تتميز الأنظمة الديمقراطية بفصل واضح للسلط، وتوزيع دقيق للاختصاصات، وتحديد صارم للمسؤوليات حتى لا تطغى سلطة على أخرى، وحتى تعم الحرية الجميع.

   وبموازاة كل ما سبق، تتمتع الصحافة بحرية واسعة في هذه البلدان باعتبارها سلطة معنوية موازية لباقي السلط تساهم في تنوير الرأي العام وتزويده بالخبر والتحليل اللذين يمكنانه من تشكيل رأي ورؤية حول ما يحيط به.

   لذلك تراعي التشريعات خصوصية وظيفة الصحافة ومهمة الصحافي، فتؤكد على حقه في الوصول إلى مصادر الخبر، وتمنع العقوبات السالبة للحرية ضده، وتزود الصحف بكل التسهيلات اللازمة للقيام بمهامها.هذا ما عليه الأمر في الأنظمة الديمقراطية.   في الأنظمة غير الديمقراطية استئثار بالسلط وتجميع لها في يد واحدة، وقمع لكل صوت معارض، وإغلاق لكل هامش يمكن للمواطن / الرعية أن يتنفس فيه حريته، وتضييق على كل قناة يمكن أن تساعده على الإحاطة بالواقع المحيط به كما هو حقيقة.ما مناسبة هذا الكلام؟   تذكرت هذه الأفكار وأنا أتابع مسلسل المحاكمات التي تستهدف العديد من الجرائد، وحملات التهديد التي يطلقها هذا المسؤول أو ذاك في حق جرائد أخرى، والتضييق الذي تتعرض له بعض الجرائد، والعطايا والمنح والهبات التي تنزل على جرائد أخرى.

   تذكرت كل ذلك وأنا أستفسر عن البون الشاسع بين الشعارات المرفوعة والحقائق المعيشة.

   تذكرت كل ذلك وأنا أسائل نفسي إلى متى سنبقى مكتوفي الأيدي أمام هذا الظلم المتزايد؟ إلى متى سنبقى مشتتين؟ متى نستوعب حقيقة هذه الخطة الممنهجة؟ ومتى سنقتنع جميعا بالأولويات الواجبة علينا في هذه المرحلة؟

   لن أعيد تكرار الكلام حول المخزن وطبيعته الاستبدادية، وحاشيته المتسلطة. فهذا صار أشهر من نار على علم. ولا يهمني شيء من ذلك لأن المخزن وحاشيته منسجمون مع مبادئهم، أوفياء لطبيعتهم. ولا نتصور لحظة تغيرهم بسهولة. فكل ميسر لما خلق له.

   ولكن الذي يعنيني هو هذه البرودة في التعاطي مع هذا الاستهداف لحرية الصحافة والرأي والتعبير والتنظيم. من قبل الفاعلين السياسيين والحقوقيين والرأي العام. بل هذه الشماتة التي يهمس بها بعضهم كلما مس غيره، أو لِنَقُل خصمه.

   فاليوم تمر الحرية في المغرب، بمختلف تجسيداتها، بمرحلة دقيقة وامتحان صعب ولحظة حساسة تستلزم منا جميعا الوقوف في صف واحد وكتلة موحدة مدافعين عن كل مساس بهذا الأصل باعتباره أساس وجودنا، وبدونه لا جدوى من عملنا وبرامجنا ومشاريعنا وخططنا وأفكارنا، ولا جدوى من تنافسنا واختلافنا.

   تتعرض الحرية اليوم في المغرب لاختبار عسير بسبب المضايقات المتكررة والمحاكمات المتعددة والضغوطات المتوالية، ولن يوقف هذا الزحف إلا جبهة عريضة وكتلة موحدة تنتظم فيها كل مكونات المجتمع المدركة لخطورة هذا الوضع وكارثية هذا الانحدار الذي نعيشه يوما بعد آخر. يكون أعضاؤها على أتقى قلب رجل واحد، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

   هناك اليوم اتجاه داخل السلطة يتقوى لحظة بعد أخرى، ويركز نفوذه ويجرب كل الوسائل لخدمة هدفه الأسمى موظفا في سبيل ذلك كل الإمكانيات متناسيا حقيقة الأوضاع الكارثية للبلد.جربوا كل الوسائل   أشهروا سلاح المقدسات والثوابت والخطوط الحمراء. فلم تُجد نفعا.

   أشهروا سلاح الإجماع الوطني والشعبي والتاريخي. فخاب مسعاهم.

   أشهروا سلاح العمالة للخارج والتآمر على الوطن. فانفضحت دعاويهم.

   أشهروا سلاح القانون الذي عدلوه حسب مقاسهم. فلم يجد نفعا، ولم يسكت الأصوات المتعالية المطالبة بتوسيع هامش الحرية.

   هددوا المطابع بالإحراق، وسجنوا الصحافيين، وأوقفوا بعضهم عن مزاولة المهنة، وضغطوا على شركات التوزيع، وصادروا الأعداد وحجزوها، ووجهوا الدعم لعملائهم، ومنعوا الإشهار عن البعض، و… وحين لم يجد كل ذلك نفعا، ولم يجنوا منه إلا الفضائح وسوء السمعة لجؤوا إلى طريقة جديدة لمتابعة الجرائد المغضوب عليها، فصاروا يحركون من وراء الستار أشخاصا قبلوا خوض حرب بالوكالة عنهم.

   هؤلاء فئة طاعمة كاسية لا همّ لهم إلا مصالحهم، لوثوا سمعة البلاد، وشوهوا استقلال القضاء، وعطلوا وظائف الأجهزة، ولم يراعوا حرمة البرلمان حيث أرسلوا تهديداتهم ووعيدهم، وظفوا الإعلام العمومي الذي موله الشعب في حملاتهم ضد من رفض الانبطاح لهم.من يدفع في هذا الاتجاه؟ لمصلحة من؟ ما دلالات ذلك؟ ما هو واجبنا تجاه كل ما يجري؟   أولويتنا اليوم تأسيس جبهة عريضة للدفاع عن الحرية والتصدي لقوى الدفع إلى الوراء الرافضين لتوسيع هامش الحرية، والمشتاقين لسنوات الجمر والرصاص.

   أولويتنا تناسي الخلافات وحشد الأنصار لهذه الجبهة.

   أولويتنا تنظيم هذه الجبهة وطنيا ومحليا في كل المدن والقرى والمداشر للتصدي لكل من يريد استعبادنا واستضعافنا.

   من يكون منا ابن وقته، مدركا لاستحقاقات هذه المرحلة، فيتغلب على حواجز نفسية وهمية صنعها من لا يريد لكلمتنا أن تجتمع ولجهودنا أن تتوحد؟.

   من يبادر في هذا الاتجاه فيكون كمن سن سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة؟

   حاجتنا اليوم ملحة إلى جبهة عريضة دفاعا عن الحرية. ولا جدوى من حركتنا ما لم نضمن لها حدا أدنى من أجواء الحرية نقول فيه ما نعتقده وما نفكر فيه دون سيف مصلت ولا رقيب مترصد.