كان عنوان الكتاب الذي خرج به قاسم أمين على المسلمين في مصر “تحرير المرأة” سنة 1899. كتاب أحدث في زمنه زلزالا فكريا ورد فعل عنيفاً من جانب العلماء الفضلاء. ولقي من الجانب الآخر، من النساء المقهورات الرازحات تحت نير التضييق والجهل، المكتشفات لأضواء المدنية الغربية الجذابة، إقبالا. جعلنه لواءً يقاتلن تحته ويناضلن.

فلما بلغ الإفساد التغريبي أشده، وبرزت الدعوة الإسلامية، مالت على التبرج وميوعة المرأة وتمييعها تشديدا معاكسا، مستندة في ذلك على أضيق التأويلات الفقهية وأعسر المذاهب في حق المرأة، حتى لم يبق للمؤمنات متنفس بين ميوعة أولئك وتشديد هؤلاء.

وقيض الله الشيخ عبد الحليم أبا شقة فجمع في دراسته الجليلة تحت عنوان “تحرير المرأة في عصر الرسالة” من نصوص الكتاب وعمل السنة من البخاري ومسلم ما جلّى به صورة من حياة المؤمنات على عهد النبوة هي أبعد ما يكون عن فقه سد الذرائع واتقاء الفتنة الذي حشر المسلمة المتمسكة بدينها في ركن حرج مَرِج.

يطول القول وتبعد الشقة لو جئنا نستعرض كيف دخل علينا الكفر وأنشب الغزو الاجتماعي المميع أظفاره في كل قطر قطرٍ من بلاد المسلمين. فالمستعمر الغازي واحد النية والأسلوب، أنجليزا كان أو فرنسيسا أو طليانا. والمسلمون حين فاجأهم من بأس أوربا وسطوة صناعتها وبهرج حضارتها متحدون في معاني التخلف ومظاهر البأساء والضراء.

الطبقة التي استسلمت وانقادت وتميعت ووقفت من الوافد الغازي موقف الاندهاش ثم الانخذال ثم الخنوع أو الانكماش أو الاستباق إلى الهاوية تتميز بنفس الخصائص.

سواء في ذلك النساء والرجال. سواء في ذلك الزعيم القومي التركي ضياء كوك ألب الذي دعا إلى الانسلاخ عن التقاليد أي الإسلام، والانخراط في الحضارة الغربية.

ومثله سيد أحمد خان في الهند الذي بدأ حياته مصلحا مسلما، ثم عاش في أنجلترا سنوات حيث عاشر الطبقة الراقية وغشي القصور ومحافل الكبراء والمفكرين، وافتتن وانقلب على عقبيه، ثم رجع إلى الهند وقد تغلغل الإلحاد والدهرية في أحشائه، مع زعمه أنه يدافع عن الإسلام.

تلك الطبقة المنبهرة بأضواء المدنية البهرجية وعلومِها وسلطانها وقوتها قوم بعضهم من بعض، تضاءلت في نفوسهم دواعي الإيمان، و تضخمت صورة الحضارة المادية الماثلة بعزتها وفنونها وإغرائها وأفكارها وفلسفتها ونمط سلوكها. فمحقت في نفوسهم معالم ما كان معهم من إسلام موروث، وفتحت للرجال والنساء المندهشين المائلين المتسوقين أبواب الافتتان مترعة.

وقام في وجه التغريب والتمييع و”تحريرالمرأة” علماء وفضلاء وكتاب وشعراء في الهند وتركيا وإيران وسائر بلاد الإسلام. و أشد ما كانت المعركة في مصر.

فنخلص إلى معترك قضية المرأة وتحريرها بَدْءاً بهذه الملاحظة الجوهرية، هي أن المرأة المراد تحريرها لا تنتسب في عبارة القول لشيء غير جنسها. فهي امرأة من مصر أو الهند أو تركيا صلتها ببنات جنسها في باريس ولندن وروما هي بطاقة تعريفها، بقطع النظر عن كل دين. الدين أمره منسي لا يذكر في المحافل الحضارية. الدين عيب. وفي أحسن الأحوال مسألة شخصية.

عاد رافع رفاعة الطهطاوي من بعثة كلفه بها محمد علي حاكم مصر وأحد أبالسة الحكم العاض بعد أن قضى بباريز أربع سنوات. فكان الداعية الأول والنافذة الأولى للمصريين وللعرب على بلاد الكفار.

ثم كان أول من رفع الشكوى ضد مظلومية المسلمات رجل نصراني قبطي يدعى مرقص فهمي، فلقي سندا وتأييدا من القصر وأميرته نازلي.

ونصل إلى صاحبنا قاسم أمين الذي أخرج كتابه “تحرير المرأة”. انزلق قاسم أمين شيئا فشيئا حتى تبنى كل أفكار مرقص مستشهدا بالقرآن والحديث مؤولا مبررا. انزلق كما انزلق طغام الناس لقوة النموذج الماثل بجسمه في شوارع القاهرة ودواوينها ومحافلها. مشاهد النساء الإنجليزيات الكاسيات العاريات وغيرها من مشاهد المنكرات كانت تقشعر منها الجلود وتجفلُ النفوس. ثم ألفت العيون المنكر فأصبح معروفا، وقبلت النفوس الهزيمة فباتت فضيلة، وانتحل الناس “نحلة الغالب” دينا، أو انكمشوا -عامتهم وطغامهم من النساء والرجال- في “دين الانقياد” وصمت الخمول.

وتقرأ حيرة عقلاء المسلمين وتذبذبهم بين إسلام موروث ونموذج فاتن في شعر أعظم شعراء العرب أحمد شوقي رحمه الله. بعض قصائده تمثل القمة الشامخة في التعبير عن الولاء للإسلام مثل “نهج البردة”. وبعضها من الوطنيات التي يشيد فيها بالزعماء تمت إلى الوثنية بصلات. وهو بين ذلك يسخر من قاسم أمين ويدافع عن الحوزة فيقول:

ولك البيـان الجـزل في *** أثنـائه العلـم الغـزير

في مطلـب خشـن كثـ *** ـير في مزالقه العثـور

ما بالكتــاب ولا الحديـ *** ـث إذا ذكـرتهما نكير

حتى لنســأل هـل تغـ *** ـار على العقائد أو تُغير

انتقلت فكرة السفور و”تحرير المرأة” من مجال النظـر إلى مجال التطبيق على يد الزعيم سعد زغلول بعد أن شاركت المرأة المسلمة الوطنية في نضال 1919 بتاريخ النصارى. في محفل عام كشف الزعيم بيده حجاب المناضلة هُدى شعراوي التي تمثل رمز تحرير المرأة. حملت لواءه، وتناولته من بعدها أيد عابثة، ثم أيد فاجرة كافرة من مثل ما نشاهد في بلاد المسلمين من صحفيات وأستاذات وفنانات وطبيبات ومحاميات تمردن على إسلام أمهاتهن، وتمردن على المجتمع الرجولي الذي قهر المرأة المسلمة فعلا. فهن ينبذن الإسلام ويرفضنه، ويعتنقن قومية المرأة وعالمية حقوقها، ولاييكية ديمقراطية تنصفهن وتمكنهن من ملكية جسومهن يفعلن بها ما يشأن.

وصل الغزو الثقافي أوجَهُ في مصر عندما أقنع المخططون الإنجليز بالكلمة النافذة والسلطان المنفِّذ بضرورة “إصلاح” الأزهر، هذا “الوكر الخطير للتعصب الديني”. أقنعوا المسلمين أن دينهم لن يبقى حيا إن لم يفهموه فهما يتفق مع الفكر العلمي الصائل الهائل.

وكُلف الشيخ محمد عبده رحمه الله بالإشراف على “الإصلاح”. فنصب الشيخ الجليل رحمه الله على رأس الأزهر وأجهزته “متنورين” ما لبثوا أن تناولوا الإيمان بالغيب بملقط الفحص المخبري، ونظروا إليه تحت مجهر التجريبية الوضعية. ولم يسلم الشيخ الجليل غفر الله لنا وله من لطمة الاندهاش العام، فلحق بذلك أعلى مرجع في البلد بالشارع والمتعرجات فيه المتبرجات.

ما يحبس البلاء أن يتقاطر ويهطُلَ على العامة إذا كانت المظلة العالمة التي تحمي العقيدة قد تثقبت وتخرمت؟ ينعت الغالبون المختالون بعلومهم وقوتهم وسطوتهم الإيمان بالجن والشياطين والملائكة نوعا من الخرافة البدائية التي تليق بقبائل أفريقيا المتوحشة. فيؤوِّل الشيخ غفر الله لنا وله الطير الأبابيل والحجارة من سجيل الوارد ذكرها في سورة الفيل بأنها جراثيم مرض الجُدَري مثلما يؤول المستشرقون، ويتقدم العبدَوِيُّون من مدرسة الشيخ ليزعموا أن الجن ما هو إلا عبارة عن مكروبات خفية.

ويكتب حسنين هيكل كتابه “حياة محمد” (أقول صلى الله عليه وسلم) ليبرزه بطلا عبقريا عظيما، وقائدا محنكا، وما شئت من أنواع الاعتزاز. إلا أن تقول إنه نبي ورسول يوحى إليه، فذلك مما يطعن في عقلانيتك، ويُريق ماء وجهك أمام أرباب العلوم.

نعم، عندما تلعب الشياطين بالغربيين، وتحرك لهم المقاعد والموائد، ويصرح مشعوذوهم المحترمون بأن العملية تحضير أرواح، يومئذ لا بأس بالحديث عن شيء من الغيب يشبه ويردد في لغة محلية مقبولة المقولات الرائجة في الوسط الراقي الأوربي. أما أن تسبق خطوة فهو حمق و بلادة.

عن النبوة يكتب الشيخ محمد عبده غفر الله لنا وله ما يلي. وأنقل عن الكتاب القيم للدكتور سعيد رمضان البوطي “كبرى اليقينيات الكونية”.

قال: “أقول: قد يُعرَّف النبي بإنسان فُطر على الحق علما وعملا. أي بحيث لا يعلم إلا حقا ولا يعمل إلا حقا على مُقتضى الحكمة. وذلك يكون بالفطرة. أي لا يحتاج فيه إلى الفكر والنظر. فإن فطر أيضا على دعوة بني نوعه إلى ما جُبل عليه فهو رسول أيضا. وإلا فهو نبي فقط”.

فطرة. كلمة مبهمة. لا تتحدث عن الوحي فيستحمقوك.

من هذا العقل المتخلف الذي يتحدث عن الوحي وجبريل والمعجزات والغيب! أيهما يمثل الدرك الأسفل في الهزيمة: نساء تبرجن وتمردن، أم حكام انخذلوا، أم مثقفون ابتلعوا، أم علماء خنسوا!