وجدها فهو أولى الناس بها. فإيران عرفت رجالا واجهوا السلاطين وبنوا طاقات إيمانية حققت ما حققته من نصر. ثم إن العلماء هناك كانت لهم حرمة وتعظيم في عيون الشعب واستقلال مالي. ثم يتساءل الكاتب عن تجليات تبني المرشد عبد السلام ياسين للمنهج الإيراني موضحا أنه لم ينبهر قط بالثورة ككل، بل ركز على الخطى الحثيثة التي انتهجتها الثورة هناك دون أن يحجب ذلك عنه التأسيَ برسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده وصبره وذكره وقيامه وهجرته… بعد ذلك نجد الكاتب يفصح عن الخلل في تصور الدكتور الأنصاري ومنهجيته في الاستدلال منها ارتباط مفهوم القومة عنده بالسعي للوصول إلى الحكم ثم عزله النصوص عن سياقاتها العامة. ثم ينتقل إلى عرض الاجتهادات التي عرضها المرشد لا لاتخاذها خيارات وحيدة، بل للاستفادة منها. ويلخصها في :

   1- الدخول المشروط في تعددية الأحزاب والتعامل مع الأحزاب الإسلامية على أساس التكامل وترك الشعارات غير الإسلامية تموت موتتها الطبيعية.

   2- خط المغالاة والتطرف. ويحذر منه المرشد مركزا على متبعيه من الشباب الذين يتصورون العالم من حولهم ظلاما لا سبيل لإنارته.

   3- خط التنفيذ بالقوة بعد الإعداد. ويدعو المرشد إلى التأمل فيه لا تقليده.

   ونصل إلى الخاتمة لنجد الكاتب يلخص مشروع جماعة العدل والإحسان، ويركز على أن التربية فيه تهدف إلى تعريف الإنسان بخالقه والعمل على إرضائه دون إغفال جانب التأثير في الأمة والانشغال بهموم المسلمين مما يعني المشاركة السياسية. وهو ما أغفله المسلمون منذ الانكسار التاريخي. وهكذا فمشروع الجماعة تربية وتنظيم وجهاد على خطى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.