لما حضرت معاذا رضي الله عنه الوفاة قال: “اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر”. ولما اشتد به النزع ونزع نزعا لم ينزعه أحد كان كلما أفاق من غمرة (شدة) فتح طرفه ثم قال: “رب، ما أخنقني خنقك، فَوَعِزَّتِك إنك تعلم أن قلبي يحبك”.

   ولما حضرت سلمان رضي الله عنه الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “ما أبكي جزعا على الدنيا، ولكن عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون بلغة أحدنا من الدنيا كزاد الراكب” أخرجه الإمام أحمد رحمه الله، والحاكم رحمه الله وصححه. فلما مات سلمان رضي الله عنه نظر في جميع ما ترك، فإذا قيمته بضعة عشر درهما.

   ولما حضرت بلالا رضي الله عنه الوفاة قالت امرأته: واحزناه ! فقال: “بل واطرباه ! غدا نلقى الأحبة محمدا وحزبه”. وقيل: فتح عبد الله بن المبارك رحمه الله عينه عند الوفاة وضحك، وقال: “لمثل هذا فليعمل العاملون”.

   ولما حضرت إبراهيم النخعي رحمه الله الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “أنتظر من الله رسولا يبشرني بالجنة أو بالنار”.

   ولما حضرت ابن المنكدر رحمه الله الوفاة بكى، فقيل له ما يبكيك؟ فقال: “والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئا حسبته هينا وهو عند الله عظيم”.

   ولما حضرت عامر بن عبد القيس رحمه الله الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا، ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر، وعلى قيام الليل في الشتاء”.

   ولما حضرت فضيلا رحمه الله الوفاة غشي عليه، ثم فتح عينيه وقال: “وابعد سفراه ! واقلة زاداه !”.

   ولما حضرت ابن المبارك رحمه الله الوفاة قال لنصر مولاه: “اجعل رأسي على التراب”، فبكى نصر فقال له: “ما يبكيك؟” قال: “ذكرت ما كنت فيه من النعيم، وأنت هو ذا تموت فقيرا غريبا”. قال: “اسكت، فإني سألت الله تعالى أن يحييني حياة الأغنياء وأن يميتني موت الفقراء”. ثم قال له: “لقني ولا تعد علي ما لم أتكلم بكلام ثان”.

   وقال عطاء بن يسار رحمه الله: “تبدى إبليس لرجل عند الموت فقال له: نجوت، فقال: ما آمنك بعد”. وبكى بعضهم عند الموت فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “آية في كتاب الله تعالى قوله عز وجل: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة : 27).

   ودخل الحسن رضي الله عنه على رجل يجود بنفسه فقال: “إن أمرا هذا أوله لجدير أن يتقى آخره، وإن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوله”.

   وقال الجريري رحمه الله: “كنت عند الجنيد رحمه الله في حال نزعه  وكان يوم الجمعة ويوم النيروز- وهو يقرأ القرآن فختم، فقلت له: في هذه الحالة يا أبا القسام؟ فقال: ومن أولى بذلك مني وهو ذا تطوى صحيفتي؟”.

   وقال رويم رحمه الله: “حضرت وفاة أبي سعيد الخراز وهو يقول:حنين قلوب العارفين إلى الذكر *** وتذكارهم وقت المناجـــاة للســـر

أديرت كؤوس للمنايــا عليهم *** فأغفوا عن الدنيـا كإغفاء ذي الشكــر

همــومهم جوالة بمعسكــر *** به أهــل ود الله كــالأنجم الزهــر

فأجسامهم في الأرض قتلى بحبه *** وأرواحهم في الحجب نحو العلا تسري

فما عرسوا إلا بقرب حبيبــهم *** ومـا عرجوا من مس بؤس ولا ضـر”   وقيل للجنيد رحمه الله: “إن أبا سعيد الخراز كان كثير التواجد عند الموت، فقال: لم يكن بعجب أن تطير روحه اشتياقا”. وقيل لذي النون رحمه الله عند موته ما تشتهي؟ قال: “أن أعرفه قبل موتي بلحظة”.

   وقيل لبعضهم وهو في النزع؟ قل: الله، فقال: إلى متى تقولون: الله، وأنا محترق بالله.

   وقال بعضهم: “كنت عند ممشاد الدينوري فقدم فقير وقال: السلام عليكم، هل هنا موضع نظيف يمكن الإنسان أن يموت فيه؟ قال: فأشاروا إليه بمكان  وكان ثم عين ماء- فجدد الفقير الوضوء وركع ما شاء الله، ومضى إلى ذلك المكان ومد رجليه ومات”.

   وكان أبو عباس الدينوري رحمه الله يتكلم في مجلسه فصاحت امرأة تواجدا فقال لها: موتي فقامت المرأة، فلما بلغت الدار التفتت إليه وقالت: قد متُّ، ووقعت ميتة. ويحكى عن فاطمة رحمها الله  أخت أبي علي الروذباري رحمه الله- قالت: لما قرب أجل أبي علي الروذباري  وكان رأسه في حجري- فتح عينيه قوال: هذه أبواب السماء قد فتحت، وهذه الجنان قد زينت، وهذا قائل يقول: يا أبا علي، قد بلغناك الرتبة القصوى وإن لم تردها، ثم أنشأ يقول: وحقك لا نظرت إلى سواكا *** بعين مودة حتى أراكــا

أراك معذبي بفتــور لحظ *** وبالخد المورد من حياكا   وقيل للجنيد رحمه الله: قل: لا إله إلا الله، فقال: ما نسيته فأذكره.

   وسأل جعفر بن نصير رحمه الله بكرا الدينوري رحمه الله  خادم الشبلي رحمه الله- ما الذي رأيت منه؟ فقال: “قال: علي درهم مظلمة، وتصدقت عن صاحبه بألوف، فما على قلبي شغل أعظم منه. ثم قال: وضئني للصلاة، ففعلت فنسيت تخليل لحيته  وقد أمسك على لسانه- فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ثم مات”. فبكى جعفر رحمه الله وقال: “ما تقولون في رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة؟”.

   وقيل لبشر بن الحارث رحمه الله لما احتضر  وكان يشق عليه-: كأنك تحب الحياة؟ فقال: القدوم على الله شديد. وقيل لصالح بن مسمار رحمه الله: ألا توصي بابنك وعيالك؟ فقال: إني لأستحي من الله أن أوصي بهم إلى غيره. ولما احتضر أبو سليمان الداراني رحمه الله أتاه أصحابه فقالوا: أبشر ! فإنك تقدم على رب غفور رحيم، فقال لهم: “ألا تقولون: احذر ! فإنك تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير؟”.

   ولما احتضر أبو بكر الواسطي رحمه الله قيل له: أوصنا، فقال: احفظوا مراد الحق فيكم.

   واحتضر بعضهم فبكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: عليك أبكي ! فقال: إن كنت باكية فابكي على نفسك، فلقد بكيت لهذا اليوم أربعين سنة.

   وقال الجنيد رحمه الله: دخلت على سري السقطي أعوده في مرض موته، فقلت: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول:كيف أشكو إلى طبيبي مــا بي *** والذي بي أصــابني من طبيبي   فأخذت المروحة لأروّحه، فقال: كيف يجد ريح المروحة من جوفه يحترق؟ ثم أنشأ يقول:القلب محترق والدمــع مستبق *** والكرب مجتمع والصبر مفترقُ

كيف القرار على من لا قرار له *** مما جناه الهوى والشوق والقلقُ؟

يا رب إن يك شيء فيه لي فرج *** فـامنن عليَّ به ما دام بي رمقُ   وحكي أن قوما من أصحاب الشبلي رحمه الله دخلوا عليه وهو في الموت، فقالوا له: قل: لا إله إلا الله، فأنشأ يقول:إن بيتـا أنت سـاكنه *** غير محتاج إلى السرجِ

وجهك المأمول حجتنا *** يوم يأتي الناس بالحججِ

لا أتـاح الله لي فرجا *** يوم أدعو منك بالفـرج   وحكي أن أبا العباس بن عطاء رحمه الله دخل على الجنيد في وقت نزعه فسلم عليه فلم يجبه، ثم أجاب بعد ساعة وقال: اعذرني فإني كنت في وردي، ثم ولى وجهه إلى القبلة وكبر ومات.

   وقيل للكناني رحمه الله لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرب أجلي ما أخبرتكم به، وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه.

   وحكي عن المعتمر رحمه الله قال: كنت فيمن حضر الحكم بن عبد الملك حين جاءه الحق، فقلت: اللهم هون عليه سكرات الموت فإنه كان وكان  فذكرت محاسنه- فأفاق فقال: من المتكلم؟ فقلت: أنا، فقال: إنّ ملك الموت عليه السلام يقول لي: إني بكل سخي رفيق، ثم طفئ.

   ولما حضرت يوسف بن أسباط رحمه الله الوفاة شهده حذيفة فوجده فقال: يا أبا محمد، هذا أوان القلق والجزع؟ فقال: يا أبا عبد الله، وكيف لا أقلق ولا أجزع وإني لا أعلم أني صدقت الله في شيء من عملي؟ فقال حذيفة رحمه الله: واعجباه لهذا الرجل الصالح يحلف عند موته أنه لا يعلم أنه صدق الله في شيء من عمله !

   وعن المغازلي رحمه الله قال: دخلت على شيخ لي من أصحاب هذه الصفة  وهو عليل- وهو يقول: يمكنك أن تعمل ما تريد فارفق بي.

   ودخل بعض المشايخ على ممشاد الدينوري رحمه الله في وقت وفاته فقال له: فعل الله تعالى وصنع  من باب الدعاء- فضحك، ثم قال: منذ ثلاثين سنة تعرض علي الجنة بما فيها فما أعرتها طرفي.

   وقيل لرويم رحمه الله عند الموت: قل: لا إله إلا الله، فقال: لا أحسن غيره.

   ولما حضرت الثوري رحمه الله الوفاة قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: أَليس ثَمَّ أمر؟

   ودخل المزني على الشافعي رحمة الله عليهما في مرضه الذي توفي فيه فقال له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء عملي ملاقيا، ولكأس المنية شاربا، وعلى الله تعالى واردا، ولا أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها أم إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشأ يقول: ولما قسا قلبي وضاقت مــذاهبي *** جعلت رجائي نحو عفوك سلما

تعــاظمني ذنبي فلمـا قرنتــه *** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل *** تجود وتعفو منـة وتكرمــا

ولولاك لم يغـوى بإبليس عــابد *** فكيف وقد أغوى صفيك آدمـا   ولما حضرت أحمد بن خضرويه رحمه الله الوفاة سئل عن مسألة فدمعت عيناه وقال: يا بني، باب كنت أدقه خمسا وتسعين سنة هو ذا يفتح الساعة لي لا أدري أيفتح بالسعادة أو الشقاوة فآن لي أوان الجواب.

   فهذه أقاويلهم، وإنما اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم؛ فغلب على بعضهم الخوف، وعلى بعضهم الرجاء، وعلى بعضهم الشوق والحب، فتكلم كل واحد منهم على مقتضى حاله، والكل صحيح بالإضافة إلى أحوالهم.