استعارة الألحان

محمد العربي أبو حزم

m_abouhazm@yahoo.fr

m_hazeem@hotmail.com

   من أكثر الأساليب المرتبطة بالممارسة الفنية انتشاراً لدى فرقنا الغنائية أسلوبُ “استعارة الألحان”، إذْ نَعْمَدُ في اختياراتنا إلى اختصار الطريق إلى آذان الناس متوسِّلين إليها مِرَاراً بألحان جميلة لأَغَانٍ غَزَلِيَّةٍ أو خَمْرِيَّةٍ أو ما شَابَهَ مشهورةٍ نَخْلَعُهَا على مضامينَ إيمانية تربوية بهدف تَمريرها بسرعة ويُسْر.

   ويرى أنصار هذا الأسلوب أنَّ في الاِتِّكاءِ عليه فاعليةً كبيرةً في استمالة آذان الناس وقلوبهم إلينا بما يُغْنِي عن بذل الجهد في إبداع ما ليس له الفاعلية ذاتُها ولا يُضْمَنُ له النجاح نفسُه.

   ولا بأس من التذكير بأن هذا الأسلوب ليس جديداً على الممارسة الفنية؛ ففي الشام العريق بتراثه الغنائي -على سبيل المثال- لا يزال هذا الأسلوب شائعا منذ أَمَدٍ طويل فيما يُسمى: قدوداً حلبية. والقدود الحلبية عبارة عن أغانٍ شائعة استُبدلتْ كلماتُها بأخرى سُكِبَتْ في القالب اللحني للأولى. وتَسْمِيَتُهَا “قَدّاً”، معناه أنها نُسِجَتْ على “قَدّ” الأولى أيْ على “مِنْوَالِ” و”وزن” الأولى. وأقرب الأمثلة إلينا قدُّ: “أيها العاشق مَعْنَى حُسْنِنا”، إذْ أُلْبِسَ لَحْنَ موشح: “بالذي أسكر من عَرْفِ اللَّمى”، وقدُّ “يا إمام الرسل” الشهير والذي أُلبس لحن أغنية: “تحت هودجها”.

   يقول العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن هذا الموضوع عند تقديمه لكتاب “جامع النفحات القدسية” للشيخ محمد عربي قباني (ص: 8/9) في سياق حديثه عن فريق من الناس، كما يقول، “تَعَافُ نفسُه النغمَ الجميلَ أَوْ لا تروق له -في أحسن الأحوال- نقراتُ الدفوف خلال الإنشاد”:

   “وربما كان في هذا الفريق من الناس من يشمئز من وضع القدود الدينية على ألْحَاقِ أغنيات دارجة مشهورة، فيحارب هذا التوجه حربا لا هوادة فيها، ويبحث لحربه عن مبررات يصطفها ويجمعها من هنا وهناك.

   “لماذا أتجاهل، في سبيل مزاجي المخالف، واقعا تراه عيني في حال كثير من الناس من ذكور وإناث، إذ يُشَدُّ أحدهم من خلال لحن غنائي امتلك عليه مشاعره، إلى كلمات إيمانية ونورانية أخرى أُلْبِسَتْ ذلك الحق، وإذا هو يركن إليها ثم يستأنس بها ثم يتفاعل ويصطبغ بعد حين بمعانيها؟.. وماذا يضيرني من هذا الواقع المخالف لمزاجي إذا جاءت هداية كثير من الناس عن طريقه؟”.

   إن كنت أوردت كلام الشيخ البوطي في الموضوع فلأكون أميناً في عرض الرأي النصير لفكرة “استعارة الألحان” بالاستشهاد بكلام نصيرٍ يُهِمُّهُ وصولُ رسالة الحق إلى الناس صافية نقية، وهو إلى هذا يعيش في بلد الموشحات والقدود الحلبية ويرى أثرَها في الناس رأي عين وله بأهل الفن فيها عرى وثيقة.

   ويظهر أن بين مُنْطَلَق العلاَّمة البوطي ومُتَّكَئِه وبين منطلق هذه السلسلة ومُتَّكَئِها مسافةً لا بد من مراعاتها واعتبارها، وأُوجِز بُعْدَ ما بين الْمُنْطَلَقَيْن والْمُتَّكَأَيْن واختلافَهُمَا في عناصرَ أناقشها بِتَأَنٍّ واحداً واحداً مع القُرَّاء الكرام الذين أرجو أن أجد من صبرهم عَلَى هذه السلسلة ومن طول نفسهم في متابعتها ما يعينني على بلوغ الْمرام:

أولاً   إن الشاميين درجوا على “استعارة الألحان” منذ قرون، اختلطت فيها أنساب الكثير من ألحان الموشحات والقدود حتى لم يَعُدْ يُعرف الأصيلُ فيها من الدَّخيل؛ فيكونُ الموشح رَبَّانِيَّ المضمون ثم يصاغ له قَدٌّ بكلمات غزلية أو خمرية، أو يحصل العكس.

   وإن عملية “تفصيل” الكلمات “الدينية” على “قـدِّ” الكلمات الغزلية كان يقوم عليها مُغَنُّونَ وشعراءُ مُلِمُّون بِصَنْعَتَي الشِّعر والغناء مَعاً، ويحسنون السَّبْكَ والاِختيار والنسج على المنوال؛ فهل ينجح أيٌّ كان في نسج كلمات بديلة لا تقل صنعةً عن الأصيلة، وتنسجم فيها مقاييس اللاَّبِسِ والْمَلْبُوسِ بَدَلَ أن يصبح الحال كحال من يَلْبَسُ ما لا يُلْبَس؟ وهل تحتمل كل الأغاني هذا الأسلوب؟

ثـانيـاً   إِنَّ في المساجد والزوايا وفي المناسبات حيث تُؤدَّى التواشيح الدينية تُهيمن الأجواء الروحية على روحية السامع فيغدو كلُّ ما يُتَغَنَّى به من غَزَل أو خمريات أو ابتهالات أو مدائح وَقُوداً يُلهب مشاعر الحاضرين فيُذَوِّبُهَا في الْجَوّ الروحي العام تَذْوِيباً.. فكيف نستطيع بألحان مستعارة استحضارَ أجوائنا الروحية لتهيمن على روحية المستمع على كل أحواله: في البيت أمام جهاز التلفزيون وفي الشارع.. في وسائل النقل وفي المنتديات.. على أذنيه ودماغه وفي قعر لاشعوره؟

   إننا مطالبون أن نغشى منتديات الناس العامة والخاصة نرقى معهم لأسمى الدرجات الممكنة في “الأجواء الروحية”، لا أن ننتظر أن يسْعَوا هم إلى أجوائنا سعياً. فهل نستطيع التأثير في الناس بمضامينَ ألحانُها تُلْهِبُ فيهم الحنين إلى ما لا نريد؟ إننا بِهذا نصبح وقوداً يُذْكي لَهِيبَ أجوائهم بَدَلَ أن يَرْقَوْا هم بغيرها إلى خير منها.

ثـالثـاً   فيما تعلَّمْنَاه في الدراسة الثانوية العلمية تجربةٌ تُعرف باسم صاحبها “بافلوف”، إذْ كان ينقر في الناقوس ثم يُناول كلبَه قطعة من السكر مباشرة بعد النقرة؛ وتكرَّرت التجربة مراراً. وفي آخر مرة نقر الناقوس من غير أن يقدم للكلب قطعة السكر المعتادة ففتح الكلب فَاهُ وأَفْرَزَ من غُدَدِه اللُّعاب لأنه تعود على ارتباط نقرة الناقوس بتناول قطعة السكر التي يَسيل لها لعابه. وهذا ما يُسَمَّى: “ردَّ فِعْلٍ شَرْطِـيّاً” (réflexe conditionné/conditionnel).

   يقوم اللحن في هذه التجربة العلمية مَقَامَ الناقوس، وتقوم قطعةُ السكر مقامَ الكلمات الغزلية أو الخمرية أو ما شابه، ويقوم اللُّعابُ السائلُ مقامَ التأثير والاِنطباع النفسي الذي يُحْدِثُه ارتباطُ وتلازمُ اللحن والكلمة ارتباطَ وتلازمَ الفعلِ بردِّ الفعلِ.

   فنفس المستمع إن اعتادت على ارتباط وتلازم لَحْنٍ ما بِمضمونٍ ما، فإنها تجد من آثار هذا اللحن -وإنُ عُزِفَ دون غناء أو أُلْبِسَ مضامين أخرى- مثلما تجد منه بمضمونه الأصلي. وأُعَضِّد هذه الفكرة بمثال يختلف به مُنطلَق حركتنا عن منطلق نظرةِ الدكتور البوطي نفعنا الله تعالى بعلمه:

   قد دَلَّتِ التجربة على أن سلطان اللحن أقوى في آذان الناس وقلوبهم من سلطان الكلمة؛ فأنت ربما تنسى كلمات بعض الأغاني، ولكنك لا تنسى ألحانها بالدرجة والسرعة ذاتها. وإذا الْتقى المعنى العُلْويُّ للكلام باللحن المتجذِّر في سابع أرض من طول ما ارتبط في آذان وقلوب الناس بالمعاني الأرضية فإن الغلبة تكون لِلَّحن الأرضي “الجميل” على حساب المعنى العُلوي الجليل. وإنَّ اللحن ليتشرَّب معانِيَ أول كلمات سُكِبَتْ فيه تماما كما يتشرَّب الإناءُ الطينِيُّ أول سائل يُصَبُّ فيه. ألا ترى أننا إنْ أَفْرَغْنَا إناءً طينيا مما حوى من خمر ثم سَكَبْنَا فيه لَبَناً طازجا، ألا يَفْسُدُ اللبنُ بِبَقِيَّةِ ما تَشَرَّبه الإناء من خَمْرٍ أوَّلَ عهده؟!

رابـعـاً   إن “استعارة الألحان” يمكن أن تكون في بعض الأحيان ملجأً مُؤقَّتاً لِعابِر سَبِيل، ولكن إن أصبح عبورُنا لِدِيَارِ الاِستعارة مُكْثاً طويلاً، وتضييفُنَا فيها مُقاماً فَتَمَلُّكاً بغير حق، وأسلوبُها تَسَوُّلاً فَإِدْمَاناً… إن أصبح هذا الأسلوب بديلاً لنا عن أعباءِ البناءِ وتكاليفِ الإبداعِ وهمومِ التجديدِ فمعناه أننا حركةٌ فنية -إنْ كُـنَّاهَا- تعيش لاجئةً لدى من نطمع أن نزاحمهم على إمامة الناس في الميدان.

   ومع هذا فلا بأس من استعارة بعض الألحان في بعض الحفلات والمناسبات الاِجتماعية بِجُرِعَةٍ جِدِّ خفيفة وفي حدودٍ جِدِّ ضيِّقةٍ وبوعي وبتدرج حكيم يُفْضِي بنا إلى التخلص منها.

   أما الإصدارات المسموعة والمرئية والمهرجانات والحفلات في الفضاءات العامة فلها حُكْمُ وطبيعةُ “الخطاب المسؤول” و”البيان الرسمي” الذي يفرض على الفنان الحرص ما أمكن في انتقاء اختياراته الغنائية.

خامـسـاً   إن الناس حين تتفاعل وتطرب لِمَدِيح “داوني يا نور الحي” على سبيل المثال، فإنما تتفاعل وتطرب لـ: “غَنِّ لِي شْوَيّ شْوَيّ”، وإن بدا أنها تتفاعل مع مضامين الأولى.. وما تفعل الأولى سوى أنها تُذَكِّرُ بمضمون الثانية وتستدعيه من طَبْلَةِ الأُذن عَبْرَ الدماغ والأعصاب إلى أعماق القلب. لا يقوم اللحن المستعار في هذا المديح في هذه الحالة إلا بدور “الإشهار” لطقطوقة زكريا أحمد، وبمهمة “الْمُنَـبِّه” للذاكرة النفسية، للسامع وبوظيفة “الباعث” للدفين من رَمِيمِهَا الذي يرتبط باللحن المستعار وخالي أيامِه وليالِيه.. و”لْمْغَطِّي بديال الناس” كما يقول المغاربة: “عُرْيَان”.

سـادسـاً   إن من أهم أهدافنا أن نبدع من مضاميننا في حاضرنا لمستقبلنا رصيداً هائلاً متنوعاً شاملاً من الفن يكون للشاهدِ من الأجيال ولِلاَّحِقِ بها مدرسةً مُرَبِّيَةً ومِرْوَحَةً مُرفِّهةً مُلَطِّفَةً وذاكرةً مُهَيْمِنَةً بأجوائها وأنوارها على روحه ومشاعره وأفكاره وسلوكه وذاكرته مثلما يهيمن على أرواحنا ومشاعرنا وأفكارنا وسلوكنا رصيدُ الفن الكبيرُ الذي أثَّله مَنْ سَبَقَنَا إلى الميدان ومن عاصرناهم مِنْ مَهْدِنَا مِنَ “القوم” فمسَّنَا مِن نَفَحَاتِهِمْ ولَفَحَاتِهِمْ ما مَسَّنَا بِما لهم وما عليهم..

   فما من أغنية من أغاني الحسين السلاوي أو الغيوان أو جيلالة أو عبد الوهاب أو عبد الحليم أو الحياني أو أم كلثوم أو جاك بريل أو إِدِيتْ بّْيَافْ أو فيروز أو فريد أو أسمهان أو غيرهم من صُنَّاع الفن إلا ولها في قلوب الناس أثر الوشم على الجسد لا يُمحى وذكرى تُلهب حنين السامع إلى الماضي قريبِه والبعيد.

   تلك أمَّة قد خَلَتْ.. على رجاء أن يكون منا من يقوم مقام “القوم” يكتب بِمَدَدِ النور ومِداده على قلوب الناس بأحرف النَّغَم ما يشاء الله تعالى مِن مَعِين مَا بين دفّتَيِ المصحف الكريم من المعاني مترجِماً عنها منافحاً بها؟

خـلاصـة   إنه لا يستقيم في قلوبنا أن نَخْلَعَ على شِعْرٍ أُبْدِعَ بسامي المعاني ألحاناً نُسِجَتْ في الغزل والتشبيب والخمريات؟ إن ألْحَانَ الغزل والتشبيب والخمريات، في هذه الحال، لَتَنَالُ من طَعْمِ الغناءِ الْحَسَنِ وروحِه ورسالتِه وأهدافِه كما ينال الخمرُ من طعم اللبن في المثال السالف الذكر.

في الحلقة الرابعة إن شاء الله موضوع:

استعارة الأشعار   يَعْمَدُ البعض إلى إعادة توظيف بعض الأشعار من سياق الغَزَل والخمريات إلى سياق مدح سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل من بأس في هذا الأسلوب؟