بتاريخ 02 يونيو 2005 نشرت جريدة “الأسبوعية الجديدة” ضمن عددها رقم 33 حوارا مع السيدة ندية ياسين تحت عنوان … الملكية لا تصلح للمغرب). وفي نفس الأسبوع 08 يونيو 2005 حركت النيابة العامة المتابعة في حق السيدة ياسين بحجة أنها ارتكبت جريمة المشاركة في المس بالنظام الملكي. وصادف تحريك المتابعة تحريك أقلام متعددة في اتجاه إدانة السيدة ندية -الحالمة خريجة ديكارت، والجمهورية المتنكرة للملكية كما المراكشي، والناقمة المتجاوزة لحدود وضوابط حرية التعبير…- قبل المحاكمة، وكأنه ليس في القوم رجل رشيد يدافع عن حرية التعبير وإبداء الرأي على الأقل وفق الضوابط المتعارف عليها دوليا. إن محاكمة السيدة ندية تعني أنها ارتكبت جرماً يوجب العقاب، أما محاكمة حرية التعبير فيدل على أن السلطة السياسية في المغرب تمارس القمع والإرهاب في حق أبناء هذا الوطن وتجبرهم على تكميم الأفواه خارقة كل الضوابط. هل ارتكبت ندية ياسين جريمة؟ أم أنها عبرت فقط عن رأيها؟ ومتى كان الإدلاء بالرأي بالطرق السلمية جرما؟ وماذا تقول المواثيق الدولية في هذا الشأن؟ سيما والمغرب يعبر بمناسبة، وبغير مناسبة، التزامه بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

1- حرية التعبير كما هي متعارف عليها دوليا

نص الدستور المغربي في ديباجته على تشبث المملكة المغربية بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا) وذلك قبل أن يتحدث في فصله 09 على أنه يضمن .. لجميع المواطنين .. حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله..). وبالتالي فإن مدلول حرية التعبير وفق الفصل 09 من الدستور لا يمكن فهمها إلا باستحضار هذه الحرية وفق ما هو منصوص عليها في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان المصادق عليه من قبل المغرب، وكما هو متعارف عليها دوليا. نصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لـ10 دجنبر 1948 أنه: لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية). ونصت المادة 26 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والذي كان المغرب طرفا في إصداره وصياغته وبناء مضامينه، على أن حرية العقيدة والفكر والرأي مكفولة لكل فرد). وقد قررت المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المعتمد بتاريخ 16 دجنبر 1966 في فقرتها الثانية، على أنه لكل إنسان الحق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها).

والجدير بالذكر أن المغرب صادق على عدة اتفاقيات دولية منها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وبالتالي أصبحت قانونا واجب التطبيق في المغرب ومقدمة على القانون الداخلي  قانون الصحافة.

2- حدود حرية التعبير

رسمت جل المواثيق الدولية للتعبير إطار حريته التي لا يمكن أن تخرج عن قالب التعبير، كما وضعت للدول والحكومات إطارا لا يمكن تجاوزه بمناسبة التعامل مع الحريات المعترف بها دوليا. فمن جانب ممارسة الحرية، توسعت الاتفاقيات في تكريس المبدإ وإشاعته باعتباره أصلا أصيلا في الإنسان، إلا أن تكون ممارسته لهذه الحرية دعوة صريحة إلى العنف أو تحريض عليه أو دعوة إلى الحرب أو تحريض على القومية والعنصرية والكراهية. وفي ذلك نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة 20 على أنه: 1. يحظر بالقانون أية دعاية للحرب. 2. تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف).

وبالتالي فإن حرية التعبير مضمونة ما لم تكن جريمة عندما: – تدعو إلى الحرب – تحرض على الكراهية أو العنصرية – تحرض على التمييز أو العنف. أما من جانب القيود الموضوعة على التشريعات، فإن الدول تكون ملزمة بعدم تأويل المقتضيات الدولية للمس بالحريات وأن تتدخل فقط في حدود حماية الأمن العام بجميع مدلولاته. وهو ما نصت عليه المادة 30 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقولها: ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه).

ووفق الفقرة الأخيرة من المادة 19 من معاهدة نيويورك فإنه يمكن وضع قيود على حرية التعبير شريطة أن تكون لازمة لاحترام حقوق وسمعة الآخرين، ولحماية الأمن القومي والنظام العام، مع الإشارة إلى أن أغلب المواثيق الدولية لا تتحدث عن حماية النظام السياسي من حرية التعبير وتجعله مقيدا لها، لأن الأصل في الأنظمة السياسية أنها اختيار حرٌّ للشعوب وبالتالي فهي نسبية بين مؤيد ومعارض، في حين أن النظام العام هو حق لكل المواطنين ولا يسمح لأي كان المس به وعليه أصبح قيدا من قيود حرية التعبير، خصوصا وأن مفهوم النظام العام يستوعب حرية التعبير أيضا لأننا حينما نقبل بإقبار هذه الحرية ومصادرتها فإننا نكون في حكم المتواطئ على النظام العام لفائدة النظام السياسي السائد.

3- خلاصات

جاء بمناسبة استماع الشرطة القضائية للسيدة ندية ياسين: سؤال: ألا تعتبرين أن هذه التصريحات ماسة بالدستور ومؤسساته؟). أجابت بأنها كانت تبرهن على: أننا في عهد جديد نؤمن فيه بحرية التعبير…). يظهر بجلاء أن الأمر محاكمة بين سلطة تخاف من التعبير وبين امرأة تريد أن تبرهن على أننا في عهد جديد نؤمن فيه بحرية التعبير، هذه الحرية التي نؤمن بها جميعا، لكننا  وللأسف- نسكت عن مصادرتها، ولا نتحرك عند محاكمتها في شخص السيدة ندية.

إن التصريح موضوع المتابعة لم يدع إلى عنف، ولا حرض على الحرب، ولا استنهض القوى قصد التمييز العنصري أو الكراهية والعنصرية … وكان حقيقة رأي حر وتعبير صادق عن طبيعة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تؤمن به السيدة ياسين وتعتقد أنه الأصلح للمجتمع المغربي وفق ما تضمنه قواعد حرية الاختيار وحرية التعبير لكل الجنس البشري بمن فيهم الأقليات في العالم.

ثم إن نظاما سياسيا يخاف من تصريحات صحفية ويضع المعبرين عن آرائهم بخصوص الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وآفاق تجاوز أزماته في موضع الاتهام والمتابعة، حري به أن يقف وقفة تأمل مع ذاته ليتساءل أيهما الأقوى والأرفع والأحق بالحماية، فوق المعقول، أهو النظام العام  حرية التفكير والتعبير والرأي والصحافة والاجتماع والانتماء..- أم النظام السياسي الذي يفترض أن يختاره المواطنون. ليخلص في النهاية إلى حتمية إيقاف مهزلة محاكمة حرية التعبير والرأي في شخص السيدة ندية ياسين.

ذ. سعيد بوزردة عضو هيئة دفاع السيدة ندية ياسين